أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 22 يناير 2018.

دور التجار في تراجع قيمة الدينار الليبي

 

صقر الجيباني/ خبير اقتصادي ليبي

تعرض الاقتصاد الوطني خلال الخمس سنوات المنصرمة، لثلاث صدمات عنيفة ، صدمتين محليّتين؛ تمثلت الأولى، في وقف المصدر الوحيد للعملات الصعبة ممثلاً بالإيرادات النفطية بعد إغلاق تعسفي لموانئ وحقول نفطية هامة، وتمثلت الصدمة الثانية، في اندلاع الحرب وما كلّفته من إنفاق باهظ وذعر مصرفي انتشر بين المودعين، مما جعل السيولة النقدية تسارع في الهروب من الحسابات المصرفية. أما الصدمة الثالثة فهي صدمة خارجية تمثلت في انهيار أسعار النفط العالمية.

ومع إتباع الدولة الليبية نظام سعر الصرف الثابت مع توسع غير مسبوق في الإنفاق العام وفي ظل انقسام مؤسساتي وتغول الفساد، بناء على مؤشرات المؤسسات الدولية، وقع النظام المالي في ليبيا في عجز مالي مزدوج، تمثل في عجز ميزان المدفوعات من جهة، وعجز الموازنة العامة من جهة أخرى.

مع العجز المالي والتوسع في الإصدار النقدي لتمويل الميزانية وحل أزمة السيولة، تراجعت قيمة الدينار الليبي، فتصاعدت معدلات التضخم وبدأت السوق الموازية للعملة الصعبة تنشط وتتوسع حيث  ظهرت طبقة جديدة من التجار والسماسرة المضاربين على العُملة مستغلةً الوضع الراهن، وحققت أرباحا كبيرة مستفيدةً من الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي.

وفي ظل وقوف مصرف ليبيا المركزي عاجزاً عن الدفاع عن قيمة الدينار الليبي التي تتهاوى أمامه في السوق الموازية، تولّدت قناعة لدى هذه الفئة من التجار بأن الاحتياطي الرسمي من العملات الصعبة لدى المركزي غير قادر على المواجهة وحماية الدينار،  فكثّف هؤلاء التجار مضاربتهم وهجومهم على العملة، فانهارت قيمة الدينار الليبي أمام العملات الصعبة بالسوق الموازية حتى وصلت في بعض الأحيان الى مستويات مبالغ فيها.

اليوم تجار العملة هم من يتحكّم بالسوق، يرفعون ويخفّضون سعر الصرف بشكل مفاجئ، وكيفما يشاؤون، مستغلين حاجة المواطن للنقد الأجنبي سواء لأغراض التجارة أو العلاج أو الدراسة في ظل موقف ضعيف من المركزي، رفع الراية الحمراء، و يُجهّز ويروّج لتنفيذ حزمة من الإصلاحات النقدية، من بينها تخفيض سعر صرف الدينار الليبي مع سياسات مالية مصاحبة، وحتى ذلك الحين مازال سوق العملة بيعاً وشراءً  يُدار من قبل  كبار تجار العملة من المضاربين ويتبعه صغارهم من وسطاء ومتطفلين على السوق، وهذا المثلث المكون من كبار تجار العملة والوسطاء والدخيلين على السوق، يتحرك وفقاً لعامل التوقعات أكثر من تحركه تحت تأثير قوى العرض والطلب في السوق،  ونقصد بعامل التوقعات هنا توقع  استقرارالوضع السياسي أواضطرابه، وبالتالي ارتفاع سعر صرف الدينار أمام العملات الصعبة أو انخفاضه بالسوق الموازي وكذلك التوقعات والمستجدات  فيما يخص الأوضاع الأمنية.

وعليه سيتلاشى هذا المثلث بسهولة  في حال قام المركزي بهجمة مرتدّة على التجار المضاربين تتمثل في ضخ العملة الصعبة بكميات كبيرة  في القطاع المصرفي، وتسهيل الحصول عليها من قبل المواطنين بسعر أقل بكثير من السعر الموازي.

بيد أن نجاح هذه الخطوة مرتبط أيضاً بعامل التوقعات، فإذا توقع الجميع أن الوضع السياسي والأمني سيستقر ويتحسّن في المدى المنظور بناء على المعطيات الموجودة على الأرض، وتتوحد السلطة النقدية، فسيحسم المركزي معركته ضد  تجار العملة، أما إذا كان العكس فإن المجازفة بالدخول في معركة مع المضاربين للدفاع عن الدينار غير مضمونة النتائج. خاصة وأن هناك تجار عملة (ليبيين وغير ليبيين ) متربصين على جانبي الحدود الشرقية والغربية للبلاد، قاموا  بتهريب شاحنات معبأة بالوقود والخردة لن يتورعوا في تهريب رزم من النقد الأجنبي وهم  يتحيّنون الفرصة لشراء أي كميات من العملة الصعبة يطرحها مصرف ليبيا المركزي للبيع، وبالتالي سيعود نفس المثلث السابق من تجار العملة للمضاربة في السوق الموازية من جديد بالأسعار الجديدة، وبشكل أشرس هذه المرة وبالتالي المزيد من التراجع في قيمة الدينار وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.

برأيك هل ساهمت منصات التواصل الإجتماعي في دعم المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي وإنهاء الإنقسام السياسي?