أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

قصف درنة انحطاط أخلاقي وتِيْه قيمي

 

عبد الفتاح الشلوي/

يبدو أن سُنة التغيير قد طالت حد اللامنتهى بعالمنا اليوم، حتى الاستعمار تغير في شكله وألاعيبه، كل يوم يترسخ عندي هذا المفهوم، لم يعد الاحتلال كما هو بمنتصف القرن الماضي، ولم يعد فن الممكن بالساسة ذات الفن، وبلطجة الأقوياء صارت قيمًا، تساقطت أوراق غابتنا بفصل الربيع، حتى القتل أصبح غير القتل، والموت غير الموت، خَجُل العالم من مذابح دير ياسين، وبحر البقر، وصبرا وشاتيلا، وقانا، والعامرية، وغيرها، لكنها مازالت تُمارس وأحيانًا باسم الشرعية، صحيح أنه يجمعها الموت، لكنها تختلف باختلاف الزمان والمكان ودرجة بشاعتها وقسوتها، وهى مستمرة وستستمر الي أن يفيق العالم والشمس تشرق من مغربها، فقد أضحى العالم لا يخشى الكشف عن سوأته ويعتبرها مباهاة في بعض الأحيان، ويتبارى في الكشف عنها، ويطال ذلك الشعوب المغلوبة على أمرها،  بعالمنا العربي والإسلامي على وجه التحديد.

وها هى منذ أيام طائرات معلومة مجهولة تدك بيتًا بمنطقة الفتائح أحدى محلات مدينة درنة الليبية، بيتٌ ضمّ عدة أُسر تحتفي بمناسبة اجتماعية، ولم تفرق قنابل أصحاب القرار بين طفل رضيع وأمًهاتٍ يتوسطن أبناءهن، كان السياسي كما العسكري قاسيًا دون رحمة، اتخذ الوسيلة وبرر الجريمة، بعد أن قصفت طائراته البيت ودفنت المحتفين تحت أطنان من الركام، أربعون ضحية بين قتيل وجريح، لم يكن بينهم رجل واحد، حولت قنابلهم فرحتهم لكارثة إنسانية، جعلت أحد الأباء يصرخ بمستشفى المدينة ( هل تبقى أحد من أفراد أسرتي على قيد الحياة ؟!)  لتضاف لسجل الجرائم المُتخم بمآسي وأوجاع الإنسانية تحت مُغلفات ومبررات هى أثقل من الأشلاء التي نثرتها قسوة المجرم، وفي أعين الأطفال التي عبثوا بها .

اعتادت مدينة درنة أزيز الطائرات الحربية، واجتهد أهلها في تحديد هويتها، أصابوا تارة وأخفقوا أخرى، كثيرة هى المرات التي قُصِفت فيها مدينة درنة، غير أنه يعلق بذاكرتها الغارة الجوية التي أعقبت جريمة ذبح الأقباط بمدينة سرت،  وألصقت بشباب درنة، فخلفت ضحايا بشرية وأضرارًا مادية، غير أن الأخيرة كانت بشعة وقاسية دون رحمة، تبنتها قناة الحدث — الذراع الإعلامي لعملية الكرامة —  بزهوٍ وافتخار، وأطلقت عبر شاستها خبرًا عاجلًا بأن سلاح الجو الليبي قصف مواقعًا للإرهابيين من كتائب بوسليم بمنطقة الفتائح، وأنه تمت إصابة “هشام عشماوي” المتهم الرئيس في مجزرة كمين الشرطة المصرية بالجيزة، وأربكت السلطات المصرية المشهد عندما تبنت بعض وسائل إعلامها العملية وبررتها بأنها إنتقامًا لهجوم عشماوي على كمين الجيزة، متزامنة  مع شريط الخبر العاجل على قناة الكرامة.

وما أن ظهرت بشاعة صور الأطفال وأمهاتهم وهم أشلاء متفحمون، حتى لجأوا للترقيع، فقد قضى 18 طفلًا ونساء جراء الهجوم، والذي لاقى إستنكارًا محليا ودوليًا، وأثار الرأي العام، ما دفع متبنيا العملية للتنصل منها وإدانتها والتبرؤ منها وتقديم العزاء لأسر الضحايا، عبر وزارة الخارجية المصرية، والناطق الرسمي باسم عملية الكرامة والذي كان في مقدمة المنتشين بالعملية ! !

مكان القصف يبعد عن مقر مجلس النواب 160 كلم، ولو أنهم كانوا موجودين بمجلسهم وأنصتوا لسمعوا الصراخ والنحيب، لكن ذلك لم يمنع النائب ” إبراهيم زغيد” من مباركة العملية وأنها استهدفت جماعات إرهابية، وردها عضو آخر وهو الدكتور “بوبكر بعيرة”  لتركيبة درنة الإجتماعية والمتمثلة بالبدو والحضر ! !

منعت قوات الكرامة سيارات الإسعاف وهى تهرع  بالجرحى من المرور بالطريق المعبد ببوابة مرتوبة، وكذلك فعلت بوابة كرسة الغربية، إلتزم مجلس النواب الصمت، وتجاهل الجريمة درأً لمخاوف معلومة، وابنعادًا عن منطقة الوحل السياسي والفمعي.

خرج أهل درنة يشيعون ضحايا المجزرة في مشهدٍ لم تعرفه المدينة من قبل، وأثارت الفاجعة مشاعر العالم، فكانت ردود الفعل المنددة والشاجبة ونادى البعض بعقد جلسة لمجلس الأمن، لم يقف السقوط الأخلاقي عند هذا الحد فقد ارجعت قناة الحدث خروج المدينة بهذه الأعداد من خلال إجبارهم من قبل إرهابيين ملثمين من مجلس شورى درنة بعد أن اعتلوا المباني العالية وصوبوا لنادقهم على رؤوس أهل البلدة،  وشطح خيال مدون بأنها تمثيلية لا أموات فيها، وأن أحياء ينامون بالنعوش خرجت يد أحدهم تلوح للمشيعين، وطالب أستاذ الفلسفة بجامعة السربون بالتحقيق مع من رقدوا بالتوابيت، ولم بكن ساخرًا فقد تنطلى عليه الخبر وابتلعه، فأي إنحطاط أخلاقي هذا الذي أصاب القوم ؟ وأي تيه قيمي لفهم ؟

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟