أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

ليبيا: دينامية الحل السياسي تبدأ من الداخل

 

عبد الوهاب بدرخان

إذا أمكن لممثلَي طرفَي الأزمة الليبية أن يلتقيا ويتوصّلا إلى تفاهمات، كما حصل في أبوظبي في مايو الماضي، وأن يبرما اتفاقاً مكتوباً كما فعلا في باريس أواخر يوليو الماضي، فما الذي يحول دون تحريك الأزمة نحو بدايات الحلحلة ثم الحل؟ قد يقال إن الأطراف الإقليمية والدولية هي السبب، أي أنها لا تزال تعتبر أن ظروف الحل لم تنضج بعد، وبالتالي فإن لديها مصلحة في استمرار الأزمة. لكن الملاحظ مثلاً أن مصر والإمارات تبذل المحاولة تلو الأخرى للتقريب بين الطرفَين، ثم دخلت فرنسا على الخط، كما أن روسيا تفضّل عدم التشويش على المساعي، في حين أن المبادرات قليلة من جانب إيطاليا وتركيا والجزائر وقطر.

تدعم المجموعة الأولى الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر بمقدار اعترافها بحكومة فايز السراج، فلأنها تعتبر أن هذين الرجلين قادران على العمل معاً لتحقيق مشروع الدولة: السراج مستنداً إلى الشرعية التي منحه إياها المجتمع الدولي، ولا بدّ أن تكتمل بشرعية داخلية لا يوفّرها لها سوى مجلس النواب، وحفتر الذي استطاع الحفاظ على بقايا الجيش الليبي، ويحظى بتأييد مجلس النواب، ولا يمكن للدولة أن توجد وتوطّد سلطتها إلا بمساهمة هذا الجيش. أما المجموعة الثانية فتبدو حكومة السراج واجهتها، لكن من يختبئ وراء هذه الحكومة هم الذين رفضوا في 2014 نتائج الانتخابات التي شاركوا فيها، وخسر معظم مرشحيهم فيها فقادوا انقلاباً على الشرعية، وسيطروا على العاصمة طرابلس، ودفعوا البلاد إلى وضع شبه تقسيمي بين شرق وغرب وجنوب. ومع أن الجميع بلا استثناء يقول بأن الحل الوحيد للأزمة سياسي، ولا يمكن أن يكون عسكرياً، وبأن «اتفاق الصخيرات» هو الممر إلى هذا الحل، وبأن ثمة توافقاً على تعديله حتى يمكن تنفيذه، فقد غدت عرقلة التعديل سبباً مكشوفاً لعدم التنفيذ، ولا شك أن هناك مستفيدين من إدامة الأزمة.

بدهي أن السراج وحكومته موجودان على صفيح ساخن، فهما محاطان ومخترقان من جانب قوى ميليشيوية يُراد فرضها باعتبارها الجيش الوطني البديل، وبالتالي فإنهما تحت رحمة هذه القوى التي ترى في جيش «حفتر» نقيضاً لها. في حال كهذه، ورغم كل الدوافع السليمة والطيّبة، لا يُتوقّع أن يتمكّن السراج من خطو أي خطوة كاملة في اتجاه «حفتر»، والعكس صحيح، فبين الاثنين تشكّل جيش آخر أساسه ميليشيوي، وفيما تتآكل شرعية الحكومة المعترف بها دولياً، لا تنفكّ هذه الميليشيات تتعزّز مستفيدة من استمرار التأزّم ولا هدف لها سوى تأمين غلبة فئة على فئة، وضمان أن أطراف تيار الإسلام السياسي، بالأحرى «الإخواني»، ستبقى مسيطرة على طرابلس وتتحكّم بحكومة السراج، التي وُجدت أصلاً للتوفيق بين مختلف الأطراف، ولتسهيل التوصّل إلى حل سياسي.

بالعودة إلى اتفاق باريس فقد تضمن عناصر أولية (وقف إطلاق النار، نزع السلاح، تأسيس جيش موحد تحت قيادة مدنية، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في 2018)، تصلح خريطة طريق لنقل الأزمة من الانسداد الحالي إلى بداية العمل المباشر على الحل. غداة هذا الاتفاق قصد «السراج» روما المستاءة من اتفاق باريس، وطلب باسم حكومته وجود قوات بحرية إيطالية في المياه الإقليمية لمكافحة قوارب الهجرة غير الشرعية. أرادت القوى الناشطة وراء السراج وداعموها الإقليميون وضع إيطاليا في مواجهة فرنسا للتأكد من أن الاصطفاف الدولي لم يتبدّل، لكن الجدل الذي أعقب هذه الخطوة أفسد أي ثقة كان لقاء باريس شرع في بنائها، ولعل هذا ما جعل موسكو تتخلّى عن لقاء جديد كانت أعلنت عنه رسمياً بين السراج وحفتر، وقد زارها الأخير وسمع تجديداً للترحيب باتفاق باريس وتشجيعاً على حلّ سياسي بإشراف سياسي.

الحلقة الرئيسية المفقودة هي الولايات المتحدة التي يُعتقد، عن خطأ أو صواب، أن بإمكانها أن تحسم العديد من العراقيل إذا أرادت أن تقود الحل، غير أن إدارتها الحالية لم تضع الملف الليبي في أولوياتها، فهي لا تقود من أمام، ولا من خلف كما فعلت في بداية التدخل الأطلسي، وكالعادة فهي لا تتيح لأي طرف دولي آخر أن يقود. لكن مراقبين كثيرين يعتقدون أن أي تغيير داخلي جوهري في طبيعة الأزمة ربما يدفع الأطراف الدولية إلى تهدئة منافساتها، والتعويل في هذا المجال على المبعوث الدولي الجديد غسان سلامة، وهو أشار فعلاً إلى السعي لخلق دينامية حل يقودها الليبيون، لكن المبعوث الأممي مدرك أن الشعار واعد ومشجّع، وأن الواقع أكثر صعوبة وتعقيداً.

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟