أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

أيهما الأول في ليبيا: الاستفتاء أم الكهرباء؟

 

 

الدستور قبل الكهرباء أم الكهرباء أولا؟ من يعرف حقيقة الأوضاع المعيشية المنهارة في ليبيا اليوم يُدرك أن هذا السؤال ليس تلاعُبا بالألفاظ. غالبية الليبيين تُفضل، بشكل قاطع، عودة الكهرباء (التي لا تشتغل أكثر من أربع ساعات في اليوم) واستتباب الأمن على انتخاب برلمان جديد أو المشاركة في استفتاء على الدستور. لسان حال الليبيين المُنهكين من ست سنوات من القتال يشير إلى القبول بأي مُستبدٍ، أيا كانت هويته، إذا كان سيوقف العنف ويضبط الأمن ويُعيد الخدمات الاجتماعية والصحية ويؤمن السيولة في المصارف. لكن جميع المبادرات السياسية التي تسعى إلى حل سلمي وتوافقي للأزمة الليبية تنطلق من ضرورة إجراء انتخابات واستفتاء على مشروع الدستور.
 لم يكن حرصُ الفرنسيين على الاشارة إلى إجراء استفتاء في ليبيا حول مُسودة الدستور في البيان الذي أصدروه عقب اللقاء الذي جمع بين فايز السراج وخليفة حفتر في باريس، من باب ملء الفراغ، وإنما هو ممرٌ إجباريٌ لا يستقيم الانتقال نحو الاستقرار والسلم الأهلي من دون المرور عبره. الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية والبرلمانية هما الجسر الذي يمكن أن تعبر ليبيا فوقه إلى المصالحة الشاملة ومعاودة بناء البلد، الذي خربته ست سنوات من الصراع الأهلي.
هناك من يعتقد أن مصادقة أعضاء هيئة الدستور على وثيقة نهائية، أضاف مصدر خلاف جديد إلى مصادر الشقاق الأخرى بين الليبيين. إلا أن التوصل إلى وثيقة توافقية، بأكثرية واضحة (43 من أصل 44 عضوا)، بعد ثلاث سنوات من الاجتماعات المُضنية داخل ليبيا وخارجها، وضع علامة مهمة على طريق إعادة بناء البلد ومؤسساته. لا بل أعطى مثالا عميق الدلالات على أن الليبيين يمكن أن يتفقوا على كلمة سواء، إذا ما نظروا معا للمستقبل، بالرغم من الجراح التي أثخنت أجساد هؤلاء وأولئك. في البدء، كان مُقررا أن يستكمل أعضاء الهيئة المكلفة صياغة مسودة الدستور عملهم خلال أربعة أشهر فقط، لكن عملهم استغرق ثلاث سنوات، بسبب تفجُر الصراع المسلح بين قوات «فجر ليبيا» من جهة وقوات المشير حفتر من جهة ثانية في 2014. ولأن ذاك الصراع ألقى بظلاله على عمل الهيئة وانعكس صراعا داخليا بين أعضائها، اضطروا إلى عقد اجتماعات كثيرة خارج ليبيا. ولعل من أهمها تلك الاجتماعات التشاورية التي استضافتها مدينة صلالة العُمانية، وظهرت فيها خلافات في شأن اللغة والهوية، بعدما طالب ممثلو التبو والطوارق باعتماد اللغات الطارقية والتباوية والأمازيغية لغات رسمية، مع إدماجها في البنية التعليمية وفي مجالات الحياة العامة. كما اعترضوا على أن تكون ليبيا جزءا من الأمة العربية ودافعوا على كونها جزءا من المغرب الكبير وافريقيا. وخلافا لموقف التبو والطوارق الذين حضروا الاجتماعات التشاورية، قاطعها ممثلو الأمازيغ، الذين يُقدر عددهم في ليبيا بما بين 4 و6 في المئة من العدد الإجمالي للسكان (حوالي 6.5 ملايين).
المُعترضون بقوة على مُسودة الدستور فريقان أولهما أنصار المشير خليفة حفتر، لأن الدستور المقترح لا يلحظ مكانة خاصة للعسكريين في مؤسسات الحكم، ويُخضع السلطات العسكرية لرئيس الدولة المنتخب، كما في جميع الأنظمة الديمقراطية. أما الفئة الثانية فهم دُعاة الفدرالية الذين علت أصواتهم بعد ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، اعتمادا على المظلومية التي تنطلق من كون اقليم برقة (الشرق) تعرض فعلا لتهميش منهجي طيلة أربعة عقود، على أيام معمر القذافي (1969-2011). غير أن الفدراليين يُحاولون علاج مشاكل ليبيا بالتي كانت هي الداء، أي التمييز بين المناطق والقبائل والفئات، بما قد يفتح على تقسيم البلد. وانطلاقا من هذه الخلفية أوفد رئيس الحكومة المُنبثقة من البرلمان عبد الله الثني (غير معترف بها دوليا) رسولا إلى أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ليطلب منهم الامتناع عن التصويت على مسودة الدستور الجديد، إلا أنهم رفضوا التجاوب مع مسعاه. وحاول الفدراليون وأنصار حفتر والثني حصار مقر أعضاء الهيئة التأسيسية في مدينة البيضاء (شرق) للضغط عليهم، لكنهم لم يُفلحوا.
في المُحصِلة، تفادى الليبيون الخطأ الكبير الذي اقترفه جيرانهم التونسيون عندما انتخبوا، بعد ثمانية أشهر فقط من إطاحة النظام الاستبدادي، مجلسا تأسيسيا مُهمته الأولى، نظريا، كتابة دستور جديد في غضون سنة واحدة. لكنه تحول إلى حلبة صراع بين المنتصرين في الانتخابات وغُرمائهم الأيديولوجيين على مدى ثلاث سنوات أوصلت البلد إلى شفا الحرب الأهلية. ولم يولد الدستور الجديد ولادة قيصرية سوى عندما كان أركان «الترويكا» الحاكمة يُغادرون الحكم من الأبواب الخلفية، تحت وقع المظاهرات والاعتصامات. من هنا كان من الحكمة أن يُفوض الليبيون لـ«لجنة صياغة الدستور» المُنتخبة وضع مُسودة دستور جديد، لكي تُعرض على استفتاء شعبي.
كان الوضع التونسي مؤهلا لتشكيل لجنة توافقية تتكفل بكتابة مشروع الدستور، من دون الانزلاق إلى معارك انتخابية قائمة على الشحن الأيديولوجي، سرعان ما استثمرها المُتربصون بالتجربة اليافعة لنشر الإرهاب وارتكاب اغتيالات سياسية. بهذا المعنى تتفق الرؤى المتقاطعة اليوم في ليبيا على أن إجراء استفتاء على مُسودة الدستور والاعداد لانتخابات عامة، يأتيان على رأس الأولويات، أو هكذا ينبغي أن تكون، سواء لدى الكيانات السياسية أم لدى المجتمع الدولي وممثلته الرسمية بعثة الدعم الأممية. ومن أجل تمهيد الطريق للاستفتاء والانتخابات لابدَ من إيجاد المناخ الملائم، وخاصة تحجيم الجماعات المسلحة وإخراج السلاح الثقيل من المدن ومحيطها.
خلف الليبيين ثلاث تجارب انتخابية ناجحة، الأولى هي انتخابات المؤتمر الوطني العام (2012) والثانية البلدية (2012) والثالثة انتخابات البرلمان (2014). واستنادا على هذا الإرث يمكن للتجربة المقبلة أن تتفادى كثيرا من المطبات.
عودٌ على بدء، الدستور قبل الكهرباء أم الكهرباء أولا؟ الجواب أن الدستور هو الذي سيُؤمن الكهرباء والماء لليبيين، ويسهر على منع سرقة ثرواتهم، بإقامة مؤسسات دولة حديثة تقطع مع الفردانية والفوضى غير الخلاقة. كان زعيم الثورة السوفييتية فلاديمير إيلتش لينين يقول إن الاشتراكية هي مجالس السوفييت زائدا الكهرباء. ويجدر بالليبيين اليوم أن يقولوا إن الانتقال إلى الديمقراطية هو دستورٌ زائدا انتخابات، شريطة أن تكون حرة ونزيهة وشفافة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟