أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

أزمة السلطة الرابعة في ليبيا

 

بقلم: امحمد علي هويسة تزداد الأزمة الليبية حدة في غياب الإرادة الوطنية رسمياً وشعبياً للاحتواء ومحاولة إنتاج الحل، وبرغم تعدد المبادرات الدولية التي قد تساعد في خروج البلاد من أزمتها إلا أن مصيرها الرفض لتعنت القوى المتنازعة، والتي تختلف مرجعياتها باختلاف التركيبة الديمغرافية والأيديولوجية، وبارتفاع وتيرة الصراع السياسي والعسكري يسير الوضع الليبي نحو مزيد من التأزم والتدهور، فالأزمة السياسية بتعقيداتها تتصدر المشهد منذ ما يقارب الأربع سنوات، تليها الأزمة الأمنية التي تزداد تعقيداً كل يوم، والأزمة الاقتصادية الخانقة وتبعاتها التي فاقت كل التوقعات، ثم تبرز أزمة ” الإعلام ” لتكتمل منظومة الفشل التي تثقل كاهل البلاد. في هذه السطور نتناول دور الإعلام كطرف أصيل في معادلة الأزمة الليبية. يُعبر عن وسائل الإعلام بـ (السلطة الرابعة) لقوة تأثيرها، ولما لها من أهمية في الرقابة والتوجيه للسلطة الحاكمة، ولأنها تستمد سلطتها من سلطة المجتمع التي تكون مساوية أو أكثر نفوذاً من سلطة الحكومة. والإعلام في دول العالم الحر يعتبر دعامة النظام الديموقراطي، وصمام الأمان لتقويم السلطة التنفيذية أو التشريعية، ورسم الاتجاه والرأي العام لسلطة الدولة. وتعد ليبيا من الدول الحديثة في الديمقراطية، ولقطاع الإعلام الدور الكبير والمؤثر في صياغة المشهد الليبي بالفترة الراهنة، وكغيره من القطاعات فقد تضرر من حالة الفوضى التي تعم البلاد بعد ثورة فبراير 2011م. الثورة التي كان لها الدور الهام في محاولة الارتقاء بأداء الإعلام الليبي وأعطته دفعة قوية في اتجاه التحرر والتطور، إلا ان المنظومة الإعلامية الليبية لم تفلح في إعادة ترتيب أوراقها وتنظيم نفسها، ولم يكن الأداء المهني للإعلاميين بالمستوى المطلوب ومتماشيا مع طبيعة المرحلة. ثورة فبراير التي كانت الحرية أحد أهم شعاراتها منحت الإعلام الليبي الطموح إلى الحرية والاستقلالية، ولكن حتى هذه اللحظة لم يملك الإعلاميون الليبيون النضج المهني لمجاراة هذه النقلة الهامة، فأغلب وسائل الإعلام تفتقر للمهنية، ومعايير أخلاقيات الإعلام، ، ولم تعد تؤمن بالحوار والرأي الآخر، ولا تحترم حق الاختلاف، وانجرفت وراء طرفي الانقسام السياسي والمؤسساتي، وأصبحت أبواق مبرمجة يسيرها المال، حيث دأبت على تضخيم الأحداث بأكبر قدر ممكن من دلالاتها الواقعية، فكثرت فيها المعارك الإعلامية التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة، والأخطر من ذلك استغلالها كسلاح سياسي بل وأمني أحيانا لتصفية الحسابات بين طرف ضد آخر، وغالباً ما تغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب ضد حقوق الإنسان وتقييد الحريات.. والحاصل أن هذه المؤسسات لا تعدو كونها دكاكين إعلامية وظيفتها التسويق لأطراف الصراع. لم يعد خافياً مستوى الأداء الضعيف للإعلام الليبي وعدم كفاءته في مواكبة التحول الذي شهدته البلاد بعد الثورة، وقد ظهر ذلك جلياً فيما تقدمه من برامج وحملات إعلامية لا تخلو من التحريض، وتعزيز الفرقة، وما تقدمه من أشكال المهاترات والخلافات الشخصية على الشاشات، والمماحكات الإعلامية، في حين تحولت برامجها الى حصص تلقين للجمهور، ومذيعوها أدوات تمارس النفاق الإعلامي المبتذل معتبرين أنفسهم منظرين وقادة سياسيين.. لقد تحولت بعض القنوات المرئية على وجه الخصوص الى آلة مؤدلجة همها الترويج لتوجه سياسي معين، والتطبيل لفرد، أو حزب، أو ميليشيا، أو مدينة.. بدافع المصلحة، وما وصلت إليه البلاد من وضع كارثي على كافة المستويات فإن الإعلام يعد عنصراً أساسياً فيه. يظل الخطاب الإعلامي الليبي غارقاً في التضليل والمبالغة فيما يستجد من أحداث، ويعاني من ضعف التغطية الإخبارية، وكثافة الاعتماد على مصادر ضعيفة في نقل المعلومة وأحياناً اختلاقها، وتكرار بث التعبيرات المغرقة في التعصب، والإقصاء، والتخوين، وتبني العنف.. وهذا الأمر له انعكاساته السلبية على الأمن والاستقرار الاجتماعي، وألحق الضرر بجهود مؤسسات المجتمع المدني الداعية للتسامح والمصالحة، ولم شمل الليبيين وتجاوز خلافاتهم مهما كانت أرائهم وتوجهاتهم السياسية. وعند الإشارة الى التخبط الذي يعانيه قطاع الإعلام في هذه المرحلة، فهذا الأمر لا يعني أن الإعلام الليبي كان معياريا ومتسقا مع المعايير الدولية طيلة العقود الماضية ثم حدث النكوص والتراجع، ولكنه يعاني من هذه العيوب منذ حقبة الاستبداد، إبان ثقافة التجهيل والتطبيل التي غرسها نظام القذافي في نفوس بعض المثقفين والإعلاميين، والذين نجحوا بدورهم في تسطيح عقولنا وتفكيرنا، وخلقوا مجتمعاً منغلقاً عن نفسه يعاني من تخلف ثقافي وعلمي كبير، وجمود في الابتكار والإبداع في مختلف المجالات مقارنة بالمجتمعات الأخرى . ويمكن إرجاع أسباب الفشل وتدني الأداء المهني للإعلام الليبي لعدة عوامل منها: 1 ـ انعدام الرقابة من سلطة الدولة على مختلف وسائل الإعلام التي تبث من الداخل أو خارج البلاد، وإخفاق السلطة التشريعية في اصدار قانون ينظم قطاع الإعلام. 2 ـ غياب ميثاق الشرف الإعلامي، وعدم التزام المعنيين بالمؤسسات الإعلامية بمدونة السلوك المهني 3 ـ التغيير المفاجئ الذي حدث في ليبيا بعد الثورة بانتقال إعلام الدولة المركزي الموجه الى إعلام حر مستقل، وظهور الكم المفرط من وسائل الإعلام التي تفتقر للتأهيل والخبرة. 4 ـ إقبال فئة من أثرياء الحرب، ورجال الأعمال، وبقايا النظام السابق على امتلاك قنوات إعلامية خاصة بهم يستخدمونها لتوجيه الرأي العام في قضايا سياسية معينة خدمة لمصالحهم، وأدي توغل أصحاب المصالح والساعين للسلطة في هذا المجال الى تراجع مؤشر حرية الإعلام عامة، وحرية الصحافة خاصة. 5 ـ غياب نقابة رسمية للإعلاميين يناط بها رعاية العاملين بقطاع الإعلام، وتوفير وسائل الحماية اللازمة لهم من المخاطر المحيطة بهم أثناء تأدية مهامهم. 6 ـ انعدام الحس الوطني لدى العاملين ببعض المؤسسات الإعلامية، وعدم تحملهم المسئولية بإتباعهم سياسة تضخيم الصراع بدلاً عن التهدئة ومحاولة نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف. ومع استمرار محنة “السلطة الرابعة ” في ليبيا وحالة الانحدار المهني والأخلاقي لبعض المؤسسات الإعلامية.. لا يخلو المجال الإعلامي الليبي من مراكز إعلام وطنية تتمتع بالكفاءة والخبرة من قنوات مرئية، وإذاعات مسموعة، وصحف، ومواقع الكترونية، وغيرها حاولت بقدر الإمكان توخى المصداقية والمهنية، والالتزام بمعايير أخلاقيات الإعلام، وميثاق الشرف الإعلامي، وتعمل جاهدة على عدم الانجرار وراء الانقسام والولاءات الأيديولوجية.. وأملنا كبير في الكوادر الوطنية من الإعلاميين لحمل شعلة التصحيح والنهوض بهذا القطاع الحيوي ليقوم بدوره في إعادة بناء الإنسان الليبي وترسيخ مفاهيم المواطنة والحقوق المدنية، والانتماء، والمسؤولية، واحترام الآخر، ومعرفة الواجبات والحقوق، والابتعاد عن التعصب القبلي والجهوي المقيت، وتوجيه الشباب وتعويدهم على تأدية الواجبات، والتمسك بالحقوق والدفاع عنها بالقانون وليس بالبارود، والمحافظة على قيم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والابتعاد عن الغلو والتطرف. “حفظ الله ليبيا”

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟