أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

ازمة الكهرباء في ليبيا... الأسباب والمعالجات

 
د. عبيد أحمد الرقيق

بصفتي مهتما بالشأن الليبي أولا، وبحكم تجربتي وخدمتي في شركة الكهرباء سابقا، أجد نفسي ملزما بالكتابة عن موضوع الكهرباء في أكثر من مرة، تفاعلا مع الاحداث التي تسجلها الأيام في وطني العزيز، فلا أحد من الليبيين لم يؤرقه وضع الكهرباء في بلدي، وخصوصا بعد العام 2014، حيث امتدت المعاناة الى كل بيت، من انقطاعات متكررة وطرح أحمال يتجاوز زمنها 10 ساعات في بعض الأحيان!، كل ذلك ولا شك شكل أزمة حقيقية في الكهرباء صارت تتورم مطلع كل يوم جديد، وتلقي بظلالها القاتمة على المواطنين الذين يعانون وضعا معيشيا صعبا على مختلف الصعد!

ان خطورة الوضع وأهمية الكهرباء لكل مواطن، تجعلها ازمة الجميع،  وترتقي سلم الأولوية لدى قطاعات الشعب كافة، الامر الذي يتطلب تظافر الجهود من الجميع للتصدي لها وتخفيف أثرها، وحتى نضع الجميع أمام حقيقة هذه الازمة، ينبغي التعريف والاعتراف بها أولا، ثم تأتي فيما بعد مراحل التعامل معها. وبالتأكيد أن ازمة الكهرباء لا يمكن فصلها عن الوضع المضطرب والفوضوي الذي تعيشه ليبيا بعد الانتفاضة في 2011 فهي أزمة  تولّدت بالفعل عن ذلك الوضع فكانت نتيجة مدركة من نتائجه.

أولا: التعريف بالأزمة وتحديد المشكلة

* أزمة الكهرباء في ليبيا التي نعيشها الآن يمكن تحديدها باختصار في: (زيادة معدلات السحب "الطلب" للتيار الكهربي على معدلات الإنتاج "العرض" في أوقات الذروة الصيفية والشتوية)

الكثير من العامة لا يدرك هذه الحقيقة، وقد يذهب به تفكيره الى انها مفتعلة! رادا ذلك الى عدم حدوث مشكلة في بعض أوقات السنة خلال فصلي الخريف والربيع! ويتساءل اذا: لماذا لا تحدث انقطاعات كهربية طيلة أيام السنة؟! والاجابة على هذا السؤال ببساطة تكمن في، أن معدلات سحب واستهلاك التيار الكهربائي متغيرة وغير ثابتة خلال أيام السنة، بمعنى أن حالة الطقس تلعب دورا كبيرا في التأثير على حجم الاستهلاك، فمثلا في فصل الشتاء عندما تشتد البرودة تكون الحاجة كبيرة الى التدفئة ونستعمل الدفايات الكهربية والمكيّفات، ناهيك عن استعمالنا الكبير للمياه المسخنة بالأدوات الكهربية أيضا، حاجتنا للإنارة تزداد قياسا على طول ساعات الليل، وأما في الصيف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، تكون الحاجة كبيرة للتبريد ونستخدم في ذلك المكيّفات والمراوح، وتزداد حاجتنا للتبريد من خلاق الثلاجات والفريزات.

كل هذا بالطبع يؤثر بالزيادة في حدة الاستهلاك عن الأوقات التي تكون فيها درجات الحرارة معتدلة ويقل فيها الحاجة للتبريد او للتدفئة والتسخين، ولذلك قد لا تحدث انقطاعات خلال فترات الاعتدال في فصلي الخريف والربيع، وإن حدثت فهي بسيطة ولا نشعر بها، هذا يتطلب من الشركة العامة للكهرباء تقديم برامج إعلانية إعلامية توضح فيها خريطة الاستهلاك والسحب للتيار الكهربي خلال السنة والتي تحتوي ضمنا على معدلات الاستهلاك وأوقات الذروة. اذا علينا جميعا أولا ان نعترف بوجود أزمة في الكهرباء وان مسألة الافتعال غير ممكنة.

ثانيا: أسباب الأزمة: آن أسباب أزمة الكهرباء في ليبيا كثيرة ومتنوعة ويمكن تصنيفها الى:

أسباب مالية وإدارية

1- عجز إدارات الشركة المتعاقبة على تحديد المشكلة بدقة وموضوعية وقصورها في إدارة الازمة بمفهوم الاعتراف أولا ثم الافصاح لإقناع الآخرين بها وبحجمها وحدود تأثيرها والنتائج المتوقعة مستقبليا.

2- قلة الموارد المالية نتيجة الوضع الاقتصادي المتعثر للدولة الليبية اعتبارا من 2014 وحتى الآن.

3- صعوبة الإجراءات المالية وترسخ ثقافة الإجراءات البيروقراطية وتعقدها وهدر الوقت والجهد

أسباب فنية

1- نقص الكفاءات المؤهلة فنيا او إداريا للتعامل مع مثل هذه الأزمة وخاصة فيما يتعلق بإدارة توزيع الأحمال.

2- تهميش وإقصاء الكثير من الخبرات في الشركة بحجج مختلفة منها تغيير القدامى واحلال عناصر شابة.

3- عدم التمكن من اجراء الصيانات اللازمة "الصيانة الدورية والوقائية" سواء لمحطات التوليد وملحقاتها او لخطوط النقل او لشبكات التوزيع.

4- عدم التمكن من اجراء عمليات التنظيف السنوية للعوازل والوصلات وبعض المعدات في وحدات الإنتاج وخطوط نقل الطاقة لتفادي مشاكل تأثير زيادة معدلات الرطوبة الجوية التي تضعف جهد الشبكة الكهربية وقد تسبب حتى في حالات خروج بعض الوحدات ما يؤدي الى الاظلام التام وإنهيار الشبكة.

أسباب أمنية واجتماعية

1- حدوث تعدّيات كبيرة على محطات التوليد وخطوط نقل الطاقة والتوزيع من قبل مخربين ويهدف بعضهم الى الاستفادة المادية ببيع الاسلاك والمعدات.

2- عدم قدرة إدارة الشركة على ضبط إجراءات العمل في مراكز التحكم لتوزيع الاحمال وفق الخطة وخاصة فيما يتعلق بأوامر ضبط وتوزيع الاحمال بين المحطات والمناطق.

3- التوصيلات الجديدة بالمخالفة ودون اعلام شركة الكهرباء مما شكل زيادة غير واقعية لحجم الاستهلاك الفعلي بما هو مخطط ومعتمد من الشركة، والتوصيلات الجديدة بالضخامة التي نستطيع القول انها كبيرة وتستهلك طاقة كبيرة جدا.

4- عزوف المواطنين عن سداد فواتير الاستهلاك منذ احداث 2011 وهذا شكل تراكما للدين لصالح الشركة بمبالغ مالية كبيرة ومعتبرة

المعالجات:

عندما يتم تشخيص المشكلة بعناية وكما هي على حقيقتها، يكون من السهل إيجاد المعالجات الممكنة، والمعالجات في ظروف استثنائية، ليست مشروطة بأن تكون كاملة وشاملة، بل يكفي ان تكون متناسبة مع الإمكانات المتاحة ومعلنة ومكشوفة للجميع، ومن المعالجات التي نرى انها مناسبة وممكنة لهذه الأزمة ما يلي:

1- اختيار عناصر إدارية مؤهلة وكفؤة لإدارة الشركة على أن يكون من بينهم خبراء واستشاريون من خارج الشركة والابتعاد نهائيا على مبدأ التحاصص الجهوي او المناطقي.

2- حيث أن موضوع الكهرباء موضوع حيوي شامل ويمس الأمن الوطني للدولة ينبغي عدم ترك الأمر فقط لشركة الكهرباء واقحام بعض الجهات الأخرى، واقترح في سبيل ذلك تشكيل لجنة متابعة عليا تتكون من:

- مندوب عن هيئة الرقابة الادارية

- مندوب عن ديوان المحاسبة

- مندوب عن مصرف ليبيا المركزي

- مندوب عن وزارة المالية

- ثلاثة مندوبين عن شركة الكهرباء يمثلون كل من: (الإنتاج – النقل – التوزيع)

- خبير و استشاري متخصص

تتولى اللجنة متابعة موضوع الكهرباء بالتنسيق التام مع ادارت الشركة العامة للكهرباء، وتتعامل مباشرة مع الازمة وتقترح الحلول المناسبة وتضع آلية تنفيذها، وتشرف على تسهيل العمليات الإدارية والمالية المتعلقة بجلب قطع الغيار او المعدات الضرورية، وكذلك تسهيل إجراءات الصيانة الدورية والطارئة، وتقوم بإعداد تقارير شهرية عن وضع الشبكة وما تم من إجراءات، يتم الكشف عنه شهريا في وسائل الاعلام من خلال مؤتمر صحفي شهري وبكل شفافية ليسهل متابعة المصروفات والإجراءات واحاطة الجميع.

 

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟