أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

توصيات غرفة التجارة الدولية والحاجة لخارطة طريق "رقمية" للبنوك الليبية

غسان عتيقة

اصدرت لجنة العمليات البنكية في غرفة التجارة الدولية - ICC - نتائج استبيانها السنوي لعام 2017 تحت عنوان "اعادة التفكير في التجارة والتمويل" مع التحول المتسارع لعمليات تمويل التجارة الدولية من ضغوط وتكاليف عمليات الامتثال المتصاعدة، دخول شركات باحدث الحلول التكنولوجية للمنافسة على تمويل التجارة الدولية وتصاعد الاجراءات الحمائية وعودة القيود على التجارة العابرة للحدود التي بدات مؤشراتها مع سياسات ادارة ترامب التجارية وانطلاق مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

للسادة القراء الغير متخصصين، تكمن اهمية عمل منظمة غرفة التجارة الدولية بتنظيم علاقات العمل بين جميع الاطراف التجارية من خلال عملها مع 6 مليون عضو في اكثر من 100 بلد من بينها ليبيا.  تاسست  المنظمة عام 1919 ومن اهم اعمالها التي اصبحت مرجعية دولية هي (1) تأسيس التحكيم الدولي في النزاعات التجارية عام 1923، (2) نشر اول دليل للقواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية "UCP" عام 1933 و (3) نشر دليل شروط التجارة الدولية "Incoterms" في عام 1936. كل هذه الاجراءات اثمرت اليوم لغة عالمية موحدة يتفق عليها كل الاطراف التجارية بما فيها البنوك الممولة وكمرجعية عامة اهمها ال UCP600  والتي هي احدث دليل للاعتمادات المستندية بين البنوك الصادرة والمعززة للاعتمادات في حالتنا الليبية مع باقي بنوك العالم منذ العام 2007.

يسلط التقرير التكاليف المالية المتصاعدة وتضاعف ساعات العمل لتسجيل الزبائن الجدد والتدقيق في اعمال الزبائن الحاليين في البنوك والمؤسسات المالية حول العالم مع تصاعد اهمية عمل وحدات الامتثال لمراقبة الاعمال البنكية و كشف عمليات الاحتيال والتزوير وغسيل الاموال عبر استعمال عمليات تمويل التجارة الشرعية. رغم اهمية هذا العمل تشير نتائج الاستطلاع من قبل المشاركين من 255 مؤسسة مالية في 98 دولة الى تحديات الكبيرة لهذه المؤسسات في الاستمرار في تقديم خدماتها على المدى القصير والمتوسط والذي يغطي تقريبا 80% من حجم التجارة العالمية سنويا والتي تقوم اساسا على نظام الحسابات المفتوحة وتمويل شبكة الموردين - مع تناقص استخدام الاعتمادات المستندية بحكم تكاليفها العالية وانحصار نموها في عدد من الدول الاسيوية والافريقية ومن بينها ليبيا بسبب ثقة المصدرين النسبية لها لتقليل المخاطر المصاحبة للتصدير لبلد يعج بالاضطرابات مثل بلدنا.

عودة لنتائج الاستبيان، عبر 80% من المشاركين عن توقعهم بتباطئ او تراجع نمو اعمال تمويل التجارة التقليدية في السنوات القادمة بغض النظر عن نمو التجارة العالمية سنويا.  كما هو متوقع، يعتقد 68% من المشاركين ان سبب الانكماش المتوقع هو بسبب متطلبات وحدات الامتثال والاجرائات التنظيمية المتعلقة بالتدقيق والمراجعة الدورية على العمليات و التي ادت الى ارتفاع تكاليف عمليات تمويل التجارة والعلاقات مع البنوك المراسلة بشكل ارغم الكثير من المؤسسات المالية العالمية لقطع علاقاتها ببنوك كثيرة في مناطق عالية المخاطر وبالذات في افريقيا والشرق الاوسط ومن بينها ليبيا بسبب ضألة العائد مقابل المخاطر والتكاليف المتصاعدة او ما يعرف مؤخرا بال" “De-risking.

يوضح التقرير ايضا ان معظم المعاملات المرتبطة بتمويل عمليات التجارة الدولية (مثل خطابات الضمان ورسائل الاعتماد والمستندات برسم التحصيل) التي تم رفضها في المؤسسات المشاركة في الاستطلاع  كان مصدرها بالترتيب - (1) الدول المستقلة من الاتحاد السوفييتي سابقا، (2) روسيا، (3) منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا و(4) منطقة جنوب الصحراء الافريقية - لاسباب متعلقة بسياسات الامتثال، تراجع التقييم الائتماني للبنوك الصادرة او الدول التابعة لها مع تصاعد المخاطر الاقتصادية والسياسية في هذه الدول، تدهور العملات المحلية وهبوط السيولة بالعملات الصعبة وفرض قيود على تحويلاتها من قبل السلطات المحلية وغيرها من الاسباب التي يطول ذكرها.

للتغلب على هذه العقبات يتفق معظم المشاركين في الاستطلاع على اهمية تبني التكنولوجيا المخصصة للعمليات المالية او ما يعرف بـ "FinTech" لزيادة كفاءة العاملين في العمليات المصرفية وتخفيض التكاليف المصاحبة لعمليات الامتثال والمراجعة والتدقيق  بالاضافة للحاجة لتناغم اكبرمع القواعد والشروط والاحكام المنظمة لعمليات تمويل التجارة لتساعد على تخفيف حدة رفض العمليات المصرفية المذكورة اعلاه في المستقبل بدون التهاون في عمليات الامتثال والتحكم في المخاطر المصاحبة لهذه التعاملات.

يبدوا ان التنافس بين شركات التكنولوجيا المالية والبنوك التقليدية في عمليات تمويل التجارة لم يمثل عقبة حيث ان الاتجاه الاغلب هو ان يتكامل الطرفين لتقديم الخدمات بشكل فعال يستفيد من خبرة البنوك التقليدية الطويلة والبيئة التنظيمية والقوة المالية المصاحبة لها مع قدرة شركات التكنولوجيا المالية على بناء البرامج والتطبيقات التي تعكس حاجة سوق التجارة الدولية وتشعباتها وتعقد احتياجات الزبائن في مجالات شبكات التوريد مع عولمة العمليات اللوجستية و التصنيع عبر الدول و القارات وانتشار التجارة الالكترونية بين الشركات نفسها او ما يعرف بـ "B2B" حول العالم لو استطاع الطرفان بناء نموذج عمل رابح وقادرعلى التأقلم مع سرعة تطور وتشعب العمليات التجارية حول العالم.

احدى الامثلة الجيدة للتطبيق العملي بين البنوك والتكنولوجيا  تاتي في جمهورية جورجيا السوفييتية السابقة هو اصدار خطابات الضمان من منصة الكترونية  "e-guarantee platform" منذ انطلاق المشروع بداية من 2011 والذي ترددت البنوك الجورجية في المشاركة فيه في بدايته بسبب مخاوف قانونية وفنية تمت معالجتها لاحقا واليوم اصبح يمثل 90% من خطابات الضمان المحلية المستعملة في التنافس على عقود المشاريع من خلال المنصة الالكترونية التي تسمح للزبائن من شركات محلية ودولية اختيار افضل الاسعار والعروض لاصدار خطابات الضمان بشكل شفاف وفعال.

بنوك اخرى دخلت في خط اصدار رسائل الاعتماد ومستندات الشحن المصاحبة الكترونيا في الولايات المتحدة بعد اعتراف السلطات القانونية وادارات الجمارك لها وادت لتخفيف التكاليف وتقصير الوقت المصاحب لكل عملية مع ارشفة الكترونية امنة تمنع اي محاولات تزوير او اخفاء مستندات عن السلطات في حالة الاشتباه بتهرب ضريبي او غسيل اموال وغيرها من الجرائم المالية.

]التحول نحو الادارة الرقمية لعمليات تمويل التجارة مسالة وقت فقط وخلال العشر سنوات القادمة سنشهد هذا التحول حول المعمورة وقد يصبح من احد شروط الامتثال ايضا.

في الواقع تعمل منظمة غرفة التجارة الدولية على اعادة تقييم الملحقات المتعلقة بالتجارة الالكترونية في دليل القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية (UCP) للتاكد من مطابقة احكامها بواقع التطبيقات الرقمية وتمكين البنوك من قبول البيانات الالكترونية بقوة المستندات الملموسة لتشمل بوليصات الشحن الرقمية (e-bills of lading) وتحديد المقاييس والمواصفات المطلوبة لتحديد مستويات الامان والسرية و المرجعية الالكترونية الموحدة  لتتطابق مع نموذج  بيانات منظمة الجمارك العالمية (World Customs Organisation) التي ليبيا عضو فيه من بين 182 دولة.

بالاضافة لذلك، ستؤثر التغييرات القادمة في منظومة السويفت (SWIFT) خلال السنتين القادمتين (SWIFT Standards MT Release 2020) على كل بنك يقدم خدمات تمويل التجارة بحيث يصبح دور الامتثال جزء متاصل من المنظومة لمحاربة جرائم غسيل الاموال وتمويل الارهاب في الخانات المطلوبة في المراسلات بين البنوك لتسهيل فحص اسماء الافراد والموسسات في منظومات البحث عن المشتبهين بالارهاب و الواقعين تحت العقوبات الدولية. سيكون عدم الامتثال لهذا التحديث عواقب وخيمة تتعدى الخسائر المالية و الغرامات الى تضرر سمعة البنوك التي تخلفت عن ركب التحديث حول العالم.

بالنسبة للحالة الليبية، يمكن تقدير الاعتماد على التكنولوجيا المالية لتحسين عمليات الامتثال وتقليل المخاطر واعادة العلاقات مع البنوك العالمية المراسلة التي تضررت الكثير منها بسبب تهاوي التصنيف الأتماني السيادي لليبيا من (A-) عام 2010 الى خارج التصنيف اليوم بالاضافة للعوامل الاخرى التي منها متوارثة بسبب تكلس الجهاز المصرفي الليبي وفشله في مواكبة احتياجات السوق الفعلية منذ تأميم القطاع في سبعينيات القرن الماضي ودخوله مرحلة التشحم والترهل مع مطلع القرن الحالي حتى وصوله لغرفة الانعاش اليوم بعد منع تحصيل الفوائد المصرفية وبالتالي القضاء على الادوات المطلوبة للتحكم على الحركة النقدية في البلد وترك التضخم للعنان وشح السيولة النقدية وسط الغياب الكامل للدولة بمفهومها المتعارف عليه وحالة اللايقين وشبه انعدام لسلطات فرض القانون منذ سنوات عديدة.

من اجل تخفيف الضرر الحالي في القطاع المصرفي، حان الوقت لبناء خارطة طريق ليس فقط لاعادة هيكلة المصارف محاسبيا ومراجعة اصولها المتعثرة ونماذج عملها فقط بل اطلاق مبادرة شاملة يتبناها مصرف ليبيا المركزي، بحكم كونه المستشار المالي للدولة ايضا، للجمع بين اتحاد غرف التجارة الليبية، جمعية المصارف الليبية ووزارات الاقتصاد والاتصالات ومصلحة الضرائب والاطراف الاخرى الفاعلة مثل شركة تطوير للابحاث لمناقشة واقرار خطة شاملة لتحويل النظام المصرفي الليبي من الميكنة الورقية شبه الرقمية المتكلسة الى الاستعمال الشامل للتنكولوجيا المصرفية الرقمية و خصوصا في ادارة العمليات الوسطى والخلفية والتي هي محرك كل مصرف في هذا العصر واستحداث منصة رقمية للتجارة تحت اشراف وزارة المالية تسهل قبول المستندات المتعلقة بالشحن والاقرارات الجمركية الكترونيا وتحديث القوانين الحالية لاعطاء الصبغة القانونية للتعامل مع البيانات الرقمية بين البنوك والجهات ذات العلاقة.

يطول الحديث في هذا الموضوع والذي يشعرني بانه يريد جري الى المواضيع المرتبطة بها من تردي البنية التحتية للبنوك وسوء تجهيز وتدريب موظفيها والاسواء ازمة السيولة النقدية الخانقة لكن وضع خارطة شاملة لتحويل المصارف الى التكنولوجيا الرقمية والغاء المعاملات الورقية بالكامل في السنوات العشر القادمة ليس من باب الترف بل من الحاجة القصوى لاعادة الحياة لمحركات البنوك الليببة (الادارة الوسطى والخلفية) وتحسين كفاءة ادارات الامتثال ومكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب والاهم من كل هذا القدرة على الحفاظ على علاقاتنا المصرفية مع بنوك العالم و التي تضررت كثيرا في السنوات الاخيرة بسبب التخوف من المخاطر المرتبطة بليبيا كبلد في اخر سلم الدول المستقرة منذ العام 2014 لليوم.

 

 

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟