أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

دور النهر الصناعي في أزمة المياه بالجنوب التونسي

  • 16 يوليو,2017 11:20 ص

دور “النهر الصناعي في ازمة المياه بالجنوب التونسي

ملخّص

تمثل المياه في البلاد العربية مشكلا حقيقيا باعتبار أن مصادرها الأساسية خارج حدودها وهو ما دفع خبير المياه الأمريكي توماس ناف ليقول: “إن المياه في البلاد العربية قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتمتد لأن تصبح مصدراً محتملاً للصراع العسكري في السنوات القريبة الآتية” ناهيك عما تخطط له إسرائيل من مكائد لإشعال فتيل الحرب حول الماء وما تسعى إليه بسبب أطماعها للسيطرة والاستيلاء على المياه العربية. وقد تساهم هذه العوامل في اندلاع حروب كارثية وربما قد تتحول إلى حرب عالمية.والحال أن الماء أصبح مادة حيوية تفوق في قيمتها مادة النفط.  وهو ما حدث في تونس من سرقة مقدّراتها المائية من قبل المشرفين على مشروع النهر  الصناعي العظيم الذي استنفذ المائدة المائية في الجنوب التونسي، مما قد يسبب في كارثة اجتماعية وهجرة غير مسبوقة نحو مصادر المياه والحال أن البلاد التونسية لها من الأزمات ما يكفيها في ظل الواقع السياسي الرجراج وفي ظلّ تآكل الرصيد القيمي الذي يربط الإنسان بالأرض

مقدمة

تعرف تونس ندرة كبيرة في المياه وافتقارا إلى مصادرها ومنابعها الحيوية بسبب قساوة المناخ، وامتداد الصحراء وشدة الحرارة، وكثرة التبخروسوء استعمال المياه الصالحة للشراب، مع عدم الوعي بخطورة الوضع المائي باعتباره أساس الحياة وشرط استدامة التعمير. ويمكن حصر مصادر المياه في البلاد التونسية في مصدرين أساسيين: المصادر التقليدية: التي تتمثل في المياه السطحية مثل الأمطار والأنهار والسيول)، والمياه الجوفية مثل المياه المخزنة في الصخور الأرضية التي تتمظهر في الآبار والعيون. والمصادر غير التقليدية: التي تتجلى في مياه التحلية والصرف الصحي والصرف الزراعي والصرف الصناعي. وتعد الأمطار المورد الأول في تونس لكن هذه الأمطار تتسم بقلة التساقطات وسوء التوزيع والتغير المناخي وتعاقب سنوات الجفاف. وتعدّ تونس من البلدان التي تعتمد على الأمطار في بناء اقتصادها الزراعي والصناعي رغم أن الأمطار فيها ذات نظام متوسطي شتوي، أما عن الأنهار، فثمة أنهار صغيرة وكبيرة منها المستدامة، بالإضافة إلى الأودية الموسمية. وفي تونس كما في البلاد العربية فإنّ الأنهار دائمة الجريان تشكل شريان الحياة  ولاسيما في الشمال ولعلّ أهمها وادي مجردة الذي ينبع من الجزائر وهو يشهد نضوبا كمثيلاته في الشرق الأوسط والتي تثير كثيراً من المشاكل السياسية وتتمثل في نهر الفرات ودجلة والنيل و الأردن والليطاني  ومن ثم فإن تركيا وإثيوبيا وإيران وكينيا وأوغندا وزائير تتحكم في حوالي 60% من منابع المياه في الوطن العربي، وهي منابع خارجية وهذا ما سيدفع العرب إلى التفكير الجدي في بدائل مائية والحال ألاّ سبيل غير الحرب أو الالتجاء إلى تحلية ماء البحر  وما يطرحه من ارتهان مادّي قد يقوّض كل حلم بالتنمية المستدامة والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتكاثرة التي بدأت تطرح نفسها في تونس وليس الكامور سوى نذير بالقادم.
 -1- المياه محددا للعلاقات الدولية

إن من أهم محددات العلاقات الدولية في المستقبل القريب هي المجاري المائية الصالحة للشرب وقد بدأت تطفو على السطح تباشير حرب طاحنة على المياه من الأمثلة في البلاد العربية دجلة والفرات وما يطرحه من أزمات دولية بين تركيا بلد المنبع والعراق وسوريا والغريب أن الأمم المتحدة تقرّ أن نهري دجلة والفرات عابران للحدود ولا يخضعان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية. وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي االتابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي : لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية. وكذلك نهر النيل وما يطبخ له من أزمات في إسرائيل أولها سدّ النهضة في بلد المنبع أثيوبيا بإيعاز وتمويل إسرائيلي ودخول السودان على الخط بعد تخلّي النظام المصري الحالي على مقدرات مصر ليس أولها نهر النيل بل أيضا جزء من ترابه ولعل سيناء هي العطية القادمة بعد جزيرتي تيران وصنافير. وقد نشر عمر أحمد فضل الله كتابا بعنوان حرب المياه على ضفاف النيل حلم إسرائيلي يتحقق  وفيه يعرض أزمة مياه النيل الحالية وما يمكن أن يترتب عليها من أخطار ومهددات لدول حوض النيل والمنطقة بأسرها في حال تفاقمها. وخاصة بعد إعلان أثيوبيا الشروع في بناء سد النهضة ، حيث يتناول هذا الكتاب باختصار جوانب هذه المسألة بعرض المعلومات ومناقشتها ويطرح عدداً من الأسئلة التي تسلط الأضواء على أبعاد المشكلة.

 فهل نحن على شفا حرب بين دول حوض النيل وإلى أي مدى تمثل إسرائيل تهديداً للأمن القومي المصري فيما يتعلق بمنابع النيل؟ وهل تعتبر الخطوة التي قامت بها أثيوبيا بعد إعلانها الشروع في بناء سد النهضة مجرد مساومات سياسية وورقة للضغط على مصر لتحصل على نصيب لها من مياه النهر وفق اتفاقية قانونية أم أن ما تقوم به هو عمل يهدد الأمن القومي للمنطقة ويصب في استراتيجات ومصالح جهات أخرى؟. وهل أنّ هذا السد الذي أحدث جدلا كثيرا في مصر والسودان خاصة، عمل تنموي محكم يخدم الشعب الإثيوبي ودول المنطقة بالفعل أم أنه حلقة أخرى في سلسلة حرب المياه للسيطرة على أهم روافد الحياة لمصر والسودان؟ وهل تتفق خطط المياه في كل دولة من دول المنبع والمصب مع الاتفاقيات التاريخية لاستغلال مياه نهر النيل؟ هل تكفي مناسيب مياه النيل الحالية لجميع الدول المشاركة فيه أم أنها تهدد بكارثة قادمة؟

-2– تونس البلد العطشى

تتميز طبيعة المناخ بالبلاد التونسية بالجفاف خاصة في السنوات الأخيرة وقد ساهمت في ذلك عواملمرتبطة بالموقع الجغرافي للبلاد يجعل مواردها المائية متغيرة حسب الفصول وحسب المناطق، إذ أن معدل كمية الأمطار في السنة لا يفوق 100 مم في الجنوب ويصل إلى 1500 مم في الشمال مما أهّلها إلى أن تكون ثالث منطقة مهددة بالعطش كثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل، ولكن رغم كثرة العوامل الطبيعية التي تحدّ من كمية الموارد المائية تمكّنت الحكومات المتعاقبة في تونس من تلبية الطلبات المتزايدة على هذه الموارد في جميع القطاعات حتى في الفترات المتميزة بالجفاف، وقد تمكنت من وضع خطّة متكاملة لتنمية الموارد المائية بالاعتماد على الطرق الحديثة مع محاولة ترشيد هذه الموارد لكن أيضا الرجوع إلى الطرق التقليدية في المحافظة على مياه الأمطار مثل السدود والمواجل والفسقيات، وقد شدد أحد وزراء الفلاحة(سمير بالطيب) على ضرورة العودة إلى هذه التقنيات في المحافظة على مياه الأمطار . ولتزويد السكان  في المناطق الحضرية بالماء الصالح للشراب وتجتهد الدولة في استنباط حلول لكنها تظل وقتية إذ أن  82 % من نسبة سكان الوسط الريفي مهددون بالعطش الشديد ولا بدّ من الإشارة إلى الانقطاع المتزايد لشبكات المياه في هذه الأوساط التي باتت مهددة بالعطش في المستقبل القريب .

وقد سعت البلاد التونسية ما بعد الثورة إلى إدارة الطلب على المياه وأولته أهمية قصوى في السياسة المائية على المستويين القريب وخـاصـة المجـال الفلاحـي الــذي يمثـــل المستـهـــلك الأكبــــر للمــوارد المائيــة بنسبة 80  %واعتبارا لما تكتسيه هذه الموارد من أهمية كبرى في القطاع الفلاحي خاصة ونظرا إلى الوضعية الحرجة التي يمر بها هذا القطاع بسبب تراجع المخزون المائي رغم

انعكاساته السلبية على كافة الأنشطة وتداعياته الحادة على إمكانيات الفلاحين. واستشعارا لهذا الإشكال نظم الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري ندوة وطنية حول”أزمة المياه في تونس : أي مستقبل للقطاع الفلاحي” وذلك يوم الاثنين 8 ماي 2017 بمقر الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وبمناسبة إحياء الذكرى الثالثة والخمسين للجلاء الزراعي. لكن هذا المنتدى لم يبسط الإشكال الحقيقي الذي تسبب في نفاذ المائدة المائية في الجنوب التونسي بسبب سياسة القذافي الرعناء المتمثلة في إقامة النهر الصناعي العظيم وفق خطة مرتجلة استنزفت المائدة المائية وأنهكت الاقتصاد الليبي

-3– “النهر الصناعي العظيم” وتدمير المائدة المائية بالجنوب التونسي

 أثناء التنقيب عن النفط سنة 1953 اكتشفت البعثات العلمية إلى ليبيا كميات هائلة من المياه العميقة  في المثلث الحدودي في ما يعرف بحوض غدامس وهي مياه مشتركة بين تونس وليبيا والجزائر، ولا تفوتني الإشارة إلى أن كلا من الجزائر وليبيا أخذتا نصيبهما من هذه المياه وتبقى الجزء المرصود للبلاد التونسية والمقدر ب 9 مليارات متر مكعب تحت إشراف الأمم المتحدة. والغريب أن المسؤولين في تونس لم يبدو أيّ اهتمام بهذه المياه لا قبل الثورة ولا بعدها، وهو ما يستوجب التنبيه إلى هذه الثروة المائية الهائلة التي قد تساعد التونسيين في حل أزمة المياه في المستقبل المنظور.

وبسبب الميزانية الضخمة التي يحتاجها استخراج المياه من باطن الأرض ثم إيصالها لمناطق الشمال حيث يتكدّس أغلب سكان ليبيا تراجع الملك السنوسي عن استخراجها. ولكن القذافي لم يهتمّ بالميزانية المرصودة بل أضاف إليها 400 بئر عميقة ترفده ليصبح هذا المشروع بعد ذلك أكبر عملية تحيل على الليبيين ونهبا لأموالهم. انطلق مشروع استخراج هذه المياه في بداية الثمانينيات ، بإيعاز من معمر القذافي الذي سماه مشروع: “النهر الصناعي العظيم” كناية على السدّ العالي الذي أنجزه عبد الناصر . وتقوم أساسات  فكرة المشروع على استخراج المياه من الآبار الجوفية في الجنوب والغرب  وإيصالها إلى مدن الشمال عبر أنابيب ضخمة يصل قطر كل واحد منها إلى 4 أمتار، بتكلفة إجمالية وصلت إلى 355 مليار دولار أمريكي حينها اقتطع جلّها من رواتب الموظفين رغم ما شاب هذا المشروع من فساد عظيم تورطت فيه كل عائلة القذافي . وقد أنشئت للغرض خمس منظومات مائية موزعة على المناطق الليبية الرئيسية إضافة إلى حفر أربع مائة بئر عميقة منها سبعة آبار في المنطقة الفاصلة بين غدامس وسيناون إلى وازن ونالوت ومناطق الزنتان وتيجي وتتحكم هذه المنظومة في تدفق المياه إلى المناطق المزمع إيصال المياه إليها وقد بدأ تدفق الماء بشكل فعلي من خلالها منذ سنة 1993. وقد ارتفعت عقيرة الليبيين في التنديد بهذا العمل الذي ستكون له أضرار بيئية عظيمة على مناطق الجنوب والغرب، لخّصها الشاعر الليبي علي ميّة لبز في قصيدة مطلعها :

   هرهر يا نهر الصناعي تقصّ ذراعي كان اللّي خططلك واعي

  هرهر يا نهر الصناعي نقصّ ذر اعي كان تملأ قربة للراعي

ولكن القذافي حشره في أنبوب ماء متدفق فغرق ، ومنع الليبين من أي نقد للمشروع، وحينما نقده التونسيون ونبّهوا إلى خطورته على المياه الجوفية تلقّط ابن علي هذا الطلب وبلّغه إلى القذافي الذي وعده بأن يأخذ الجنوب نصيبه من النهر الصناعي العظيم بأنبوب يوجهه لريّ المشاريع الزراعية.  وتأتي فكرة نقد المشروع من المردود الخطر على الحالة البيئية بالمنطقة حيث أن المخزون المائي غير متجدد ومحدود وبالتالي سيتم استنزاف كل المياه الصالحة للحياة بالجنوب مما يؤدي إلى قتل كل الكائنات الحية ويتسبب في تهجير كامل للبشر إلى الشمال مع انهاء المخزون المائي كليةً أي قتل الجنوب

وقد أدى المشروع إلى إهمال كامل لمشروعات تحلية المياه بحيث بات الحل الوحيد لمشكلة المياه مهمل وبحاجة لميزانيات جديدة بينما المال كله ملقى على مشروع سيتحول في النهاية لخط أنابيب فارغ لا ينقل شئ لنفاذ  المياه ويقع الغرب الليبي والجنوب التونسي في أزمة مياة طاحنة .بدأت حالات شديدة من تسرب المياه و تآكل الأنابيب الموصلة للمياه في كل الفروع والأكثر تضرراً الفرع الشرقي من واحات الكفرة مما يدل على فساد في اختيار الأنابيب ونوعيتها وكفاءتها واستبدالها بأنواع أقل  جودة. وقد تم اكتشاف أن الأنابيب المستوردة مطلاة من الداخل بمواد سامة (الاسبستوس والنترات) مما يؤكد وجود حالات الفساد في اختيار الانابيب وسط تجاهل كامل للمسئولية والحساب ونحمد الله أن القذافي قد أخلف وعده في مدّ الجنوب التونسي بقناة .

-4– هل يكمن الحل في تحلية ماء البحر ؟
أدّى النمو الديمغرافي وتزايد وتيرة النمو الصناعي والزراعي والطلب الشديد على مياه الشرب وندرة مياه الأمطار، اضطرت بعض الدول للبحث عن مصادر جديدة للمشكل المائي، ولاسيما تحلية المياه كما نجد لدى ليبيا قبل إنشاء ما يسمى بالنهر الصناعي العظيم ( وهي الآن في طور العودة إلى تحلية المياه بعد ثبوت انهيار منظوماته المائية) ويعد الخليج العربي أهم منطقة في العالم في استخدام بعض التقنيات المتطورة في تحلية المياه، إذ يقدر أن حوالي 80% من مصانع الومض المتعدد المراحل 
وتمثل مياه البحر المحلاة أكثر من 75% من المياه المستخدمة في دول الخليج العربي. ومما ساعد على انتشار تقنية تحلية المياه في الوطن العربي كثرة رؤوس الأموال وانفتاح المنطقة على كثير من السواحل والخلجان، مما جعل بعض الدول الأخرى عاجزة عن ذلك بسبب فقرها وتعدّ تونس من هذه الدول ونظراً للحاجة الشديدة إلى المياه في الوطن العربي، التجأت بعض الدول إلى إعادة استخدام المياه الآدمية والصناعية والزراعية أو ما يسمى بمياه الصرف في إطار دورة مغلقة بعد تنقيتها بوسائل تقنية متطورة جدا. وتبلغ هذه الموارد 7.6 مليارات متر مكعب، وكشفت الدراسة التي أعدها الدكتور إمام محمود الجمس وكيل معهد بحوث الزراعة حول ( الأمن المائي العربي  الواقع والأزمة) عن “انخفاض متوسط نصيب الفرد من المياه في الوطن العربي وهو ما يشير إلى دخوله حزام الفقر المائي مما يضيف إليه عبئاً إضافياً، وتحتل الزراعة الرتبة الأولى في استهلاك الماء بنسبة91% من حجم الاستهلاك العام، في حين تستغل الصناعة 4% والشرب 5%. وهذه النسب توضح أن معظم المياه تهدر في الجانب الزراعي التقليدي الذي يستوجب كميات كبيرة من الماء والذي يضيع بسبب الحرارة وشدة التبخر والهدر في الأرض لعدم العناية بإصلاح القنوات والأنابيب .

خاتمة
من أجل التحكم في المياه في تونس خاصة وهو البلد الذي يجمع الدارسون بإمكانية عطش أهله في القريب العاجل وخاصة المناطق الريفية البعيدة عن البحر والجنوب  بات من الضروري اتباع سياسة اقتصادية ترشيديه في الحفاظ على الماء واستهلاكه وتخزينه، والإكثار من بناء السدود على الأنهار وروافدها، وتنمية الموارد المائية المتاحة، وإضافة موارد مائية جديدة، وعقد اللقاءات والندوات والأبحاث والمؤتمرات للنظر في المشكلة المائية مع إيجاد جميع الحلول الناجعة لضمان ترشيد الاستهلاك وحماية المناطق العطشى التي أصبحت على شفير الهجرة إلى المجهول  .

الدكتور محمد التّومي

مركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟