أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

إرتفاع معدل التضخم في مصر

محسن خان وإليسا ميلر

على مدار العقد الماضي أو ما يقرب منه، مرت مصر بشكل مستمر بمعدلات تضخم عالية نسبيا، لكن منذ بداية الربيع العربي في 2011، تسارعت زيادة أسعار السلع الاستهلاكية بشكل منتظم. في الفترة ما بين 2011 إلى 2015، اقتربت معدلات التضخم من 10% سنوياً، والتي تفوق معدلات التضخم المقابلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام، والتي تصل ما بين 6% أو 7% سنوياً. هناك عوامل عدة تتسبب هنا في زيادة التضخم: ارتفاع أسعار النفط عالميا، وزيادة أسعار الأغذية، ونمو العجز المالي، والزيادة السريعة في المعروض من الأموال.

تغيرت الصورة بشكل كبير بين عامي 2016 و2017 مع تحرك معدل التضخم نحو ارتفاع جديد، حيث ارتفع هذا المعدل من 10% في يناير/كانون الثاني 2016 إلى أكثر من 30% في أبريل/نيسان 2017. السبب التقريبي لهذا الارتفاع الحاد هو سعر الصرف، في الفترة ما بين 2011 –2015، انخفضت قيمة الجنيه المصري بمتوسط 7% سنوياً بالرغم من الاضطرابات السياسية الخطيرة، والضغط الشديد على موازنة المدفوعات. في مارس/آذار 2016، خفض البنك المركزي المصري قيمة الجنيه المصري بنسبة 13% بقيمة 8.85 جنيه أمام الدولار الواحد. هذا الإجراء المفاجئ أدى إلى زيادة في التضخم في أبريل/نيسان 2017، حيث أدى انخفاض قيمة الجنيه إلى زيادة أسعار السلع الاستهلاكية، من خلال ارتفاع أسعار الواردات وهو ما يسمى بمرور سعر الصرف؛ واستمر التضخم في الارتفاع في الستة أشهر التالية.

على الرغم من انخفاض سعر الجنيه في مارس/آذار، إلا أن الضغوط على النقد الأجنبي في النصف الثاني من عام 2016 بات أكثر صعوبة، وكان واضحاً لأغلب المتابعين أن الاحتفاظ بقيمة الجنيه كان خطأ. ومن ثم، ففي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، قامت الحكومة والبنك المركزي المصري بتعويم الجنيه، وبناء عليه السماح لقوى السوق بتحديد قيمة العملة الأجنبية. انخفضت قيمة الجنيه على الفور إلى 13.89 جنيها أمام الدولار، وفي الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني زاد انخفاض الجنيه ليصل إلى 17.8 جنيها أمام الدولار، مما يعني أنه وصل إلى نصف قيمته التي كان عليها في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني حينما تم التعويم. منذ ذلك الحين، فإن قيمة الجنيه استقرت على حوالي 18 جنيها أمام الدولار خلال شهر مايو/أيار من هذا العام.

كان هناك قفزة في ارتفاع معدلات التضخم عقب تعويم الجنيه، ففي نهاية 2016، وصلت معدلات التضخم إلى 23%، واستمرت في الارتفاع في الأشهر الأربعة الأولى في العام الحالي، حتى وصلت إلى ارتفاع تاريخي بنسبة 30% في إبريل/نيسان. يتوقع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن معدل التضخم سوف يتباطآ في الأشهر القادمة، لكنها ستظل قريبة من 20%-25% بصورة كلية في هذا العام. إذا وضعنا مصر في سياقها الإقليمي، فإن التضخم المصري هو الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، لا يفوقه سوى ليبيا والتي تعاني من حرب أهلية.

الارتفاع السريع في معدلات التضخم عقب تعويم الجنيه فاجأت الكثيرين لسببين أساسيين. الأول، كان هناك اعتقاد أن مرور سعر الصرف من سعر الصرف للتضخم سيكون ضئيلا نسبياً، حيث أن الواردات تمثل أقل من 20% من إجمالي الناتج المحلي. ثانيا، كان هناك جدليةتقول بأن التضخم موجود بالفعل بسبب سعر الصرف في السوق السوداء، والذي وصل إلى 17 جنيها في مقابل الدولار. وبذلك، فإنه وفقا للرأيين، فإن زيادة التضخم غير متوقعة. في وقت لاحق ثبت أن هذين الافتراضين كانا خاطئين.

ارتفاع معدلات التضخم له ما نعلمه جيداً من تأثيرات سلبية على الاقتصاد، وتفرض تكاليف باهظة على المجتمع، وتعيق تخصيص الموارد بكفاءة عبر إخفاء الدور الهام لتغيرات الأسعار النسبية، وتمنع التنمية المالية بسبب زيادة تكلفة الوساطة، وتؤثر على الفقراء بشكل غير متناسب بسبب افتقارهم للمدخرات المالية التي يمكن أن تساعدهم على  الصمود أمام التضخم، وتقلل من فرص النمو الاقتصادي بعيد المدى. في حالة النمو، أثبتت الدراسات أن التضخم ثنائي الرقم له تبعات سلبية خطيرة، وأن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وصناع القرار بها عليهم العمل على الاحتفاظ بمعدلات التضخمتحت 6% سنوياً، لذلك، ولعديد من الأسباب الأخرى، فإن مصر عليها خفض معدلات التضخم للأرقام الأحادية.

وبما أن معدلات التضخم المرتفعة حالياً تشكل مشكلة كبيرة، ما الذي يمكن فعله لتخفيضها؟ في الماضي، كان الهدف الرئيسي للسياسة النقدية في مصر هو الاحتفاظ باستقرار سعر الجنيه، ومخزون ملائم لاحتياطي العملة الأجنبية، وكانت السيطرة على التضخم هدفاً ثانوياً. مع تعويم الجنيه، فإن أولويات السياسة النقدية يجب أن تتحول لتجعل من السيطرة على التضخم الهدف الرئيسي. سيتم تحديد سعر الصرف في السوق، وبالطبع لن يكون هناك ضغط على احتياطي النقد الأجنبي حيث أنه سيكون سعر الصرف الذي سيقابل الطلب والعرض للعملة الأجنبية. وبناء عليه، يجب أن يكون هناك تغيير في نظام السياسة النقدية.

وبناء على ذلك فعلى البنك المركزي المصري العمل على استهداف التضخم وفق خطة واضحة والتي طبقتها كل من الدول المتقدمة والدول النامية مثل غانا وتشيلي وكينيا بنجاح. عمليا، هذا يعني عملياً اختيار هدف للتضخم، ومن ثم تنفيذ سياسة نقدية من خلال تغيرات في أسعار الفائدة للوصول إلى الهدف. استهداف التضخم كهدف رئيسي لا يعني استبعاد منع التقلب في سعر الصرف على المدى القصير، ولكن في نهاية المطاف يجب أن يكون هدف التضخم له الأولوية. وينبغي أن تندرج أهداف الحكومة الأخرى الهامة، مثل النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، ضمن اختصاص المؤسسات الحكومية المسؤولة الأخرى. وفي الموازنة، سيكون لإطار السياسة النقدية التي تستهدف مواجهة التضخم عدداً من المزايا:

  • تخفيف الضغوط على احتياطي النقد الأجنبي.
  • تعميق إصلاحات القطاع المالية.
  • تعزيز الشفافية لعمليات البنك المركزي المصري.
  • التقليل من دور الحكومة في تطبيق السياسات النقدية.

في نفس الوقت، يجب التأكيد على أن خطة العمل للسياسة النقدية الجديدة لن تحقق التقليل من التضخم وحدها؛ بالتزامن، سيكون على الحكومة السيطرة على عجز الموازنة، والتي تخلق ضغطاً إضافياً على الاقتصاد. في الوقت الحالي، فإن العجز المالي في مصر يتراوح ما بين 10%-12% من إجمالي الناتج المحلي، والتي تعد نسبة عالية عن المتوسط بكثير.

وينبغي أن يؤدي الجمع بين استهداف التضخم والتخفيض المتضافر في العجز المالي إلى خفض التضخم المصري إلى مستوى أكثر استدامة، وينبغي أن يتم ذلك عاجلاً وليس آجلاً؛ فكلما زاد التأخير، ازدادت صعوبة معالجة التضخم عندما يصبح جزءا لا يتجزأ من النظام. وفي هذا الصدد، فإن خطة الحكومة “لخفض معدل التضخم إلى رقم أحادي على المدى المتوسط” ليست طموحة بما فيه الكفاية. وينبغي أن يكون الخفض السريع هو الهدف.

مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط

 

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟