أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

اللا مركزية أمل ليبيا للخروج من أزمتها

كريم ميزران وإليسا ميلر وإيميلي تشاك دوناهو

تقترب ليبيا الآن من أن تصبح دولة فاشلة، فالنظام السياسي متعثر، والسلطة منقسمة بين حكومة معترف بها دوليا، وهي المجلس الرئاسي وحكومة الائتلاف الوطني في طرابلس، وبين مجلس النواب في طبرق. أما القوة فموزعة على ميليشيات لا تعد ولا تحصى، والجماعات المسلحة كل منهم يتحكم في مناطق محدودة. كما أن الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس غير قادرة على بسط نفوذها بما يتجاوز مركزها المباشر، بينما يقع مجلس النواب تحت سيطرة رجل الشرق القوي خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي التابع له. حتى الآن، فشلت كل المحاولات للوصول إلى اتفاق على المستوى الوطني بين الفصائل الكبرى بالرغم من جهود الوساطة المبذولة بقيادة الأمم المتحدة.

من الواضح أن التعامل مع المشكلة من أعلى لأسفل لا يحل مشكلة التعثر السياسي الليبي، يجب إيجاد نهج جديد يتعامل مع احتياجات السلطات المحلية – مثل المجالس المحلية والبلديات – ليتمكنوا من لعب دور أساسي. لا يعني هذا أن يتم التأسيس لليبيا الفيدرالية، فهو حل غير مجد، وإنما يعني الدعوة إلى نقل سلطات ومسئوليات مختارة من المركز إلى الأطراف. النتائج الناجحة المرجوة يمكن تحقيقها من خلال استخدام النهجين من أعلى لأسفل ومن أسفل لأعلى. تحقيق اللامركزية وتعزيز السلطات المحلية يجب أن يتم في إطار خطة عمل لبناء الدولة وإعادة الهيكلة الوطنية. ولتحقيق ذلك، فمن المهم أن نفهم وضع اللامركزية الحالية في ليبيا ومن هنا يمكن أن يتم تصميم خارطة طريق قابلة للتنفيذ.

تنطلق خطة عمل تحقيق اللامركزية بالأساس من قانون 59 لسنة 2012، والذي يطبق على تسعة وتسعون بلدية مكونة من مجالس بلدية منتخبة على نطاق الثلاث مناطق في البلاد. وتقسم البلديات إلى أقسام لا تتمتع بأي بنية حكم على الإطلاق. إن خطة عمل هذا القانون ضعيفة، ولا تحدد الواجبات والحقوق في البلديات. وفقا للقانون، فإن كل الخدمات الأساسية – التعليم والتمويل والتسكين والمياه والصرف الصحي والكهرباء وما إلى ذلك – تقع تحت اختصاص مؤسسات الدولة. إضافة إلى ذلك، فإن البلديات ليست منتدبة لجمع الضرائب، ومصدرهم الوحيد للتمويل هو تحويلات الحكومة المركزية، والتي تهدف فقط لتغطية تكاليف التشغيل.

ليس هناك رؤية وطنية للحكم المحلي في ليبيا؛ تتباين فاعلية السلطات المحلية، فبعض البلديات توفر الخدمات الأساسية بكفاءة، وتسيطر على أراضيها حتى تحت خطة العمل الضبابية، بينما البعض الآخر غير كفؤ، ويعوقه قلة التمويل. بالرغم من نشاط بعض البلديات المرتفع، إلا أنه يتم عرقلته بسبب نقص التمويل العيني من الحكومة المركزية. إلى جانب القبائل والميليشيات التي تحول دون عمل بعض البلديات الإيجابي، من خلال محاولتهم لخلق مراكز سلطة بديلة في محاولة للسيطرة على السياسة المحلية.

هناك مؤشرات تقول بإن الشعب الليبي على استعداد لقبول نقل السلطات من المركز للسلطات المحلية، ففي استطلاع رأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي في عام 2016، وجد أن 55% من الليبيين يؤمنون بشرعية المجالس البلدية بنسبة “كبيرة” أو بنسبة “معقولة”. إضافة إلى ذلك، فإن حوالي 33% من الليبيين يعتقدون أن المجالس البلدية هي أكثر المؤسسات شرعية، أكثر من القيادات القبلية والنواب. بالرغم من أن الوعي بنشاط المجالس البلدية منخفض لنسبة 21%، إلا أن مشاركة المصوتين في انتخابات المجالس البلدية يتراوح ين 21% إلى اثنين 50%. الجدير بالذكر أيضا أن بعض المجالس البلدية طلبت المساعدة الدولية؛ بالفعل هناك بعض البلديات مثل البيضا تلقت مساعدة مباشرة من مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وبعض الشركاء التنفيذيين الدوليين والمحليين. هناك بعض المجالس المحلية تعتمد على التواصل عبر الشبكة الإلكترونية من خلال فيس بوك للتواصل مع المواطنين وتعزيز الشفافية.

إلا أنه يظل الافتقار إلى موارد مالية، وخطة عمل قانونية واضحة يعوق توصيل الخدمات على المستوى المحلي، ومن ثم، فإن ذلك يخلق حالة من عدم الرضا لدى الشعب. فهناك نسبة 42% من الليبيين غير راضين عن مستوى الخدمات التي تقدمها البلديات. هناك تواصل قليل بين الحكومة الوطنية والبلديات، حيث أن المجلس الرئاسي وحكومة الائتلاف الوطني ينقصهما النفوذ لتنظيم العلاقات بين الدولة والسلطات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن المجالس المحلية يعوزها الخبرة والكفاءة التقنية عقب سنوات من عدم جدوى المؤسسات تحت حكم القذافي.

إن العملية المحدودة لتحقيق اللامركزية في ليبيا غير ناجحة، حيث أن المسئوليات غير المركزية تقع فقط في إطار تصاريح البناء والصحة العامة والتنمية المحلية والسجل المدني، ومع ذلك، فإن المجالس المحلية لا تتمتع بالسلطة الكاملة لتلبية مجال أوسع من احتياجات المواطنين. هناك احتياجات أكثر يجب أن تقع تحت بند اللامركزية، بما في ذلك الخدمات الهامة للسكان مثل الماء والكهرباء والصرف الصحي والتعليم. يجب أن يكون هناك شرطة لامركزية تابعة للسلطات المحلية، بالتنسيق مع قوات أمن وطنية مركزية قوية.

على النقيض مع آراء أخرى فيما يخص تحقيق اللامركزية، فإن النفط يجب ألا يقع تحت خطة تحقيق اللامركزية. ففي العراق، ولتقليل الصراع على النفط، فإن الحكومة العراقية تجمع عائدات النفط وتعيد توزيعها على المحافظات المحلية وفقا لتعداد السكان، وتقوم بدفع قيمة محددة للمناطق المنتجة للنفط؛ ينص الدستور العراقي على أن النفط هو ملك لجميع المواطنين بالتساوي، من خلال الإشراف على تحصيل عائدات مبيعات النفط وتخصيصها للسلطات المحلية. يمكن للحكومة الليبية المركزية حل مشكلة التوزيع غير العادل للمنشآت النفطية في البلاد، حيث يمكن للبنك المركزي الليبي والشركة الوطنية للنفط القيام بدور السلطة المركزية للإشراف على وتنفيذ التوزيع.

إن السلطة المحلية يمكن الاعتماد عليها في تقديم الخدمات التي تلبي احتياجات المواطنين، ومن الواضح أن وجود خطة عمل قانونية أمر هام لتمكين البلديات من تحصيل الضرائب، وتوفير الخدمات التي تقوم بها الحكومة المركزية الآن. أظهر مشروع دراسة أجرته كمنظمة كيمونيكس في العراق أن تعزيز مؤسسات الحكومة الفرعية الوطنية وتدريب مجالس البلديات على تقديم الخدمات هو الهدف الأهم لنزع فتيل الصراع بين المواطنين وبناء شرعية للدولة.

مما لا شك فيه أن الوضع في ليبيا يواجه العديد من التحديات لتنفيذ خطة الحوكمة من أسفل إلى أعلى. السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان من الممكن البدء في تنفيذ اللامركزية قبل الوصول إلى حل سياسي شامل لحل النزاع الحالي في البلاد، تفتقر ليبيا لدستور يحدد الواجبات والمسئوليات بوضوح، كما أن الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه في الصخيرات في ديسمبر/كانون الأول 2015 لا يوضح هذه النقطة بتاتا. بالرغم من ذلك، فإن المجلس الرئاسي وحكومة الائتلاف الوطني، بوصفهما معترف بهما دوليا، يمكنهما تخطي الأزمة الدستورية من خلال إصدار قانون بمرسوم لتحديد خطة تنفيذ لإحلال اللامركزية، يمكن لهذا النظام التنفيذي أن يتم التصديق عليه أو رفضه أو تعديله عبر انتخاب البرلمان المرتقب.

هناك تحديات أخرى، مثل نظام المحسوبية الذي يسمح للسكان أن يعتمدوا على توزيع التمويلات، والدعم الذي تقدمه الحكومة المركزية؛ إلى جانب ذلك، فإن حكومة ليبيا المركزية ضعيفة وغير قادرة على تحصيل الضرائب بشكل تاريخي. ومسألة تعليم وتعزيز السلطات المحلية للقيام بما عجزت عنه الحكومة سيشكل تحديا كبيراً. هناك قضية شائكة أخرى، وهي قيام الخطة الجديدة بتوزيع عادل لعائدات النفط والحكومة؛ إن المناطق غير المنتجة للنفط تحتاج إلى تنمية اقتصادية، ومساعدات لحل قضايا الصراع.

من أجل تحقيق لامركزية فعالة وإعادة توزيع السلطات والواجبات والمسئوليات، تحتاج ليبيا إلى حكومة مركزية قوية وقادرة على ممارسة سلطاتها التي هي على استعداد لنقلها. بناء عليه، من الواضح أنه من أجل البدء في حل الأزمة الليبية، على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي دعم عملية التفاوض، التي تشتمل بالتزامن على منهجين لحل الأزمة من اعلى لأسف ومن أسفل لأعلى.

مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟