أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 22 نوفمبر 2017.

«النزيف القاتل»: أين يذهب نفط ليبيا؟

 

بدأت جهود البحث عن النفط الليبي عام 1955، وتكللت تلك الجهود باكتشاف أول الآبار في البلاد بعد ذلك، وسرعان ما نُظر إلى البلاد باعتبارها مصدرًا واعدًا للذهب الأسود، ومنحت عشرات الدول عقود امتياز تتيح لها حق الحفر والتنقيب، وقد وصل الإنتاج النفطي الليبي في البداية إلى معدلاتٍ قياسية بلغت نحو 3 ملايين برميل يوميًّا، قبل أن تقرر الدولة الليبية اتخاذ إجراءات لخفض الإنتاج، فيما اعتبرته محاولة لـ«وقف استنزاف» ثروات البلاد.

بحلول عام 2010، كانت التقديرات تشير إلى أنّ الاحتياطات المؤكدة من النفط الخام في ليبيا تُقدَّر بنحو 46.5 مليار برميل، أي نحو 4% من إجمالي احتياطيات العالم، أما الإنتاج اليومي منه، وفق منظمة الدول العربية المصدِّرة للنفط، فيقدَّر بنحو 1.5 مليون برميل في اليوم، وهو ما يشكل 2% من إنتاج العالم، و5% مما تنتجه الدول الأعضاء في أوبك.

وأهم الحقول النفطية في ليبيا هي حقل آمال، وحقل الفارغ، وحقل زلطن، وهي تقع في المنطقة الشرقية، وحقول الشرارة والفيل والوفاء التي تقع جنوب غربي العاصمة طرابلس، أما مواني النفط في البلاد، فأبرزها ميناء السدرة، وراس لانوف، والبريقة، والحريقة، والزويتينة.


ونشير هنا إلى مصطلح «الهلال النفطي»، الذي يعبِّر عن المنطقة الممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على طول 205 كم، من طبرق شرقًا إلى السدرة غربًا، وتحتوي هذه المنطقة على نسبة 80% من القدرات النفطية الليبية، وهو ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية تعطي من يسيطر عليها أفضلية كبرى، كما سنوضح بشكل أكثر تفصيلًا في السطور اللاحقة.

«نعمة البلاد ونقمتها»

نُظر إلى ليبيا دومًا باعتبارها بلدًا «عائمًا على بحرٍ من النفط»، وإذا أخذنا في الاعتبار أن بلدًا يمتلك 4% من احتياطي النفط في العالم، ولا يبلغ عدد سكانه أكثر من 7 ملايين نسمة، لكان الاستنتاج البديهي أن هذا الشعب الذي يملك هذا الكم من الثروة، هو بالضرورة أحد أغنى شعوب العالم وأكثرهم رفاهية.

لكنّ هذا التصور هو نقيض الواقع تمامًا، فبحسب تقرير صدر مؤخرًا عن البنك الدوليّ، فإن نسبةً كبيرة من الليبيين قد باتوا على «شفا السقوط في براثن الفقر» حتَّى أنّ نحو ثلث سكان البلاد يحتاجون إلى شكلٍ من أشكال المساعدات الإنسانية.

قد يكمن تفسير ذلك جزئيًّا بالفساد الذي استشرى في البلاد في عهد القذافي، إذ كان النفط هو الكعكة الكبرى التي تقاسمها أباطرة حكم العقيد، ولم يُترك للشعب منها إلا الفتات، وكان موقع ويكيليكس قد كشف عن وثيقة تظهر أن أبناء القذافي يعتبرون مؤسسة النفط الليبية بنكًا شخصيًّا لهم. وقالت وثيقة صادرة بتاريخ 13 يوليو/ تموز 2008 إن «معتصم القذافي» نجل الزعيم الليبي ومستشاره للأمن القومي، أجرى اتصالًا برئيس المؤسسة الوطنية للنفط شكري غانم، وضغط عليه لإعطائه 1.2 مليار دولار.

لكنّ أيام القذافي قد ولَّت أيضًا، فيما يُمكن القول إنّ النفط كان نقمة على البلاد كما هو نعمة عليها، أدى الاعتماد المطلق على عائدات النفط – شكل نحو 94% من موارد البلاد- إلى تشوهات هيكلية مزمنة في اقتصاد البلاد الذي صار ريعيًّا بمجمله، ومن ثمَّ فإن الاضطرابات السياسية، والتي تؤثر في إنتاج النفط، تجعل الاقتصاد بأكمله معرَّضًا للانهيار.

تشير الإحصاءات إلى أنّ إنتاج النفط في البلاد كان ينخفض في الفترات التي تشهد اضطرابًا سياسيًّا، والعكس بالعكس، كما يبين الرسم البياني التالي.
شكَّل النفط بوصفه ثروة البلاد شبه الوحيدة مركزًا للصراع بين القوى المتنافرة في البلاد، وتبعًا لذلك فقد كانت منطقة الهلال النفطي الغنيَّة بالثروة هدفًا يسعى كلّ طرف لبسط نفوذِهِ عليه، خضعت تلك المنطقة بعد الثورة لما يُسمَّى بحرس المنشآت النفطية التي تكوَّنت من مقاتلين قبليين محليين يقودهم إبراهيم الجضران.

كان الجضران من دعاة إنشاء النظام الفيدرالي، واقتسام السلطة والثروة بين الأقاليم في البلاد، وقد حاول في البداية تصدير النفط بشكلٍ مستقلّ بعيدًا عن الحكومة المعترف بها، غير أن تلك الخطوة تكلَّلت بالفشل بسبب المعارضة الدولية لمحاولات «تصدير النفط الليبي بطريقة غير مشروعة»، وعلى إثر ذلك توقف تصدير النفط من المواني التي يسيطر عليها إبراهيم الجضران، لتدخل البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.

تحالف الجضران مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر في مواجهة إسلاميي الغرب، قبل أن تنفكَّ عُرى هذا التحالف بسبب رفض حفتر مساعدة الجضران في التصدِّي للهجوم الذي شنه تنظيم الدولة في ليبيا، وكان التنظيم يرغب في السيطرة على تلك المنطقة الاستراتيجية الغنية بالنفط في استتنساخٍ لتجربته في سوريا والعراق، لكنّ قوات الجضران تمكَّنت في نهاية المطاف من دحر التنظيم، ليعلو نجم الجضران الذي أعلن بعدها مبايعته لحكومة الوفاق الوطني التي رفضها حفتر، وأعلن الجضران أنه يعتبر حفتر عدوًّا، وأنه وداعش «وجهان لعملة واحد».

إلى أن تمكَّنت قوات خليفة حفتر – المدعوم من مصر والإمارات- من بسط سيطرتها على المنطقة في سبتمبر (أيلول) الماضي؛ ليتمَّ إعلان عودة مواني النفط إلى العمل والتصدير بعد شهور طويلة من التوقُّف. وقد تعرَّضت قوات حفتر في مارس (آذار) الماضي لهزيمةٍ مؤقتة أفقدتها السيطرة على مناطق واسعة من المنطقة، قبل أن تستعيدها بعد أيام قليلة، لتظل تلك المنطقة إحدى أهم بؤر التوتر في البلاد حتى يومنا هذا.

تعد «المؤسسة الوطنية للنفط» هي الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة قطاع النفط الليبي، ومقرها طرابلس، وقد تمتعت بدرجة من الاستقلالية عن الحكومات المختلفة، ورئيسها «مصطفى صنع الله» هو إحدى الشخصيات القليلة التي تحظى باحترامٍ بين قطاعاتٍ واسعة من الليبيين.

الأهمية الاستراتيجية للنفط الليبي، لم تلقِ بظلالها فقط على الصراع بين فرقاء الداخل، بل كذلك على اللاعبين الدوليين، وثمة من يقرأ المحاولات الروسية للعب دور أكبر في الملف الليبي، عبر نسج علاقات متينة مع الرجل القوي «خليفة حفتر»، وهي محاولة من موسكو لامتلاك نفوذ أكبر على النفط الليبي، بما له من أهمية استراتيجية لبلدان الاتحاد الأوروبي عامة، ولإيطاليا بشكل خاص.

شبكات التهريب: نفط ليبيا «حلالٌ للطير من كل جنس»

في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي، أصدرت حكومة الوفاق الليبية تهديدًا بفرض حالة «القوة القاهرة» – حماية يوفرها القانون في مواجهة الالتزامات والمسؤولية القانونية الناشئة عن توقف أداء العقود نتيجة أحداث خارجة عن سيطرة أطراف التعاقد- على المواني البحرية كلها، وأشارت إلى أنّ «تلك المواني قد تحولت إلى «بؤر» لتهريب النفط ومشتقاته عبر حفنة من ضعاف النفوس، بالتعاون مع عصابات إجرامية دولية».

يحيلنا هذا إلى قراءة أكثر تفحصًا في الأنباء المتكررة حول عمليات النهب التي تتعرض لها ثروة البلاد النفطية، فبين الحين والآخر يطالعنا خبر اعتقال بعض المهرِّبين، أو اعتراض سفينة أو أكثر ضالعة في عمليَّات التهريب. في الحقيقة، كان النفط الليبي دومًا عرضةً للسلب والنهب والتهريب عبر البر أو البحر، لكنّ الفوضى التي شهدتها البلاد عقب إطاحة القذافي، قد جعل من تلك التجارة المستترة نشاطًا علنيًّا أو شبه علني، ينخرط فيه الآلاف على أعين الأجهزة الرسمية، التي تكون إمَّا متواطئة أو عاجزة عن التحرُّك في أغلب الأحيان.

فماذا يجري تحديدًا للذهب الأسود في ليبيا؟

في تحقيقها المنشور على صفحات «ميدل إيست آي»، مطلع فبراير(شباط) الماضي، تروي الصحفيّة الإيطالية «فرانسيسكو مانوتشي» تفاصيل مثيرة بخصوص شبكات تهريب النفط الليبي، ففي ميناء سبراطة الواقع غرب البلاد، يروي مهندس إيطالي خمسيني قضى سنوات طويلة في العمل داخل ليبيا:

يستخدم المهرّبون – بحسب التحقيق- قوارب قادرة على حمل نحو 40.000 لتر من النفط المكرّر، وينطلقون بها صوب السواحل الأوروبية، جزيرتا مالطا وصقلية هما الهدف في الغالب، حيث يتسلم رجالات المافيا «البضاعة» التي تُباع غالبًا قبل الوصول إلى الأراضي الإيطالية.

يثور الحديث حول مالطا تحديدًا مرتكزًا رئيسيًّا لتهريب النفط الليبي عبر المتوسط، تُبحر الناقلات من مالطا تجاه السواحل الليبية، حيث تتوقف على بعد عشرات الكيلومترات، وتتوقف أنظمة تتبعها، تستلم بضاعتها من المهربين، قبل أن تعود أدراجها، هذا هو السيناريو الذي رسمه تقرير للأمم المتحدة يتحدث عن تلك التجارة الضخمة التي تدور دورتها عبر المتوسط.

السيناريو نفسه تحدَّثت عنه السلطات الليبية، حين طالب مكتب النائب العام الليبي «الصديق الصور» من السلطات المالطية صراحة وقف عمليات تهريب النفط الليبي، الذي – بحسب التحقيقات- يجد طريقه عبر شبكات المافيا العملاقة إلى مالطا وقبرص واليونان وإيطاليا.

وفي التحقيقات نفسها، وجّه الصور أصابع الاتهام بالتواطؤ إلى مسؤولين نافذين، بعضهم يمارس عمله مديرًا أو عضوًا في مجالس شركات نفطية مهمة، وأُصدرت قرارات بسجن هؤلاء أو منعهم من السفر لحين استكمال التحقيقات في اتهامهم بتبديد ثروات البلاد.

ويظهر أن حجم التورط أكبر من أن يتم تداركه، إذ إن الانخراط في تلك العمليات يوفر لمدن بأكملها مصدرًا للعيش الوفير في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالبلاد، ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث حين صرح رئيس المؤسسة الوطنية للنفط «مصطفى صنع الله» متهمًا «حرس المنشآت النفطية» – الهيئة الأمنية المسؤولة عن حماية منشآت الطاقة في البلاد- بالفساد والتواطؤ مع المهرِّبين، فكان الردّ سريعًا بعد ساعاتٍ قليلة بقطع الكهرباء تمامًا عن مدينة الزاوية التي يقطنها 200 ألف شخص، ما يشير إلى مدى نفوذ وسطوة تلك الشبكات في البلاد.

تشير التقديرات إلى أنّ حجم الخسارة التي مُنيت بها البلاد من جراء عمليات التهريب تصل إلى نصف مليار دولار، في حين أن مجمل واردات ميزانية البلاد لعام 2016 كان أقل من 6 مليارات دولار. وليس الشمال هو الوجهة الوحيدة لتهريب النفط الليبي، بل إنه يجد طريقه أيضًا إلى الغرب، والجنوب، فقد كشفت لجنة «أزمة الوقود والغاز الليبية»، في بيان لها أنه يتم يوميًّا عبر الحدود الليبية- التونسية، وعبر معبر ذهيبة تهريب 69 شاحنة وقود محمّلة بشحنة 40,000 لتر لكل واحدة منها بين وقود ديزل وبنزين، بإجمالي 2.670.000 لتر يوميًّا، فضلًا عن الإشارة إلى كميات وصفتها بالخطيرة من الوقود يتم سحبها إلى دولتي تشاد والنيجر عبر الحدود الجنوبية للبلاد.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟