أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

نزيف الوقود

"نحن على موعد مع مطاردة ساخنة الليلة"، هذا ماقاله لي قبطان خفر السواحل.

حلّ الغسق في ميناء طرابلس. كنّا نقف في غرفة القيادة على متن "الكفاح"، وهو زورق قديم صُنِع في ألمانيا يُستخدَم في الدوريات البحرية. انضممت إلى طاقمه المؤلَّف من ثمانية عشر شخصاً ذات أمسية الشهر الماضي، مُتوقّعاً البحث عن مهاجرين في عُباب البحر. لكن وكما هو حال أمور كثيرة في ليبيا، تبدّلت الخطة.

كانت وصلت معلومة في وقت سابق من ذلك اليوم، إلى خفر السواحل بأن ناقلة لتهريب الوقود ستنطلق من بلدة زوارة الواقعة على بعد نحو 113 كيلومتراً غرب طرابلس. وقد توجّه زورق "الكفاح" لاعتراضها، آملاً إنجاز المهمة قبل بزوغ فجر اليوم التالي، هذا في حال أصاب القبطان توقُّع مسارها وسرعتها.

البنزين أرخص ثمناً من الماء في ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية، ولاتضخ راهناً سوى سبعمئة ألف برميل ونيّف في اليوم. أصبح تهريب المنتجات النفطية المكرّرة تجارة تدرّ مليارات الدولارات، وتديرها شبكات منتشرة في مختلف أنحاء البلاد تجمعها روابط بكارتيلات وسماسرة ومشترين في مختلف أرجاء المتوسط. الليتر الواحد من الديزل الذي تبلغ كلفته 0.15 دينار (نحو عشرة سنتات) في ليبيا، يُباع بسعر يساوي تقريباً خمسة أضعاف تلك الكلفة في الأسواق الخارجية. وفيما يستحوذ الدعم الحكومي للمحروقات على نحو عشرة في المئة من إجمالي الناتج المحلي، يؤدّي التهريب إلى استنزاف حاد للاقتصاد؛ فالتقديرات تشير إلى أنه تَسبَّب بخسارة ليبيا نصف مليار دولار. وشبكة الفساد مترامية الأطراف، وتوقِع الجميع بحبالها، بدءاً من مالكي محطات الوقود وسائقي السيارات الصغيرة، وصولاً إلى الميليشيات وأجزاء من الحكومة نفسها.

يقول القبطان، وهو يقوم بحركة بيدَيه كمَن يشقّ معصمه بإصبعه تأكيداً على كلامه، "هذا نزفٌ للجسد الليبي".

يتساءل القبطان المخضرم الذي يملك في رصيده 31 عاماً من الخدمة في سلاح البحرية وخفر السواحل، لماذا ينصبّ تركيز الأوروبيين على وقف المهاجرين وليس مهرّبي الوقود؟ ويشير إلى أن المهرّبين يلحقون أذى أكبر بليبيا، عبر المساهمة في ديمومة الفوضى والعنف. يضيف أن الأذى طاله شخصياً: فقبل ستة أشهر، أقدم مهرّبون على خطف ابنه البالغ الثامنة عشرة لفترة قصيرة لتوجيه رسالة تحذير إليه.

غالباً مايبدأ التهريب في مصفاة الزاوية، على بعد 40 كيلومتراً غرب طرابلس. تُنقَل المنتجات عبر الحدود التونسية في الشاحنات أو يتم إخفاؤها داخل سيارات. باءت التعزيزات التي أقامتها تونس مؤخراً عند الحدود، ومنها سواتر وخنادق، بالفشل ولم تتمكّن من وقف التهريب. ينطلق المهرّبون البحريون من ميناء زوارة المجاور. خفر السواحل المحلي وجهاز حرس المنشآت النفطية متواطئان في تأمين الحماية لهؤلاء.

تكون سفن المهرّبين مُحمّلة بملايين الليترات، لذلك الجوائز المالية هائلة. تخوض طواقمها مواجهة مع زوارق خفر السواحل مُستخدمةً مجموعة من المراكب الأصغر حجما المجهّزة بأسلحة من العيار الثقيل التي تحيط بناقلة الوقود. خاض زورق "الكفاح" معركة استمرّت ثلاث ساعات مع بعض تلك المراكب قبل أسبوع من صعودي على متنه.

قبيل بزوغ الفجر، على بعد نحو 48 كيلومتراً من الساحل، رأى القبطان مركباً يلفّه الظلام في الأفق الشفاف. لم يردّ طاقمه على النداءات عبر اللاسلكي، فتأهّب طاقم "الكفاح" مُمسكاً بزناد المدافع في مقدّم السفينة ومؤخرها. صرخ أحدهم: "استخدموا الضوء الكاشف". إنه زورق صيد، من النوع الذي يُستعمَل أحياناً لنقل الوقود المهرَّب إلى مركب أكبر ينتظر في المياه الدولية.

أخيراً، سُمِع صوتٌ متقطّع عبر اللاسلكي، وكان صاحبه، وهو أحد أفراد طاقم المركب، يتكلّم بلكنة مصرية قائلاً بأنه زورق صيد يرفع العلم المصري، لكنه أبحر من زوارة. ساورت الشكوك قبطان "الكفاح". الصيد غير المشروع آفةٌ أخرى تواجهها ليبيا، مع قدوم المراكب من مختلف أنحاء المتوسط لصيد أسماك التونة ذات الزعانف الزرقاء وسواها من الأسماك من المياه الليبية.

طلب القبطان رؤية الترخيص أو التحدّث مع طاقم المركب الليبي الذي يُفترَض أن يرافق الزورق المصري، بحسب التنظيمات مرعيّة الإجراء. أدرك عضو الطاقم المصري أن أمرهم فُضِح.

صرخ القبطان غاضباً: "أيها الحيوان، اسحب شباكك وإلا سأقضي عليكم".

لم تكن هذه المرة الأولى التي يخرج فيها القبطان عن طور آداب السلوك البحري.

قبل يوم من هذه الواقعة، مخرَ مركب "الكفاح" عُباب البحر مسرِعاً ليصل إلى مسافة قريبة إلى درجة خطيرة من مركب تشغّله منظمة "سي ووتش" غير الحكومية، والذي كان طاقمه يحاول إنقاذ المهاجرين على متن زورق خشبي وتوزيع سترات النجاة عليهم. يشدّد القبطان الليبي على أنه يحق له، بوصفه قائد سفينة حربية، أن يتخذ "قرارات تمليها اللحظة الآنية"، ويؤكّد أن أحد المراكب التابعة لمنظمة "سي ووتش" كان يحاول قطع الطريق عليه لمنعه من اقتياد المهاجرين. غير أن مقطع فيديو جرى الكشف عنه يُظهر بوضوح مناورة خطرة، وهذا ماتؤكّده رواية شاهدة عيان من طاقم "سي ووتش" تحدثتُ معها. فقد أشارت إلى أنه بعد خروج زورق المهاجرين من المياه الإقليمية الليبية، لم يعد بإمكان القبطان الاستناد إلى أساس قانوني لإعادتهم إلى مراكز الاعتقال التي تسودها ظروف غير إنسانية، ويتفشّى فيها العنف داخل الأراضي الليبية.

كانت هذه الواقعة واحدة من حوادث عدّة – منها إطلاق النار على مركب يقلّ مهاجرين، وضرب المهاجرين بخراطيم المياهتسلّط الضوء على التجاوزات المتكررة على أيدي خفر السواحل الليبي، الذي تقوم بلدان من الاتحاد الأوروبي بتدريبه وتجهيزه في مسعى لكبح الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين.

مع تقدّم ساعات الصباح، لم نرَ أي أثر لناقلة وقود. قال القبطان: "ربما عادوا أدراجهم أو ربما لازالوا في الميناء". وجّه دفة المركب نحو الجنوب ثم الجنوب الشرقي، للعودة من حيث أتينا. أجرى المولَجون بالمراقبة في المركب مسحاً بحثاً عن مراكب تقلّ مهاجرين قبالة ساحل مدينة صبراتة التي تشكّل الآن محطة انطلاق أساسية للمهاجرين.

يروّعني أن الدورية هي مجرد إجراء عبثي لاطائل منه. الدورية، نظراً إلى تطوّر صناعة التهريب، ومساحة البحر الشاسعة وضحالة إمكانيات خفر السواحل، أشبه بإلقاء سهام على بالونات في غرفة مظلمة. يوافق القبطان على هذا الرأي، لاعِناً الرادار ذا النوعية التجارية الذي جُهِّز به زورق الدورية، والذي يقول إن رادارات المهرّبين تتفوّق عليه.

غير أن مَن يبحث عن حل دائم للسيادة الليبية النازِفة، لن يجد ضالّته المنشودة في البحر، عبر تزويد خفر السواحل بتجهيزات أفضل وتعزيز تدريبها. الحل يكمن في البر، عن طريق النهوض بالمهمة الأشد صعوبة إلى حد كبير، والمتمثّلة في التخلص من الفساد الممأسَس المُستمر منذ عقود طويلة، ومن المشاكل والآفات التي يتخبّط فيها الاقتصاد الليبي المستند إلى النفط. لقد تنبّهت حفنة من القادة الليبيين من ذوي التفكير الأكثر تقدّمية، إلى هذا الأمر، غير أن قدرتها على التنفيذ مسألة أخرى.

يلوح أفق طرابلس في البعيد، وقد حجبته عن الأنظار عاصفة رملية. تقفز بضعة دلافين خلفنا، ويختبر أفراد الطاقم مدافعهم بإطلاق عيارات نارية في الهواء.

لم نعثر على أي مركب يُقلّ مهاجرين في ذلك اليوم. كل ماوقعنا عليه كان مخلّفات زورق أُجهِضت محاولته للعبور: إنه قارب قابل للنفخ فرغ الهواء منه وجرفه التيار، فغمرته المياه حتى نصفه بفعل وزن المحرّك الذي شدّه نحو الأسفل.

مركز كارنيجي للشرق الاوسط.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟