أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 20 نوفمبر 2017.

الازمة القطرية- السّعودية : ما الذي يُطبخ للعَرب في القِدْر الخليجي؟

ملخص
 الأزمة المحتدمة في الخليج العربي ليست وليدة اللحظة بل تضرب بجذورها في طبيعة ما أطلقنا عليه”الظاهرة القطرية” التي تمثّل سلوكا سياسيا وثقافيا جديدا في محيط عربي نحا منذ عقود نحو الخمول والجمود وفي محيط عالمي يعاد تشكيله من جديد. لذلك لن تتوقف تفاعلات الأزمة الحالية مع أي من “النهايتين” الممكنتين لها سواء كان تهدئة أو انفجارا. ولن يخرج منها العرب كما دخلوها باعتبارهم اليوم في قلب التحولات العالمية.
مقدّمة
 لم يكن الخليج العربي في قلب تحوّلات السياسة في المنطقة العربية والعالم كما يبدو عليه الآن. ولم يكن من منطق التاريخ في شيء أن تظلّ منطقة بهذا الثقل الاقتصادي والتاريخي الاستثنائي على هامش السياسة الدولية. فالخليج يتوفر على مخزون ضخم من ثروات العالم الطاقية والمالية والخدمية ومن الأرصدة الروحية الحضارية ما يجعله محلّ رهانات وأطماع واستراتيجيات محاور سياسية دولية هي بصدد إعادة التشكّل حسب توزيع عالمي متغيّر لخرائط القوّة والثروة والثقافة. الخليج يضجّ بتحوّلات مستقبلية مرتبطة بخرائط الطاقة والأرصدة المالية الاستثمارية العملاقة وبخلفية ثقافية/دينية تتجاذبها إرادتان متناقضتان: واحدة محافظة تفتح على مصانع التطرّف السلفي المتحوّل إلى قنبلة “غبية” يتمّ توظيفها في تدمير الداخل العربي واصطناع مسارات سياسية ضد مصالح الشعوب، وأخرى مجدّدة تتطلّع للاندماج الحرّ والمتوازن في عقل العالم الحديث.  ضمن هذا السياق العربي والعالمي المتحرّك بسرعة وصخب يجب أن نفهم خلفيات الأزمة المعتملة حاليا بين مكوّنات البيت الخليجي الذي لا يمكن أن يظلّ بمنأى عن أحداث العالم إن لم يكن قد أصبح القِدر الذي تطبخ فيه خطط وخرائط العالم الجديد.
 قراءة في  توقيت الاستهداف
 ما الجديد الذي جدّ ليجعل من دولة قطر في قلب الاستهداف السعودي الإماراتي المصري الآن بالتحديد بعد كلّ ما سجّلته يوميات الربيع العربي من أحداث وتقلّبات؟
مع انطلاق ثورات الربيع العربي وجدت السعودية نفسها، وهي الدولة ذات الثقل العربي الإقليمي الراسخ بحكم ثروتيها الروحية التقليدية والنفطية المالية الضخمة، في قلب الحراك السياسي العربي الجديد وبالأخصّ على هامش السياق الثقافي الديمقراطي الجديد الذي بدأ يشكّل  عقل وثقافة ومخيال ولغة شعوب المنطقة العربية التي تحطّمت فيها كل مشاريع التحديث على صخرة التقليد والمحافظة والسلفية الحضارية الشاملة. كان الربيع العربي المنطلق من مغرب العالم الإسلامي جرسا مؤذنا بعصر ديمقراطي عربي ممكن أن يعيد العرب إلى التاريخ الإنساني بعد أن يئسوا نهائيا نخبا وشعوبا من الالتحاق بركب الإنسانية الحديثة ورضوا بدور التابع الخاضع لإرادات خارجية استعمارية. هذا الجرس أزعج العقل التقليدي المحافظ  ومؤسسات التزييف والتخدير والتضليل الإيديولوجي الثقافي والإعلامي ومراكز القوة التقليدية الممسكة بشبكات المال والسياسة واضطرها جميعا(وطنيا وإقليميا ودوليا) إلى التحالف فيما بينها في مواجهة الوافد الغريب الذي يبشّر بتوزيع جديد للسلطة(الديمقراطية الدستورية مقابل التيوقراطية والوراثة) وللثروة( العدالة الاجتماعية المضمونة بالحق الدستوري والمراقبة بآليات القانون التي تضمن تكافؤ الفرص ومبدأ الكفاءة والشفافية والمحاسبة مقابل تمركز الثروات في دوائر الحكم العائلي المافيوي التي تسخّر كل إمكانيات الدولة ومقدّراتها وأجهزتها لخدمة القرابة والزبونية).
كان الربيع العربي مؤذنا بتحوّل تاريخي عربي عميق في بنية ثقافية سياسية تكلّست ولكنها اهتزّت على وقع انتفاضات الخيال الشبابي الجديد المفعم بالعلم والمعرفة والحرية والرغبة في الانفتاح على مشهد كوني متحرّك ومفتوح. بل أن هذه الكونية الإنسانية المحمولة على أجنحة الرقمنة المعلوماتية المعولمة ضاعفت من قدرة فئات أوسع من شعوب الغرب نفسه على اكتشاف الوجه المظلم لديمقراطية كارتلات الاقتصاد وشركات التصنيع العسكري والوجه الخارجي الاستعماري الوحشي لهذه الديمقراطيات/الواجهة. وهنا نقطة تقاطع المصالح الاستراتيجية بين الداخل والخارج المحافظين التي على أساسها تشكّلت المحاور السياسية الجديدة التي اقتضت بعد مخاض طويل وتردّد ومناورة وارتباك أن يقع استهداف دولة قطر باعتبارها عنوانا ( ولو كان عنوانا مضلّلا للذين يرونه كذلك) إقليميا ودوليا أيضا لخيار يهدد مصالح مستقرة قد يكون المساس بها إيذانا بنشأة خرائط سياسية جديدة في الخليج وفي العالم العربي.
  القوة النّاعمة القَطرية
  وحتى نفهم “الظاهرة القطرية” المختلف حولها بين أصحاب الفكرة الواحدة فما بالك بالمختلفين سياسيا وإيديولوجيا، علينا أن ننظر إليها بعين “كليّة” ترى الحضور القطري في خريطة العالم، وبعقل تحليلي يستطيع قراءة “خيط أريان” الذي يربط مسيرة وفكرة هذا الانتشار القطري الاستراتيجي الدؤوب والمفاجئ للسلوك العربي عموما والخليجي السعودي خصوصا.
قطر نشأت كمشروع سياسي/إعلامي مع قناة الجزيرة “الفضائية”(1996). ونقول الفضائية لأن فكرة تجاوز الحضور الجغرافي المحدود عبر رافعة إعلامية عملاقة تسخّر آخر تقنيات “الصورة” والمعلومة في صنع وترويج وترسيخ “صورة” عابرة للقارات لدولة صاعدة وطامحة للعب دور مهمّ  في ساحة دولية معقّدة ومتشابكة وتحرّكها قوانين المال والإعلام والقوة العسكرية والذكاء السياسي. قد لا يتفق محلّلان اثنان على خلفية هذا الطموح المفاجئ في السلوك القطري، ولكنهما لن يختلفا حول النجاح الكبير الذي حققته قطر في ظرف زمني قياسي عبر فضائية الجزيرة في حمل اسم/علامة قطر إلى العالم ليس باعتماد برامج دعائية فجّة للسياسة الداخلية القطرية بل بتسخير منصّة “الجزيرة”كرافعة ثقافية/سياسية/إعلامية لاحتضان تفاعلات الحراك السياسي والثقافي والفكري العربي المحاصَر والمقموع في كل الدول العربية بلا استثناء، ووصْل هذا الحراك العربي ببعضه وبالعالم الذي كان مطمئنا لرسوخ دورة الاستبداد الأبدي في المنطقة العربية. كان صوت “الجزيرة”، محمولا على آخر تقنيات الإبهار الفنّي، يبشّر بخطاب جديد محوره الوعي بالحق في الحرية السياسية والتنوير الديني “المحسوب” ضمن سياق ثقافي محافظ في جزيرة عربية مغلقة أمام خطاب التجديد الديني والسياسي لقرون طويلة ( سرعان ما تخلّت قطر عن فكرة منازعة السعودية في مرجعيتها  الدينية لتنطلق عمليا وبصمت بعيدا عن تلك المرجعية رغم ثقلها التاريخي في شرعية العائلة المؤسسة).
وسيتساءل البعض، عن حقّ، عن أسباب هذه “الطفرة” المفاجئة من الوعي لدى أصحاب القرار القطري التي جعلتهم يتبنون خطابا دينيا تنويريا دون التخلي العلني عن مرجعيتهم الوهابية ، وفي المقابل سيكون من قبيل الإنصاف إقرار جدّة السلوك القطري الليبرالي التحرّري في محيط قبلي محافظ منذ صعود الأمير حمد سنة 1995 معلنا “مشروعا قطريا” بسرعة أربكت كل المتابعين للشأن العربي والخليجي وأطلقت موجة من الكتابات المهتمة بالظاهرة القطرية( أنظر مثلا كتاب: “قطر، أسرار الخزانة الحديدية. للفرنسيين كريستيان شيزنو وجورج مالبرونو. سنة 2013) التي انتهت إلى أن أصبحت دولة قطر قوّة اقتصادية استثمارية نشيطة وذات ذكاء استراتيجي جعلها تغامر في كل القطاعات(التجارة والصناعة والخدمات وأسواق المال والرياضة…الخ) وفي كل دول العالم ( بريطانيا أساسا ثم فرنسا حيث لا يتوقف الجدل حول طبيعة “الغزو” القطري لفرنسا أثناء الحملات الانتخابية الفرنسية، أنظر على سبيل المثال فقط كتاب:”جمهورية قطر الفرنسية” بيرنجار بونتي، ومقال فيليب كوهين الصادر في مجلة “ماريان” بتاريخ 11/01/2013: ” لقد سلّموا فرنسا إلى قطر”). أما في الدول العربية فقد فاجأت قطر الديبلوماسية السعودية التي كانت تعتبر لبنان حديقتها الخلفية بعد اغتيال الحريري(فيفري 2005) وفي ظلّ الانشغال السوري السعودي بمعركة المسؤولية عن هذا الاغتيال، فاجأتها ب”هجمة” استثمارية ضخمة بعد حرب 2006 قامت فيها بإعادة إعمار الجنوب اللبناني متوّجة ذلك باحتضان “الحوار الوطني اللبناني” في الدوحة سنة 2008 لتنهي عمليا الدور السعودي التقليدي في لبنان. الأمر نفسه حدث مع الدور المصري التقليدي في الساحة العربية حيث انكفأت مصر على نفسها لتنتهي إلى دولة تعيش على مساعدات الخليج العربي وتكتفي بمراقبة الحضور القطري في جارتها ليبيا ولتقبل أخيرا القيام بدور الأداة المنفّذة للأجندا الإماراتية الطامحة لا فقط لمنافسة الدور القطري وتحجيمه بل لإنهائه والحلول محلّه. ونحن نسرد هنا بعض محطات “الخروج” القطري للعالم حتى لا نقنع بالفكرة التبسيطية المسكونة بفكرة المؤامرة القائلة ب “دور قطري مشبوه” ومملى من الخارج في أحداث الربيع العربي وما تبعه من تقلبات تستمرّ تداعياتها في الأزمة الخليجية المتفجّرة حاليا، ولنقول أن قطر اختارت التجديد الجريئ منذ 1995 وليس الآن. وما دورها في الربيع العربي إلا استمرار للسياسة البراغماتية المراهنة على القوى الجديدة دون السقوط في خطأين حدّيّين نقيضين معهودين لدى كل القوى الطامحة للعب دور خارجي، هما: إملاء خيارات سياسية محدّدة على من تتعامل معهم دولا وجماعات، أو التصادم المباشر الاستعراضي مع الفاعلين الدوليين التقليديين . وهما أمران تجنبتهما الديبلوماسية القطرية بمرونة لافتة. في هذا السياق سيكون من الصعب على التفكير النسقي فهم السياسة القطرية التي تمكّن أمريكا من قاعدة عسكرية على أراضيها وتقيم اتفاقات عسكرية مع فرنسا وتشارك ضمن قوات التحالف العربي في اليمن وتشترك مع السعودية في دعم المعارضة السورية المسلحة ضمن “تحالف دولي” وتتحالف مع تركيا على جميع الأصعدة ولكنها في مقابل ذلك تمضي على اتفاقية تعاون عسكري مع روسيا ولها اتفاق شراكة استراتيجية مع الصين وكانت الدولة العربية الوحيدة التي دعّمت حزب الله في حرب 2006 وتحرص على علاقات جيدة مع إيران وتدعم حماس سياسيا باحتضان قياداتها السياسية بعد أن قامت وحيدة ب(محاولات)إعادة إعمار غزة بعد الحروب الثلاثة الأخيرة (من 2009 إلى 2014) وأخيرا تنزل بكلّ ثقلها السياسي والمالي لدعم دول الربيع العربي في الوقت الذي اكتفت فيه دول أخرى بالذهول أمام الحدث الجديد أو انخرطت بعنف في محاربته والعمل على إجهاضه بكلّ الوسائل.
هذا “التغوّل” السياسي القطري(في عيون قوى إقليمية تقليدية ترفض أن تجد منافسة من قوة جديدة لا توفّر لمنافسيها مفاتيح سهلة لفهم وتوقّع خطواتها واستراتيجياتها) المصاحَب بديناميكية ديبلوماسية لا تتناسب سرعتها مع الجسم العربي الثقيل المترهّل ولا مع سياسة أمريكا الخارجية المترددة مع أوباما والغامضة مع ترامب “اللغز”، هذا التغوّل جعل قطر هدفا منتظرا بين لحظة وأخرى للقوى المحافظة التي لا يتحمّل خيالها السياسي الكسيح ولا مصالحها الاقتصادية “الكسولة” (التي ترفض المغامرة والمنافسة). وها أن ما كان متوقّعا ومخططا له ينفجر في ظرف عربي وخليجي وعالمي دقيق ولكن بإخراج سياسي وإعلامي رديئ لا ينتجه إلا الخيال الكسيح الذي تحدّثنا عنه منذ حين.
هل يتّجه العرب والعالم نحو حرب أخرى؟
 المتابع للتحاليل اليومية للحدث الخليجي يلاحظ مراوحة المراقبين بين ثقة باردة في استحالة إقدام الدول المقاطعة لقطر على خطوة مجنونة انتحارية لا يعلم احد تداعياتها على هذه الكيانات نفسها من جهة، وتوقّعات متشائمة ترى في خطة الحصار لقطر لحظة شبيهة بلحظة اغتيال الدوق فرانز فرديناند في سراييفو سنة 1914 التي مثلت شرارة الحرب الكبرى الأولى( مجلة “فورين بوليسي” يوم 07/06/2017). ولكن لا خلاف حول أن ما يحدث من تصعيد ضد قطر كان مبرمجا ومخططا له بعلم أمريكا ترامب التي شكلت زيارته الأخيرة للسعودية صفقة نموذجية في التدليل على ما يمكن أن يصل إليه ترامب من الابتزاز وما يمكن أن تبلغه البلاهة العربية من رضوخ غير مبرّر سياسيا لهذا الجشع المهين لكلا الطرفين وغير المسبوق في الأعراف الدولية. ولا خلاف أيضا حول التردد والغموض الأمريكي الذي يذكّر بالموقف من انقلاب الجيش المصري على الديمقراطية حيث تظاهرت أمريكا برفضها له مقابل دعمه عمليا. ولا خلاف في ميل أمريكي غالب لدور سعودي تقليدي قابل للتوظيف المباشر في حرب دينية مذهبية في مواجهة مشروع مذهبي آخر هو إيران الشيعية. السعودية كما إيران المذهبيتان يمثلان رأسمال حربي جاهز للانفجار في اللحظة المناسبة كما هو الأمر الآن في العراق وفي اليمن وفي سوريا. لا خلاف أيضا حول قسوة الدرس اليمني الذي قد يجعل السعودية تتردد في اجتياح دولة أخرى وهي المورطة أصلا في يمن كان لها وفرّطت فيه بإجهاض ثورته في سابقة سياسية غريبة. فضلا عن أن ردّ الفعل التركي المباشر بالوقوف عسكريا مع قطر، والمساندة الإيرانية الاقتصادية واللوجستية السريعة والتداعي الديبلوماسي الدولي للتهدئة والوساطة، كلها عوامل ترجح كفة استبعاد الحل العسكري ولو إلى حين. ولكن مقابل هذا قد تقدم السعودية المجروحة في كبرائها القيادي العربي السني والطامحة بجموح لاستعادة دورها الإقليمي التقليدي(طموح يغذّيه طموح إماراتي لا يقلّ عنه جموحا وربما جنونا) على خطوة مغامرة تقدّر أن تأجيلها قد يجعلها مستحيلة في المستقبل. وربما توفّرت لها في الخفاء أمريكيا أساسا تطمينات وإغراءات تصوّر لها حربا خاطفة تنتهي بتغيير القيادة القطرية رحلة مأمونة العواقب ووافرة المردود السياسي(بما يذكّر بتطمينات أمريكا لصدام عشية غزوه الأحمق للكويت).
 أين المغرب العربي وتونس في كلّ هذا؟
واضح أن المخطط التصعيدي ضدّ قطر سيمسّ مباشرة ليبيا أساسا حيث تحضر قطر بقوة في منطقة نفوذ مصري تقليدي وفي تماس مباشر معها. فقد أوكل لمصر الانقلاب، المتوقفة حياته على الدعم السعودي والإماراتي، دور شرعت في تنفيذه مباشرة في ليبيا. حيث قام الطيران المصري بالردّ المباشر على “الإرهاب” الذي ضرب مؤخرا في المنيا بقصف مدينة درنة المحاصرة بقوات حفتر بعد أن نجح أهلها في طرد الدواعش منها. وهي خطوة الهدف منها مصريا ترحيل أزمة شرعية النظام الذي لم يهتد بعدُ إلى معادلة سياسية داخلية تضمن تماسكه واستمراره، وإلى تعطيل الحل السياسي المتقدّم في ليبيا على قاعدة الحوار الشامل الذي ترعاه الجزائر أساسا وتونس ثانيا. تونس التي ستتأثر حتما بأي تراجع متوقّع للدور القطري الذي ساهم بقوة منذ الثورة إلى اليوم في تأمين التوازنات المالية للدولة في ظلّ تحفّظ سعودي وإماراتي معلن لا يتردد في مهاجمة الديمقراطية الغريبة على تقاليده، وتردّد غربي في مساندة الديمقراطية الجديدة التي لم تأت مطابقة كليا للصورة التي يريدها الغرب، ولكنه لم يجازف إلى حد الآن بالتخلّي النهائي عنها وتركها لمصيرها في محيط مفتوح على احتمالات الفوضى على حدوده المباشرة. يكفي أن نسجّل أن الحضور القطري في تونس استثمارا وودائع وقروضا ميسّرة وهبات مباشرة لم يتأثر بذهاب الترويكا بل تواصل مع حكومة النداء الذي بنى خطابه الانتخابي على قاعدة التناقض مع الخيار القطري التركي.
خاتمة
الخليج العربي والمنطقة العربية في هذه اللحظة عبارة عن قِدْرٍ ضخم تطبخ فيه مصائر العرب وربما العالم. ولن يتوقف غليان القدر بمرور الأزمة الحالية. فلو انتهت هذه الأزمة بتسويات سياسية وقتية وعودة العلاقات بين قطر ومقاطعيها من العرب في حدها الأدنى، فلن يكون الأمر حلا دائما حيث لا يمكن للرأسمال السياسي القطري الإقليمي والدولي الذي راكمته على امتداد عشريتين من العمل الدؤوب أن يكفّ عن التفاعل وينكمش بقرار مسقط وفجئي نزولا عند اعتبارات جوار جغرافي وثقافي موروث تحكمه “ثوابت” توقّفت عن الحركة. فالعرب محكومون بأحد أمرين اليوم، إمّا الحركة والتجدّد أو الاندثار. أما إن خرجت الأزمة عن السيطرة وأريد لها في كواليس التصنيع السياسي أن تنفجر في وجه الجميع فلن يكون يسيرا على أحد تصوّر شكل العالم الذي سيبزع من وراء خراب لا يعدم العالم مجانين ومجرمين يدفعون باتجاهه.
 
عبد الرزاق بلحاج مسعود
عن مركز الدراسات الاسترتيجية والديبلوماسية .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟