أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 22 نوفمبر 2017.

السياسة الأمريكية في المنطقة العربية : من العصا والجزرة الى فن تحريك العرائس

 

شفيع بومنيجل
 عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

ملخص
تبدو مواقف الولايات المتحدة الأمريكية من أغلب الأزمات التي تعيشها المنطقة العربية للعديد من المحللين ملتبسة  و غير واضحة المعالم. ففي الوقت التي تدعي فيه عدم التدخل في الأزمة السورية تقدم دعما عسكريا  سخيا لأكراد سوريا و تعطل بشكل أو بآخر حل  هذا الأزمة سلميا.كما أن موقفها من الوضع الليبي، الذي يمكن وصفه بوضع تحلل الدولة و تفككها، فيصفه البعض بالتردد  حينا و بالتريث حينا آخر . ولقد دفعت هذه المواقف الملتبسة العديد من الملاحظين إلى استنتاج أن الولايات المتحدة الأمريكية  بصدد التقليص من اهتمامها بالمنطقة العربية أو هي بصدد اعتماد سياسة جديدة مما أثار مخاوف حلفائها إذ أعربت تركيا عن اعتراضها عن الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لأكراد سوريا بحجة أنه يهدد وحدتها الترابية كما عبرت دول الخليج العربي عن خشيتها من أن يؤدي تراجع الدور الأمريكي في المنطقة  إلى توسع النفوذ الايراني .و مع أن  الولايات المتحدة حرصت على تبديد جميع هذه المخاوف فإن الفهم الموضوعي لمواقفها  من جملة قضايا المنطقة يفترض مقاربة سياستها  الخارجية من زاوية مصالحها الاستراتيجية .هذا تحديدا ما  تسعى إلى تحقيقه هذه الدراسة التي ستعمل على تحديد أهم المصالح الأمريكية في المنطقة العربية لعله يساعد في فهم ما التبس من مواقفها و  يمكن  لاحقا من تجاوز التحاليل الانطباعية و المتسرعة للسياسة الأمريكية في المنطقة العربية .

                                                                                                      
مقدمة
     يصف العديد من المحللين السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية بالغموض .و هو وصف يعطي لهؤلاء عذرا لعجزهم عن توقع واستشراف مواقف الولايات المتحدة من عديد الأحداث الجارية في الوطن العربي. و يُعزى هذا الغموض إلى شخصية الرئيس  ترامب التي يحلو للكثيرين وصفها بالمزاجية و الانفعالية . و لئن كان ليس من   (من غير) المستبعد أن تؤثر شخصية الرئيس الامريكي فى سياسة الدولة الخارجية  فإن المبالغة في اعتبارها عاملا حاسما تفضى  بالضرورة إلى بناء استنتاجات خاطئة . إذ علينا أن  نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية  مازالت دولة تحكمها المؤسسات و القانون في المقام الاول . و ربما لهذا السبب يمكن القول أن عدم تطابق السياسة الأمريكية مع انتظارات البعض  من المحللين هو الذي دفعهم إلى القول أنها غامضة و متأثر بشخصية الرئيس المزاجية . يمكننا سرد العديد من الأمثلة في هذا الصدد فلقد قاد تركيز إدارة ترامب اهتمامها على منطقة أسيا و المحيط الهادي  إلى التسرع في استنتاج أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن منطقة الشرق الأوسط . غير أن تنفيذ الولايات المتحدة هجوما صاروخيا على قاعدة الشعيرات السورية في أفريل 2017 دفع البعض  الآخر إلى الاعتقاد أن اهتمامها بالمنطقة العربية مازال ثابتا  و أنها عزمت أخيرا على التدخل المباشر في الأزمة السورية .
    و من أجل تجنب مثل هذا الفهم الانطباعي و الاستنتاجات المتسرعة سنحاول أن نقارب السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية من زاوية مصالحها الاستراتيجية التي تكرس من أجل تحقيقها قدراتها العسكرية و الدبلوماسية و الاقتصادية و العلمية …فى هذا السياق سنعمل على الكشف عن محددات السياسة الأمريكية في المنطقة العربية و ننظر فيما إذا كان تحقيق مصالحها يستوجب حضورها السياسي و العسكري  في المنطقة  و انغماسها في قضاياها أو يفترض  تخفيف هذا الحضور بجميع  صوره و أشكاله ؟.
أولا . محددات السياسة الامريكية في المنطقة العربية

لا يمكن القبول بالاستنتاج  القائل أن الولايات المتحدة الأمريكية  تفتقر إلى استراتيجية واضحة  في المنطقة العربية لمجرد أن مواقفها لا تنسجم مع رغبات بعض  المحللين و لا تلبي انتظارا تهم  .ذلك أن الملاحظة الموضوعية تكشف عن حقيقة أن للولايات المتحدة  الأمريكية ثلاث مصالح  أساسية في المنطقة العربية تدفعها قدما نحو وضع استراتيجية  واضحة  لتحقيقها . تتمثل هذه المصالح في :
1  التحكم في مصادر الطاقة ( الغاز و النفط ) التي تزخر بها العديد من الدول العربية.
2  السيطرة على الممرات المائية التي يُنقل عبرها النفط و الغاز  وهي  :الخليج العربي ، بحر العرب ،خليج عدن  ، باب المندب ،البحر الأحمر ، قناة السويس ،البحر الابيض المتوسط ،و أخيرا  مضيق جبل طارق .
3 حماية اسرائيل  باعتبارها دولة مضمونة  الولاء  لها. إذ من وجهة النظر الأمريكية  بمثابة القاعدة  العسكرية  التي تسمح لها بمراقبة و حماية منابع النفط و الغاز و الممرات المائية و السيطرة عليها .
إن عرضا سريعا لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة العربية يثبت أن جميع الحكومات الأمريكية  حرصت على تحقيق نفس هذه الأهداف و إن اختلفت الطرق و الوسائل التي اعتمدتها في سبيل ذلك باختلاف الرؤى و التصورات  التي  يتبناها كل رئيس . ولذلك  كان من المتوقع  أن تطرأ على السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب بعض التغيرات لا بسبب شخصيته  الانفعالية  كما يروج البعض ،بل  من اجل أن تتلاءم مع المستجدات  التي عرفتها المنطقة العربية منذ عقد من الزمن على الأقل . فلقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنها لم تعد اللاعب الوحيد في المنطقة العربية خصوصا بعد خسائرها المذلة في  العراق ،وهي على بينة  من أن روسيا الاتحادية استغلت هذا الوضع لتفتك منها أدوارا مهمة و مؤثرة في  كامل منطقة الشرق الأوسط . و من الواضح أنها قبلت،و إن على مضض ،بهذا الوضع الجديد إذ هي لم  تعد قادرة على تحمل تكلفة التدخل العسكري  المباشر و المتزامن  في أكثر من دولة عربية تعيش أوضاعا متقلبة مثل ليبيا و سوريا و اليمن و العراق …أو انها لم تعد ترغب في ذلك من حيث المبدأ. غير أن ما يقلق الولايات المتحدة ليس تخليها عن فكرة التدخل العسكري المباشر في شؤون الدول العربية ، فهذا  مجرد ادعاء يمكن اكتشاف زيفه ، بل ما يقلقها فعلا هو الحضور الروسي بشقيه السياسي و العسكري في المنطقة العربية  من جهة و تنامي الدور الايراني من جهة ثانية  .و لن يكون من السهل على الولايات المتحدة الامريكية معالجة هذا الوضع الجديد من دون اعادة النظر في علاقاتها مع القوى الاقليمية و الدولية  المؤثرة  في الشرق الأوسط مثل تركيا ، وإيران ، والسعودية ، و مصر و روسيا و حتى مع  الجماعات القومية والدينية و الطائفية ،المنخرطة بشكل أو بآخر  في الصراع السياسي الدائر اليوم في العديد من الدول العربية ، كالشيعة و السنة و الأكراد … إلا ان  المقصود من إعادة  الولايات المتحدة النظر في علاقاتها بجميع هذه الأطراف  ليس واضحا بما فيه الكفاية ، فالمعطيات و الأفكار التي يتم تداولها في هذا الصدد  هي على ما يبدو  أقرب إلى تطلعات أصحابها و آمالهم منها إلى حقيقة ما تريده أمريكا فعلا . تدرك الولايات المتحدة الامريكية  في هذا السياق وجود تناقض  صارخ بين ما تريد هي  أن تفعل في المنطقة العربية  و ما يُراد منها  أن تفعل ،و هي على بينة من أن العديد من  حكام هذه المنطقة  و سياسييها يريدونها مجرد آلة دهس و قتل و تغيير تأتمر بأوامرهم المتعارضة ،في حين تريد هي أن تستغلهم جميعا من أجل تحقيق أهدافها سابقة الذكر . و ربما لهذا السبب اتصفت علاقتها بأغلب الدول العربية بالنفاق و الريبة و الشك و خلت من الصدق و الثقة المتبادلة طيلة عقود من الزمن. و بما أن هذا الأمر  ليس طارئا فلن تشهد السياسة الأمريكية في المنطقة العربية تغييرا جوهريا ،و إن حصل  فسيكون محدودا ،و سينحصر على الأرجح  في محاولة التأقلم مع الوضع الجديد و العمل على التقليص ما أمكن من تأثيره السلبي على مصالحها  في المنطقة  العربية .  في هذا الاتجاه ستحرص الولايات المتحدة على عرقلة الطموح الروسي و الإيراني إلى بسط نفوذهما في المنطقة العربية كما ستعمل  على تمتين علاقاتها مع حلفائها التقليديين مثل السعودية و مصر و اسرائيل و تركيا . و لن تكون هذه المساعي سهلة التحقيق فالثقة بينها و بين العديد من الدول العربية اهتزت خصوصا بعد أن خففت الولايات المتحدة ضغطها السياسي و الاقتصادي على إيران بعد الاتفاق النووي ،كما أن الوجود الروسي و الإيراني في المنطقة صار طاغيا و من الصعب مواجهته . غير أن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستكف عن المحاولة فمصالحها ستدفعها قدما إلى المثابرة على بلورة سياسة تمكنها من مواجهة هذا الواقع الجديد.  و من الواضح أنها شرعت بالفعل في رسم معالم هذه السياسة الجديدة منذ ولاية الرئيس السابق  براك أوباما حيث بدأت في التخلي عن سياسة التلويح  الدائم باستخدام القوة  و استعاضت عنها بالعمل على التأثير في صانعي القرار و التحكم فيهم  بل  صنعهم إن لزم الأمر . لقد أتت هذه السياسة أكلها و حققت البعض من أهدافها إذ تراجعت على ما يبدو درجة عداوة الشعوب العربية لها  فاختفت أو تكاد  مظاهر حرق العلم الأمريكي في الساحات العامة بل لم يعد من المحذور دعوتها علنا و بإلحاح  للتدخل العسكري في الوطن العربي لإسقاط نظام بمبرر الاستبداد  أو للقضاء على تنظيم  سياسي بحجة الارهاب.
 ثانيا .  الموقف من سوريا :  دع الآخرين يفعلون الذي  نريده.
هناك  العديد من الأسباب الموضوعية  التي تجعل العلاقة بين سوريا و الولايات المتحدة الأمريكية دائمة التوتر. فعدم اعتراف سوريا بدولة اسرائيل ما زال يمثل من وجهة النظر  الأمريكية  تهديدا أمنيا مباشرا  لمصالحها  في المنطقة . ولهذا  السبب رغبت الولايات المتحدة  مرارا  في  الإطاحة بحكم الأسد و حرصت على اضعاف الدولة السورية و تفكيكها . و من الواضح أنها تسلك في سبيل ذلك طريقة مغايرة للطريقة التي  اتبعتها في العراق إذ  تكتفي  في الحالة السورية بتقديم الدعم العسكري و السياسي و المالي إلى القوى  الداخلية و الاقليمية التي تتقاسم معها الرغبة  في الاطاحة بالرئيس الأسد وتفكيك الدولة السورية  . لقد تجنبت الولايات المتحدة التورط المباشر في المسألة السورية و لامها البعض على عدم الاكتراث بما يحدث في هذه الدولة من قتل و تشريد و تدمير لغفلته عن حقيقة أن ذلك تحديدا ما ترغب الولايات المتحدة في حدوثه. و لعل أهم ما يمكن أن نستنتجه من هذا الموقف هو أن التغييرات الدراماتيكية  التي تشهدها سوريا ليست متناقضة مع الاستراتيجية الامريكية و لا هي متعارضة مع أهدافها الرئيسة في المنطقة . غير أن الولايات المتحدة الامريكية تدرك أن اضعاف سوريا عسكريا و اقتصاديا بالاعتماد  على وكلاء محليين و اقليميين  له العديد من  المفاعيل العكسية  من قبيل ترسخ الهيمنة الروسية في المنطقة و توسع النفوذ الايراني  في كل من العراق و سوريا و لبنان .  و للتخفيف من وطأة  مثل هذه الانعكاسات على مصالحها في المنطقة تحرص الولايات المتحدة على اتباع سياسة غايتها النهائية اضعاف الدولة السورية اقتصاديا و عسكريا  كحد أدنى و تفكيكها و تقسيمها عرقيا و اثنيا كحد أقصى وكل  ذلك  بهدف  الحفاظ على أمن اسرائيل و دفع النظام السوري الحالي أو اللاحق إلى الاعتراف بوجودها دولة شرعية ذات سيادة على أرض وشعب محددين. و لتحقق الوليات المتحدة هذه الغاية النهائية تحرص على اتباع الخطوات التالية :
     _ عرقلة جميع المساعي الرامية إلى بلورة حل سلمي للأزمة السورية.
     _تقديم الدعم السياسي و العسكري و المالي لأكثر من جهة سياسية و اجتماعية في سوريا ( المعارضة الكردية ،   المعارضة السنية ، المعارضة المسلحة ، المعارضة العلمانية ، المعارضة الديمقراطية …)
  _ السعي إلى استدامة القتال الدائر بين القوى المعارضة للنظام و خلق شروخ دينية و عرقية بينها.
  _ عدم المثابرة على الإطاحة بالنظام السوري لا حبا فيه بل ليظل سببا في استمرار القتال .
      بناء على هذه الخطوات يسهل علينا استنتاج أن الولايات المتحدة الأمريكية   تعمل جاهدة على أن تفضي  الأزمة  السورية  في نهاية الأمر إلى انهيار الدولة و تفككها.بشريا  و سياسيا و جغرافيا . و ليس هذا مطلبا خفيا على أحد فالولايات المتحدة أقل الدول حرصا على استمرار سوريا دولة موحدة و أكثرها اندفاعا إلى تبني النظام  الفيدرالي لها.  و من البديهي القول أن هذا الاندفاع ليس نابعا من رغبة في ارساء نظام ديمقراطي يكفل حقوق و حريات جميع مكونات الشعب السوري بقدر ما هو صادر عن معرفة بأن اعتماد النظام الفيدرالي في سوريا سيعجل بتفككها  لا محالة .
   إن الرأي السائد اليوم حول تراجع الدور الأمريكي في سوريا و اقصائها منها و تعاظم الدور الروسي و الإيراني فيها  يبدو لنا متهافت الأركان إن لم يكن سخيفا . ذلك أن الموضوعية تقتضي القول أن الوجود الإيراني أو الروسي في سوريا لم يكن رغم أنف الولايات المتحدة أو عن غفلة منها.  وعلى عكس هذا الرأي علينا أن لا نترك جانبا وجهة النظر القائلة أن الولايات المتحدة سمحت بشكل أو بآخر  لإيران و روسيا و حزب الله و تركيا و الإمارات و قطر و السعودية  و داعش …بالحضور في سوريا من أجل مزيد تعميق الأزمة فيها و دفعها إلى حدودها القصوى لتنتهي بانهيار الدولة و تفككها . هذا من الاحتمالات الأكثر ترجيحا  فعلى الرغم من أن البعض ما زال يلوك فكرة أن الدور الأمريكي في المنطقة العربية تراجع فإن الدبلوماسية الدولية الفاعلة و المؤثرة ،بما فيها الروسية ،ما زالت تعتقد في ثقل الدور الأمريكي و أهميته في بلورة حل سلمي للأزمة السورية .
لا اختلاف على وجاهة هذا الرأي إلا أنه لا يجب أن نتوهم أن جميع القوى الفاعلة في سوريا مجرد وسائل غبية مسخرة حصرا لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. فروسيا الاتحادية على سبيل الذكر وجدت في الأزمة السورية فرصة مواتية لتعزيز حضورها العسكري و الاقتصادي في المنطقة العربية و جعلها تسعى ، بالتعاون مع العراق و إيران ، إلى بسط نفوذها على  كامل المساحة الجغرافية الممتدة بين بحر قزوين و البحر الأبيض المتوسط .لقد  ادركت الولايات المتحدة مخاطر هذا   الأمر فعمد ت إلى نسج علاقة استراتيجية مع أكراد  العراق و سوريا  من أجل استخدامهم  كحاجز جغرافي و بشري  يحول دون نجاح روسيا في مسعاها . لقد أثار الدعم الأمريكي لأكراد المنطقة و خصوصا تسليح وحدات حماية الشعب الكردية.السورية حفيظة الجمهورية التركية التي تعتبر هذه الوحدات امتدادا لحزب العمال  الكردستاني المصنف لديها  تنظيما ارهابيا.وهى تخشى  من أن يعزز الدعم الأمريكي  النزعة الانفصالية لدى أكراد المنطقة مما قد يؤدي لاحقا إلى تهديد وحدتها الجغرافية و السياسية . و مع أن الولايات المتحدة حرصت على تبديد هذه المخاوف من خلال التأكيد مرارا على أنها معنية بحماية أمن تركيا فإن الأخيرة تبدو غير مطمئنة إلى هذه التأكيدات. و من غير المرجح أن تعدل أمريكيا سياساتها في المنطقة من اجل أن تتوافق مع الرغبات التركية.  ذلك أن دعم أكراد سوريا و العراق يمثل خيارا استراتجيا من الصعب على الولايات المتحدة التخلي عليه  . فالأكراد من وجهة النظر الأمريكية قوة بشرية “منبوذة “في المنطقة يسهل استخدامها في ابتزاز العراق و سوريا أو تقسيمهما و يمكنها من الضغط على ايران و حتى على حليفتها تركيا .
  ثالثا . الأزمة الليبية :  لنترك الأمور تأخذ مجراها و لكل حادث حديث .
 ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية بفاعلية في الإطاحة بنظام معمر القذافي عام  2011 فشاركت في عملية  “فجر أوديسا”  التي سمحت بفرض حظر جوي علي ليبيا ودمرت   دفاعاتها الجوية وسلاح طيرانها وعجل بالقضاء على معمر القذافي وأغلب أركان نظامه .إلا أنه و بعد هذه العملية لم تعمل الولايات المتحدة على بلورة حل للأزمة التي غرقت فيها ليبيا ولقد زاد اغتيال سفيرها في بنغازي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر 2012 في اعراضها  عن التدخل المباشر في المستنقع الليبي. غير أن هذا الاعراض لا يعني بأية حال أن الولايات المتحدة تركت لغيرها  من الدول مهمة إدارة الأزمة الليبية إذ تصرفت ،كما هو الأمر في سوريا  ،كطرف معطل للكثير من الحلول المقترحة . وليس من المستبعد أن الموقع الجغرافي الذي تحتله ليبيا و أهمية ثروتها النفطية هما من  بين اهم العوامل  التي تدفع الولايات المتحدة  لعدم القبول بحل للأزمة الليبية لا  تشارك في بلورته .
    لكن ، ما علة احجام الولايات المتحدة عن البحث عن حل للأزمة الليبية أو المشاركة في بلورته ؟ هل هو نتيجة لضعف دبلوماسي جعلها تستشعر عجزها عن التحكم في ديناميكية الأحداث الجارية في ليبيا خاصة و في منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط عامة ؟ .أم أن هذا الاحجام  خيار سياسي ينم عن قراءة ترى أن ثمار ليبيا لم تينع بعد وبالتالي لم يحن قطافها ؟ . سيكون من المهم في سياق بلورة  إجابة موضوعية على هذه الأسئلة التذكير بأن السياسية الخارجية  الأمريكية عرفت منذ عهد الرئيس براك أوباما بعض التغييرات طالت الأطراف المُوكل لها تحديد أهداف هذه السياسية  و الوسائل المعتمدة من أجل تحقيقها . فلقد استعادت وزارة الخارجية الأمريكية دورها في المنطقة العربية بعد أن استأثرت وزارة الدفاع بهذا الدور لمدة طويلة. و من دون الدخول في النقاش الدائر حول من يبلور رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لقضايا المنطقة العربية هل هم سفراء وزارة الخارجية أم جنرالات وزارة الدفاع ؟ ،فإن مقتل سفيرها في ليبيا دفع البعض من المحللين إلى التشكيك في قدرة وزارة الخارجية على ادارة التحولات التي اجتاحت العديد من الدول العربية فضلا عن قدرتها  على التحكم فيها .  و ربما لهذا السبب يمكن القول أن الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية يحكمه التردد و الحذر لا فقط  بسبب غياب المعرفة ، بل أيضا و ربما أساسا ،بسب الاختلاف حول من يحدد هذا الموقف. فمن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية كلما استحضرت نتائج حربها على العراق كلما أحجمت على التدخل العسكري المباشر في ليبيا. إلا أن هذا التردد لا يجب أن يدفعنا إلى الاعتقاد أن الولايات المتحدة فقدت تأثيرها على الأوضاع في ليبيا إذ هي تحتفظ بعلاقات ودية مع أغلب القوى المتصارعة هناك. يصدق هذا الأمر على خليفة حفتر و  حكومة السراج و حكومة طبرق و حكومة الانقاذ في طرابلس .و الأغلب على الظن  أن السياسة الأمريكية في ليبيا تقوم هذه المرة على قاعدة تحقيق المصالح من دون خسارة الحلفاء و الأهم من ذلك من دن خلق أعداء جدد. هذا مهم ،فباستثناء القوى الموالية  لتنظيم “داعش ” لم تعلن الولايات المتحدة  العداء لأي من الأطراف المتصارعة في ليبيا ،وعبثا حاول البعض دفعها إلى معاداة البعض من هذه القوى بحجة تبعيتها للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين .و على أية حال  لا تبدو الولايات المتحدة متحمسة لتدخل عسكري مباشر في ليبيا ولا لبذل مزيد من الجهد لحل الأزمة الليبية قبل أن تتضح لها مسار الأحداث في كامل المنطقة العربية و تستشرف مآلها الأكثر ترجيحا إذ تدرك أن الأوضاع في المنطقة لم تستقر بعدُ و أن التفاعلات السياسية و الاجتماعية و الأمنية التي تعيشها العديد من الدول العربية مازالت في بداياتها. و على الرغم من وجود تنسيق بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والأمريكي  دونالد ترامب   فإنه ليس من المرجح أن تتبنى الولايات المتحدة الرؤية  المصرية للمسألة الليبية القائمة على فكرة اقصاء الأحزاب السياسية ذات الخلفية الاسلامية . و إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن الولايات المتحدة  الأمريكية حريصة  على أن تمتلك أوراق ضغط على جميع القوى السياسية في المنطقة العربية سواء الحاكمة منها  أو المعارضة فإنه لا شيء يدفعنا إلى الاعتقاد انها  ستتكفل بمحاربة التيارات الاسلامية في ليبيا  أو أنها ستحرص على اضعافها إذ لا مصلحة لها في ذلك ،بل أنه سيكون من المستبعد أن تسمح لمصر بانجاز هذه المهمة في ليبيا نيابة عنها . ولهذه الأسباب ستكون الرؤية الأمريكية للأزمة الليبية أقرب للحل الذي اقترحته تونس القائم على قاعدة حق جميع القوى السياسية الليبية في الوجود و المشاركة  في صياغة حاضر ليبيا و مستقبلها من دون اقصاء أو تمييز. و عليه ،ففي اليوم الذي ستقرر فيه الولايات المتحدة  المساهمة في  وضع حد لتدهور الأوضاع في ليبيا ستكون مدعوة للأخذ بوجهة نظر التونسية  و ربما  الاعتماد علي دبلوماسيتها الرسمية و الشعبية .لكن يبدو أن هذا اليوم لم يحن بعد فالولايات المتحدة مترددة في الانغماس في المستنقع الليبي و الأهم من ذلك انها لا تسمح لغيرها من الدول بالتدخل لمعالجة هذه الأزمة.  يكشف هذا السلوك الأمريكي عن أحدى الاحتمالات التالية:
_ المبالغة في أخذ الحيطة خوفا من الوقوع في المحظور.
_الرغبة في ترك الوضع العفن في ليبيا يبلغ مداه من أجل أن يكون تدخلها مطلبا ليبيا لا أمريكيا ، تدخلا سلسا آمنا و مرحب به.
_العمل على استثمار الوضع الليبي لابتزاز دول الجوار وممارسة الضغط عليها. يصدق هذا الأمر على   تونس و مصر و الجزائر و خصوصا على السودان البلد المرشح لمزيد التقسيم من أجل نهب ثرواته النفطية.  و لن يكون من باب التجني القول أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل في الخفاء على الوصول إلى الثروات النفطية الهامة التي يزخر بها اقليم  دارفور السوداني المجاور للحدود الجنوبية لليبيا و أنها تسعى إلى لجم طموح الصين  إلى الاستحواذ على هذه الثروة و احتكارها .  لذلك وعلى عكس ما يعتقد البعض فإن موقف الولايات الأمريكية من الأزمة الليبية ستحدده، علاوة على نفط لبيبا و موقعها الجغرافي، مصالحها الاقتصادية في السودان لا التجاذب السياسي و العقائدي الحاصل في تونس و مصر و الجزائر.
رابعا . الولايات المتحدة الأمريكية و الأنظمة العربية: خرافة الاعتماد المتبادل
  بموازاة الجدل الدائر حول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك القدرة  على السيطرة على الأوضاع المتقلبة في العديد من الدول العربية  وما إذا كانت  ترغب في ذلك  أو أنها فقدت هذه القدرة  و الرغبة ، يعاد اليوم طرح الفكرة القائلة بإمكانية مقاربة العلاقة العربية الأمريكية انطلاقا من قاعدة الاعتماد المتبادل ،بما  يفيد أن العلاقة الأمريكية -العربية قائمة أساسا على التعاون لا الصدام .علينا أن نغمض أعيننا على العديد من الأحداث،و ربما على أغلبها ،لنقبل بهذا الطرح ، فالولايات المتحدة لم تبرهن يوما على التزامها بالدفاع عن المصالح العربية كما أنها تتصرف على نحو يثبت أنها لا تثق في التزام الدول العربية  بضمان مصالحها في المنطقة .   و ربما سيكون من المفيد القول أن الترويج لقاعدة الاعتماد المتبادل يهدف إلى التغطية على حقيقة العلاقات الأمريكية – العربية القائمة على أساس الاستغلال و الابتزاز. ذلك أن الولايات المتحدة و في الوقت الذي تقيم فيه علاقة تعاون ترتقي إلى مستوى التحالف مع إيران في العراق  وتتعاون معها  بشكل ضمني من أجل الإطاحة بالدولة السورية و تقسيمها إلى دويلات ، تعمل جاهدة على اقناع  حكام دول الخليج العربي بأن ايران تمثل تهديدا لأنظمتهم و أنها  بصدد حمايتهم  من هذا التهديد و كل ذلك  بهدف  بيعهم أسلحة باهظة الثمن . و مع أن حكام الخليج العربي  لا يخفى عليهم هذا الأمر فإنهم  لا يمانعون في تكديس الأسلحة لا فقط خوفا  من حكام ايران بل أيضا ارضاء  لصانعي القرار في الولايات  المتحدة  الأمريكية . لا اختلاف حول هذه المسألة ففي كل مرة تعلن فيها الإدارة الأمريكية التزامها بحماية أمن دول الخليج العربي إلا و أرفق هذا الاعلان  بتوقيع صفقة بيع أسلحة متطورة و مكلفة .  و مع ذلك  ما من أحد يمكنه أن يستنتج أن هذه الصفقات هدر لثروات الخليج و مقدراته ،ربما سوى أولئك الذين يروجون لفكرة أن الأسلحة  للاستعمال لا للتخزين .وإذا أخذنا كل هذه المعطيات بعين الاعتبار جاز لنا القول  أن السياسة الأمريكية في المشرق العربي لن  تشهد تغييرا جوهريا إذ ستعمل  على تعزيز حضورها العسكري في كل من  الخليج العربي والعراق و سوريا بمبرر مواجهة  تمدد النفوذ الإيراني و الروسي . كما ستحرص على تبديد مخاوف حليفتها تركيا من مخاطر الدعم الذي تقدمه لأكراد سوريا و العراق على وحدتها الوطنية. باختصار،و بما أن الولايات المتحدة الأمريكية  تعي أن مصالحها في المنطقة لا تتحقق إلا باستدامة ضعف الدول العربية  و هوانها  فإنها بالنتيجة سوف  تعمل على إثارة مزيد من  القلاقل العرقية و الطائفية و المذهبية في سائر  الدول العربية . على هذا النحو ستخيب الولايات المتحدة الأمريكية آمال جميع العرب الذين يحلمون بأن تكون رهن إشارتهم يأمرونها فتطيع ، و ستثبت لهم أنها ليست مجرد أداة تلبي رغباتهم  المتناقضة في القضاء على الارهاب و تيارات الاسلام السياسي حينا و ترسيخ الديمقراطية و حقوق الانسان حينا آخر و تحرير فلسطين و حمايتهم من إيران  أحايين أخري .
 خاتمة
   لم يكن في نيتنا في هذه المحاولة البرهنة على صحة الرأي القائل أن لا مصلحة للدول عربية في إقامة علاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية فهي ،و لاعتبارات عديدة ،في حاجة لهذه العلاقة إن لم تكن مجبرة على ذلك. لكن ،وفي مقابل ذلك ليس بوسعنا تجنب الخوض في النتائج السلبية المترتبة عن هذه العلاقة أو غض الطرف عن من يتوهم أن الولايات المتحدة الأمريكية آلة غبية يمكن أن نسخرها لتحقيق ما عجزنا عن تحقيقه بأنفسنا . يصدق هذا على أولئك الذين يدفعونها قدما إلى محاربة الارهاب ومقارعة  الأحزاب ذات الخلفية الاسلامية ، و يصدق أيضا  على من يدعوها إلى التدخل من أجل إزاحة أنظمة الاستبداد و الفساد أو بهدف حمايتنا من تهديد بعض القوى الاقليمية و الدولية  لأمننا الوطني و القومي . و من الواضح أن الولايات المتحدة لا ترغب في تسفيه هذه الأحلام على رؤوس الملإ فتعمل جاهدة على ترسيخ الوهم بأنها قادرة على الاستجابة لجميع المطالب العربية المتناقضة و المتعارضة  و كل ذلك من أجل تعزيز القناعة بأن وجودها في المنطقة العربية و حضورها العسكري و الاقتصادي  ليس رغبة منها في السيطرة و الهيمنة  بل فقط  استجابة لطلب عربي متعدد  الدوافع و الأهداف .
 .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟