أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

اللعب بالأحرف

 

لا يتحقق نجاح  المرء إلاّ بعد أن يتوقف عن خداع نفسه. علماء النفس يقولون، أنه بمقدور المرء أن يخدع الدنيا كلها، أما نفسه فلا، غير إنه إن تمكن من ذلك فسوق ينتهي به الحال إلى الجنون، والانسلاخ الكامل عن الطبيعة البشرية. الأمر، أيضا، ينسحب على الدول مهما كان تعدادها وقوتها. ستظل الدولة فاشلة إلى ما شاء الله مالم يواجه حكامها حقيقة خداعهم لأنفسهم أو على الأقل الذين وثقوا بهم. العالم الذي ينبغي ان نسميه المتقدم بدلا من خداع انفسنا بوصفه  بالغربي؛ انتبه منذ زمن بعيد إلى قوة الديناميت الذي كان يعتقد أنها لن يستخدم في الحرب فصارت الأساس في الحروب كلها، ثم تطور الأمر إلى القوة الذرية فصار يجاهد بالسبل كلها حتى لا تكون أداة القادمة للحرب؛  لأن الدمار حينها سيشملهم بالتأكيد، ولا اعتقد انهم سيستخدمونه في حروبهم مهما حدث، ولكنهم سيعملون بالجد كله حتى لا يصل إلى أيدى أولئك الذين لم يتوقفوا عن خداع انفسهم.

الخوف يظل امرا مرعبا في ذاته ولكنه يكون بناء ومفيدا عندما ننظر إليه عمليا وبذكاء، فالخوف من الجهل هو ما يجعلنا نبني المدراس والخوف من المرض هو ما يجعلنا نبني المستشفيات، والخوف من تغول التطرف هو يدفعنا بالسبل كلها لتأسيس جيش. وحتى لا يتحول مجرد الخوف على ليبيا إلى ضياع كلي،  ينبغي  أن ننظر إلى وقعنا بجدية ومن دون أن نخدع أنفسنا. خصوصا من بعد قناعة صارت تفرض حقيقتها، وتلوح بجدية أننا لسنا قادرين على تأسيس دولة،  بسبب حجم التشظي في بلادنا وحجم التنظيمات  المؤد لجة، والمتطرفة أيضا، ناهيك أن البنية التحتية التي ورثناها من النظام السابق هشة خصوصا في جوانبها الإدارية والعسكرية.

نحن دولة ريعية، مترامية الأطراف، مختلفة الثقافات واللهجات، أما حجم العداء المنتشر ما بين مدن بعينها وجيرانها، الذي لم ننتبه إليه والذي كان مدفون في عهد القذافي كجمر تحت الرماد بات واضحا لنا. والتدخل الأجنبي بلغ مداه وانتشر الفساد والعسف والخطف والاغتيالات والتنكيل وصرنا كلما تفاقمت مشكلة اشرأبت أنظارنا خارج حدودنا.

سنة 1951 كانت أمور متشابهة ولكنها اقل بكثير مما هو قائم الأن، وكان الحل هو البدء بفيدرالية  ثم تتوحد  متى وصلنا شاطئ امان فالفكرة السياسية  خلاصتها ببساطة أن تجزئة المشكلة تساهم كثيرا في حلها، وهذا ما حدث بالفعل في بداية العهد الملكي، وهذا ما أراه حلا لمشكلتنا تفاديا للحيلولة دون تغول من استحوذوا على مقدرات البلاد وسوف يتخلصون من حِمل البقية المفلسة بالتقسيم، خصوصا وأن هناك أصوات تهدد بقتل كل من يريد أن يحمي بيته وأطفاله  بجيش واحد قوى.

ثورة 17 فبراير اركبتنا عربة سريعة في طريق خطر متعرج  وتولى عدد من السائقين السيئين، عجلة القيادة بيد، وباليد الأخرى يتسولون من يساعدهم إلى الوصول إلى أهدافهم سريعا وبأكبر قدر ممكن بمقدرات البلاد.

مشكلة الحصول على القوة ومغباتها قديمة وإساءة التصرف فيها قديمة قدم البشرية، بل تطورت أحيانا بالنوايا الطيبة، الديناميت؛ مثلما قلنا،  لم يكن بالدرجة للحرب وصار أساسها. والزعماء الذين اعتمدوا على القوة، اول من تضرر منها أبناء اوطانهم.  دمر هتلر بلدان اوربية وانتهى الأمر بدمار بلاده. أسماء قوية كثيرة اتجهت إلى القوة فدمرت بلدانها وانتهوا مجرد اسطر رديئة في التاريخ في حين الذين تركوا القوة جانبا واتجهوا للوفاق بين الاضداد صارت أسمائهم في شوارع الدنيا وتماثيلهم تزين الميادين.

كثيرون هم الذين عرفوا نقاط التداخل والتعارض بين أبناء الشعب الواحد فتمكنوا من تجنيب مواطنيهم ويلات الحرب. انتبهوا إلى العلاقات المتداخلة  بين سكان مدن الدولة الواحدة فإن سقط مواطن في الصابري برصاص قناص  اقام له اصهاره ليلة ذكر بجانب أهل ذلك القناص في مدينة ليبية بعيدة كانت أم قريبة. هذا التداخل هو ما يجب أن ينمى ويوثق ويدعم، اما اية مكاسب أخرى ومهما كان حجمها لا تخلق وطنا وإنما تخلق تشرذم وحقد.. ورعب يحوط بالمهزوم والمنتصر أيضا. ويشتعل حقدا يغلي ما بين الجماعات المتناحرة لدرجة يضيع معها الفكر الذي يحاربون من اجله ويصبح مجرد حقدا وتحايل ونفاق، يخنقهم ويلحق بهم أطفالهم  وينتهى الأمر بعودة حقيقية إلى ديكتاتورية  قوية إذ لم  يبقى للناس إلاّ تطلع ألاّ يصيب أطفالهم ما اصابهم.

ومهما بلغ بنا الحال  يجب أن نخاف وننزعج ولكن من دون ان يتسلط علينا اليأس والقنوط. ذلك كنا نريد وطنا، لا أن نلعب  بحرفي (الج) و(الخ) فاللعب بالحروف، كاللعب بالنار، خطير، سبق أن حرقت مطار كان دوليا وأمننا. و لا أظن أن (مفجرها)  يعلم أن حكماء الصين يقولون أن من يبتدئ مشاجرته بالضرب حجته واهية، وهو في نهاية المطاف خاسرا باي حال من الأحوال، خاسر لرزقه ورزق اطفاله، وأيضا لسمعته. فماذا تبقى له يورثه لأطفاله؟.

محمد عقيلة العمامي

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟