أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

الاحتجاج ضدّ الفساد في أوربا : خطر الظاهرة ويقظة الشّعوب

ملخص
تتغير جغرافيا الفساد بين المحلي والعالمي في لعبة القط والفار بين الدولة ولوبيات النهب والتحيل على القانون. لا عاصم من امر الظاهرة والفرق يبقى-فقط-  في النِّسب، وحسب استطاعة الدولة وارادتها في المقاومة وتطوير اساليب تفكيك منظومته. ولان الانسان هو الانسان، ظل الفساد جريمة في كل العصور وسلوكا غير شرعي .و تبقى اهم معضلاته   في مجابهة من يراقب الفساد ايضا . في رومانيا حيث تظاهر الالاف ضد شبهات الفاسد  او قرنسا التي اطاحت الانتخابات فيها بمرشحين طالتهم شبهاته، صارت نزاهة المترشح هي الفيصل بدل برنامجه الانتخابي، مما يعني ان السؤال الاخلاقي يفرض نفسه في الحكم والسياسة.و بين” لعبة الفساد المريحة” ويقظة الشعوب والدول يبقى الصراع قائما منعا للافساد الشامل.
مقدمة
يعتبر الفساد ظاهرة قديمة عرفتها البشرية على مرالعصور، ولقد كانت العامل  الأساسي في انهيار وسقوط  الحضارات والإمبراطوريات   والأنظمة ،ولازالت تحتل موقعا هاما في حيز اهتمامات المجتمع والدول نتيجة خاصيتها المتمردة على المكان والزمان حيث لا يقتصر وجودها على مجتمع أو دولة فلا يوجد على وجه البسيطة ذلك المجتمع الفاضل الذي يخلو من الفساد والمفسدين اذ تعيش الدول المتقدمة كما الدول النامية آفة الظاهرة بكل خطورتها وآثارها الاجرامية المضرة بالانسان والمؤسسة. يشكل الفساد بالنسبة لبعض المحللين السياسيين والقانونيين  ، الظاهرة – الجريمة ،المنتشرة في أنحاء العالم، وأصبح من الصعب حصره او مواجهته أو ردعه، بما يتمتع به من خاصيات تزيد من صعوبة الحصول على أدلة تثبت مسؤولية الجاني الجزائية في هذا النوع من الجرائم.  كما  تتجسد تلك الخصوصية في ذلك التنوع الكمي  لصور الفساد بين جرائم محلية وعابرة للحدود الوطنية، باعتبارها من الجرائم التي تتميز بشخص فاعلها الذي عادة ما يكون شخصا يملك صفة وظيفية معينة تخول له  التمتع  بدرجة رفيعة من النفوذ الإداري او السياسي ، تمكنه من  تحقيق فعل اجرامي ، يندرج ضمن السلوك الاجرامي  المخالف للقانون ،مقابل تحقيق نتيجة مادية تتمثل في  تقديمه خدمة ما لفائدة شخص طبيعي او شخص معنوي كان يستحيل على هذا الاخير الحصول عليها دون تدخل غير شرعي من ذلك الموظف .
سميت جرائم الفساد من خلال  صعوبة اثبات معالم الجريمة بعد وقوعها ، بجرائم الكتمان وهو ما ذهب اليه الكاتب بيار ابراموفيتشي في مقالته الشهيرة “لعبة الفساد المريحة ‘ حيث عبر عن قلقه من الطابع الصامت لهذه الجريمة ،  كما عبر مدير منظمة الشفافية الدولية عن الفساد العالمي لسنة 2016 عن أسفه من عدد القضايا المتعلقة بالفساد المسجلة حول العالم وخاصة منها حالات الفساد  في القطاع العام الذي يساهم في اضعاف دفاعات الدولة وجعلها حسب هذا التقرير أرضا خصبة لموجة من السياسيين الشعبويين وهم في الغالب من اصحاب الاموال مجهولة المصدر الذين يكسبون صيتهم السياسي بالاعتماد على الاشهار الاعلامي والمساهمات المالية في الاعمال الخيرية والتحكم في عالم المال والاعمال المتشعب،حيث اعلن التقرير ان  نسبة 69 في المائة من جملة 175 سجل فيها تواجد مرتفع لهذا الصنف من السياسيين باعتباره مؤشر مرتفع لنسبة الفساد في القطاع السياسي في انحاء العالم، لذلك  أكد خوسيه أوغاز،مدير المنظمة على أنه “في الكثير من الدول الناس محرومون من احتياجاتهم الأساسية الملحة ويذهبون إلى النوم جائعين كل ليلة نتيجة الفساد، فيما أصحاب السلطة والفاسدون يتمتعون بالحياة المترفة والحصانة”. وفي اطار استفحال ظاهرة الفساد في  الاونة الاخيرة، سجلت بعض الاحداث السياسية وجود شبهات  فساد حول بعض السياسيين ، أثارت الرأي العام الذي اتخذ الشارع مصدحا للتعبير عن رفضه لخطر الفساد وتربصه لمناصب سيادية خطيرة ، وانطلق صوت الوعي الشعبي في صراع مع مطامع السياسة المشحونة بنوايا خفية أريد لها التحقق دون موافقة الشعوب عبر صناديق الاقتراع الشرعية ، وكان لذلك التصادم بين صاحب السيادة وممثلها ، أثرا على الواقع المعاش والذي ولد اضطرابات اجتماعية غير معلومة النهاية وهو السبب الرئيسي لاندلاع الصراعات الاعلامية والتجمعات في بعض الدول الاوروبية على غرار دولة رومانيا وفرنسا.
1–   الازمة الرومانية وتطويع مؤسسات الدولة في خدمة الفساد
سجلت بعض الاحداث  الراهنة تصاعدا لنسق الاضطرابات الاجتماعية في بعض الدول الأوروبية والتي انطلقت مؤخرا مع دولة رومانيا من خلال ما شهدته الشوارع الرومانية من تجمهر ل500 ألف مواطن روماني في تظاهرة عارمة وغاضبة تسعى للاطاحة بالحكومة الحالية التي يترأسها سورييون جريديانو ، حيث عجز الشعب عن تقبل  مردودها الضعيف في التعاطي مع الشأن الداخلي فضلا عن شبهة الفساد التي لحقتها من خلال بعض الاتهامات التي وجهت إليها حول اعتمادها لسياسة المحاباة تجاه بعض السياسيين الفاسدين في الدولة. بدأت الأزمة الرومانية مع قيام الحكومة الحالية بإصدار أمر حكومي كان بمثابة الصدمة بالنسبة للرأي العام لما يتضمنه من جملة من القواعد تمنح فرصا ذهبية لبعض السياسيين في التفصي من شبهة الفساد ومن التتبعات القضائية التي قد تجرى في حقهم في حالة ثبوت الادانة ، هذا فضلا عن استصدارها لالية تعتمد هدف المصالحة مع السياسين الفاسدين الصادر في حقهم احكام  باتة ، وذلك بتمكينهم من حلول تسقط عنهم تلك العقوبات السجنية مقابل دفهم لمبالغ مالية محددة في نصوص هذا الامر. و بعد البحث عن دوافع الحكومة في تشريع أمر بمثل هذه الخطورة تبين لدى الرأي العام انصراف نيتها في مساعدة بعض السياسيين الذين ينتمون للحزب الاشتراكي الديمقراطي اي حزب الحكومة  الرومانية، يتقديم الحماية لبعض كوادر الحزب من أقطاب المال و الاعمال منهم ليفيو دراجنيا ، القيادي المتهم في قضية التوظيف الوهمي. .
استقر رأي الشعب الروماني على  ثبوت تهمة الفساد على هذه الحكومة المتولية حديثا ، والتي زادت من تعكير الاوضاع الداخلية المثقلة بملفات ذات اولوية، كملف الزيادة في الاجور، تعميم وسائل النقل وزيادة الدعم المالي للمنتفعين بقطاع التعليم العالي، وكان هذا الأمر الحكومي بمثابة كيل الحكومة الذي طفح منه الشعب ولم يعد يرى من وجودها أمرا مقبولا. وجدت هذه الحكومة في مهب ريح الفساد الحكومي، بعد جملة الاتهامات التي وجهت لها ، مكنت معارضيها من تجييش الشعب ميدانيا في الشوارع للتصدي لما يعرف بأزمة النزاهة ، بعد قطع شبه نهائي لحبل الثقة بينه وبين الجموع المتجمهرة ، والتيتجاوزت مطلب الغاء الامر و  أصبحت تنادي باستقالة الحكومة .وتجاوبا مع المستجدات الميدانية ،اعتمد رئيس الحكومة  اسلوب المناورات لتفادي هذه المواجهة المباشرة مع الرأي العام الروماني، ولكنه لم يستطع مواجهة مد الضغط والتكتلات التي تكونت  خاصة مع تولي رئيس الدولة موقفا متحيزا لمطالب الشعب عبر تعمده الضغط على الحكومة وتهديدها بامكانية اللجوء الى المحكمة الدستورية الرومانية للبت في مدى دستورية الامر الصادر، مما اضطر الحكومة الى تغيير رأيها وسحب القانون. وفي الأثناء ،حاول انصارالحزب الحاكم الرد على المعارضة بالتظاهر للحد من أهمية ضغط الشارع دون جدوى ، لتزيد من سوء الاحداث ، خاصة بعد تعرض الحكومة  لموجة انتقادات من طرف بعض الحكومات الاوروبية الاخرى على غرار المانيا وبعض الحلفاء غير الاوروبيين كالولايات المتحدة الامريكية تستهدف سوء تقدير حكومة “الحزب الاشتراكي الديمقراطي”  لتداعيات هذا الامر باعتباره مخالفا لجوهر اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد الصادرة في سبتمبر 2003، حيث جاء في المادة الخامسة منها و المتعلقة بسياسات وممارسات مكافحة الفساد الوقائية ما يلي : ” تقوم كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، بوضع وتنفيذ أو ترسيخ سياسات فعالة منسقة لمكافحة الفساد، تعزز مشاركة المجتمع وتجسد مبادئ سيادة القانون وحسن ادارة الشؤون والممتلكات العمومية والنـزاهة والشفافية والمساءلة.” واعتبرت في نفس السياق، أن خرق الحكومة الرومانية لهذه الاتفاقية الدولية أمرا غير مقبول خاصة وأن  رومانيا  صادقت على هذه الاتفاقية رسميا بتاريخ 4 نوفمبر 2004 وهو اجراء يلزمها بضرورة الالتزام بمقتضيات المعاهدة الدولية  وعدم تشريع قوانين تخالف بنودها. وهو ما جاء في تصريحات لبعض ممثلي الاتحاد الاروبي ، في شخص جان كلود يونكر رئيس المفوضية الاوروبية وفرانس تيمرمانس مفوض الاتحاد الاوروبي مؤكدين على أهمية دور الدول الاوروبية في تدعيم مكافحة الفساد مستنكرين لقانون يقيد هذه الآليات ، ولقد ذكر يونكر بالمعايير الاتحادية الملزمة لرومانيا باعتبارها من اهم شروط انخراطها في المنظومة الاتحادية منذ  2007  حيث تعهدت بمكافحة الفساد واصلاح الجهاز القضائي ،واكد رئيس المفوضية على اعتزام المفوضية تقييم موقف الحكومة الرومانية في معالجتها لملف الفساد .
2-    شبهات فساد حول مرشحين  في سباق قصر الاليزي
تشكل الوعي الشعبي الباحث عن حلول جذرية لمحاربة الفساد في المجتمع الاوروبي من خلال تحركات شعبية عرفها الشارع الفرنسي ، تزامنت مع  الانتخابات التمهيدية نحو الرئاسية ، حيث تقوم الاحزاب باختيار مرشحيها الاكثر شعبية والأوفر حظا  لدخول مضمار المنافسة الانتخابية ، من خلال مؤهلاته العلمية وخبرته السياسية و قيمة الدعم الشعبي. وفي هذا الاطار، عرفت الاحزاب اليمينية تميزا شعبيا من خلال استفادتها من الاحداث  الاخيرة التي عرفتها الدول الاوروبية والعربية، نتيجة وقوع اعتداءات ارهابية ، نسبت  فيها الجرائم الى أشخاص من اصول عربية ، مما ولد موجة من الاسلاموفوبيا الاجتماعية في  الأوساط المجتمعات  الغربية عموما. وعملت هذه الاحزاب تحديدا على ترسيخ تلك المخاوف  في بعض المناطق الشعبية المحافظة للتقاليد الفرنسية والهوية الوطنية المسيحية، ولقد نجحت في استقطاب ملايين الناخبين الداعمين لبرنامجها المناهض للمهاجرين وغيرها من الافكار التي تدعو الى مواجهة المد الاسلامي في المجتمعات الغربية والعمل على تحييد المراكز السياسية والامنية الكبرى فضلا عن تغيير اجراءات اللجوء والهجرة لفائدة هذه الاعراق والحد من اعدادها وتواجدها لما تمثله من خطر على امن الدول ، خاصة مع فشل اليسار الفرنسي في التعاطي مع الملف المذكور، وبذلك نصب اليمين  نفسه “مخلصا يسوعيا” للفرنسيين من براثن الارهاب. .
وفي خضم هذه التحضيرات والمنافسات السياسية ، توصل الاعلام الفرنسي إلى أسانيد تفيد دون أدنى شك تورط فعلي لبعض الشخصيات المترشحة من التيار اليميني في ملفات فساد، منها فرانسوا فيون مرشح حزب “الجمهوريون” المصنف ضمن اليمين المعتدل و مارين لوبان  مرشحة حزب “الجبهة الوطنية “، وهو الحزب اليميني الأكثر تطرفا في فرنسا.
ولقد تمحورت هذه الاتهامات، موضوع الجدل القائم في الساحة السياسية الفرنسية، اثناء التمهيد للانتخابات الرئاسية 2017،  حول تعمد فرانسوا فيون اهداره للمال العام من خلال اسناد وظائف وهمية لعدد من افراد اسرته حسب ما صرحت به وسائل الاعلام، والتي اجبرت السلط الق ضائية المعنية على فتح تحقيق قضائي فيالغرض . وفي رده على تساؤلات الاعلام الفرنسي عبر فرانسوا فيون ،عن تمسكه بمواصلة المنافسة الانتخابية في صورة  ثبوت تهمة الفساد في حقه، معتمدا على 4 ملايين و400 مائة ألف مواطن فرنسي، منحوه تواقيعهم ، وهو رقم كفيل حسب رأيه، بضمان وصوله إلى مراحل متقدمة في السباق الرئاسي وهو نفس الاتهام الذي وجه لمارين لوبان ، فقد عمدت هي الآخرى إلى توفير وظائف وهمية ،في البرلمان الاوروبي، لفائدة الحارس الشخصي السابق لوالدها وصديقتها المقربة، ، ولقد فتح المرصد الاوروبي لمكافحة التحيل ” OLAF”  تحقيقا في الغرض، اعتبرته السيدة مارين لوبان ممثلة اليسار المتطرف، محاولة لعرقلتها سياسيا عن طريق التشهير والادعاءات الكاذبة أثناء المرحلة التمهيدية للانتخابات الرئاسية باعتبارها احد المرشحين البارزين والقياديين اليمينيين النافذين في الساحة السياسية الفرنسية، ولقد اعتزمت تقديم شكاية في الغرض في المحاكم البلجيكية أين يقع مقر المرصد المذكور بعدما أنكرت كل تلك الافعال المنسوبة إليها ، ورفضت أن تدلي بأقوالها أمام تلك الهيئة الاتحادية.  اعتبر وابل الاتهامات وحملات التشويه التي طالت المرشحين الاكثر شهرة في التيار اليميني، مؤشرا لامكانية تراجع الناخبين عن انتخابهم والانصراف الى دعم ناخبين من توجهات ايديولوجية مختلفة.، ورغم تداعيات هذه الاحداث على موقف الناخبين واختياراتهم المستقبلية عند انطلاق الانتخابات الرسمية ، اعلنت بعض الشركات المتخصصة في سبر الآراء عن نتائج غير متوقعة، حيث اكدت الارقام التي اعلنت عنها شركة  IFPO الصادرة في جريدة لوموند الفرنسية .
خاتمة
لم تتوصل المواثيق الدولية والاقليمية ومعاهدات التوأمة في مجال مكافحة الجريمة، إلى تحقيق نتائج فعلية وتحولات جذرية في التصدي للجرائم الخطيرة كجرائم الفساد مثلا ، خاصة امام تزايد التهم الموجهة لعدد من الموظفين السامين وكبار السياسيين في العالم ، ولقد مثل التصدي  الشعبي لتغول جرائم الفساد الاداري والمالي وخاصة السياسي ، استجابة هامة لمطالب المرحلة التي تقتضي ضرورة ردع بارونات الجريمة التي تعمل على  بسط نفوذها في مؤسسات الدولة لتطويعها وفق اختياراتها ومصالحها الضيقة ، كما هو الحال في رومانيا من خلال محاولة حزب سياسي توجيه السياسة العامة للدولة لتحقيق مصالح حزبية ضيقة تقتضي بتوفير حصانة قانونية لبعض كوادره العليا  بتطويع الحكومة الموالية له ، ولقد استفاد الشعب الفرنسي من سابقة التجربة الرومانية التي تتسم بنسبة جادة من الخطورة ، لتحاول منع الفساد من الوصول إلى اعلى منصب دستوري على الاطلاق وهو كرسي الاليزي، من خلال  الكشف عن شبهات فساد احاطت بعض المرشحين لهذا الكرسي وهي بادرة مرحلية استباقية تدعمت بتظاهرات في شوارع المدن الفرنسية نددت بملفات الفساد التي لاحقت سياسيين  شاركوا  في منافسات الرئاسية الفرنسية و تمكنت من إسقاطهم في الانتخابات الاخيرة.
ليلى الهيشري

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟