أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

التنظيمات النقابية الليبية... الهدف والوسيلة

 

إبراهيم قويدر
المدير العام السابق لمنظمة العمل العربيه

في تاريخ التنظيمات السياسية والاجتماعية، لم تكن لدى ليبيا تجارب قوية راسخة في التنظيمات الحزبية إلا بعض المحاولات في فترة ما بعد الاحتلال والإدارة الأجنبية وقبل الاستقلال في طرابلس وبنغازي، ولكن لا أريد الخوض في تفاصيلها. والواضح أنه منذ بداية الاستقلال استطاع النظام الملكي الحد من ظاهرة الأحزاب بسهولة؛ لأنها كما أشرت لم يكن لها جذور داخل المجتمع الليبي البدوي القبلي إلا في عاصمتي التمدن الليبي- طرابلس وبنغازي. أما التنظيمات النقابية فكانت لها جذور وامتدادات أكثر من الأحزاب في ليبيا ولها قادة شجعان قاموا بدور كبير في العمل الاجتماعي النقابي الليبي.

وقد بدأت إرهاصات العمل النقابي الليبي عندما انتفض عمال الموانئ في طرابلس وبنغازي، مطالبين بمساواتهم مع العمالة الإيطالية في الرعاية التأمينية الصحية والاجتماعية وتحقق لهم ذلك، وتأسست أول اللجان النقابية الليبية إبان الاحتلال الإيطالي في بنغازي بقيادة المرحوم المناضل النقابي رجب النيهوم، والد الكاتب والفيلسوف الليبي المرحوم الصادق النيهوم. وفي طرابلس تأسس العمل النقابي بريادة المرحوم سالم شيتة ورفاقه من المناضلين النقابيين.

وبعد الاستقلال كان بروز التوحيد الكامل للحركة النقابية الليبية، وتزعُّمها حركة التوافق وإعادة تنظيم الحركة العمالية على مستوى البلاد، وتأسس الاتحاد العام لعمال ليبيا؛ ليتابع بعد ذلك تأسيس النقابات العمالية التخصصية والمهنية. وهنا يجب الإشارة- وبوضوح- إلى أن الحكومة الليبية في العهد الملكي لم تتدخل في الحركة النقابية العمالية وتركت لأعضائها تنظيم أنفسهم وتحقيق نقاباتهم وتأدية دورها في الدفاع عن منتسبيها، بل إن الاتحاد العام لعمال ليبيا والنقابات العمالية كان لهم دور وطني وقومي في كل الأحداث التي مرت بها البلاد والأمة العربية، وشاركت في العديد من التظاهرات الشعبية التي تطالب برحيل القواعد الأجنبية وإلغاء الوساطة والمحسوبية.

أما عن الحركة النقابية في فترة النظام الجماهيري، فبالرغم من أن النصوص الفلسفيه أعطت حقوقا كثيرة للعمال وحولتهم إلى شركاء ولكن كل هذا كان عبثًا فلم يصبحوا شركاء حقيقيين ولا منتجين نافعين، وضاعت حتي حقوقهم العمالية، فلم يتحصلوا على مميزات الشراكة ولا في الحقوق العمالية.

ومؤتمرهم العام الذي سمي المؤتمر العام للمنتجين كان لا يملك من أمره شيئا، حتى في أبسط الأمور، وهي اختيار أمانته، فكانت الأسماء تأتي بتوجيه، ثم حدث أن تم ضم كل النقابات والاتحادات والروابط المهنية تحت أمانة مؤتمر الشعب العام الذي يختار لها أمينًا عضوًا في الأمانة، ويتم تكليفه بتوجيه من القيادة ورفع أيدي أعضاء مؤتمر الشعب العام.

ويتبين لعشاق الجماهيرية أنه نظام بديع، فالنقابات والعمال والمهنيون موجودون في أمانة أعلي سلطة تشريعية بالبلاد، ولكن الحقيقة أنه عمل منظم للسيطرة علي الحركة النقابية العمالية؛ لأن قيادة النظام كانت تعلم قوة هذه الحركة وجذورها الاجتماعيه لو تركت لها حريتها.

والمعروف في جميع دول العالم أن الحركة النقابية العمالية حركة اجتماعية حرة مستقلة لا تتبع السلطة السيادية ولا التشريعية ولا التنفيذية، فهي حركة بتنظيماتها المختلفة هدفها الدفاع عن حقوق منتسبيها من العمال والمهنيين، وهي ضلع أساس من الأضلع الثلاثة التي تنظم الحوار الاجتماعي في أي بلد من بلدان العالم، وهم:

- العمال
- أصحاب الأعمال
- الحكومة

فالحكومة يمثلها في هذه الثلاثية وزراء العمل والاقتصاد والصناعة والنفط وغيرهم من الوزراء الذين يشرفون على مؤسسات الإنتاج والاستثمار، وكذلك الخدمات. وأصحاب الأعمال تمثلهم غرف التجارة والصناعة، ومجالس أو نقابات رجال الأعمال. والعمال تمثلهم اتحاداتهم العمالية ونقاباتهم المهنية بمختلف تخصصاتها.

وفي معظم الدول التي تحترم المواثيق الدولية في هذا الشأن يكون لهم مجلس اقتصادي واجتماعي يشرف على تنظيم برامج الحوار الاجتماعي بين فرقاء الإنتاج الثلاثة من حكومة وأصحاب عمال وعمال.

وهذا الحوار المنظم والذي يعقد بصفة دورية يخدم هدفين أساسيين: أولهما: الحد من المشاكل التي تعرقل الإنتاج، وبالتالي النظر فيها وفي مسببتاها قبل وقوعها. والهدف الثاني: تسوية النزعات التي تحدث بين أصحاب الأعمال والعمال أو بين الحكومة وبين أحدهما.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة العمالية ليست حركة سياسية سلطوية، بل هي حركة سياسية اجتماعية تخوض في الجانب السياسي في الأمور المتعلقة بها وبمنتسبيها، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي وزيادة الإنتاج.

وبعد هذا التقديم؛ فإنني أؤكد أننا نعيش الآن فراغًا نقابيًّا عماليًّا ومهنيًّا والدعوة هنا مهمة لكل القيادات المهنية والعمالية في كل نواحي البلاد بأن ينظموا ملتقى عاما لعمال ومهنيي ليبيا ليختاروا خلاله لجنة وطنية نقابية مهنية هدفها وضع النظام الأساسي للاتحادات والنقابات العمالية والمهنية والإشراف على إعادة تأسيسها وعقد اجتماعاتها وانتخاب قياداتها. وأتمني من كل من يشارك في هذه اللجنة بأن يتعهد بأن عمله تطوعي ولا يترشح في أي موقع نقابي.

وفي الختام، إذا توافقت القيادات النقابية الليبية علي ذلك أو على أي حل لإعادة إحياء العمل النقابي فإني اضع خبرتي وأقدم كل الاستشارات وأسهم في كل عمل من شأنه إعادة الحياة للعمل النقابي الليبي تطوعيا دون أي مقابل.

 

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟