أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

الطب في ليبيا… معطف أبيض في واقع مليء بالسواد

 

أحمد محمد/ طبيب وكاتب ليبي
اعتقد أن واحدة من أهم مشاكلنا في ليبيا هي قلة الصراحة مع النفس ومع الآخرين لا سيما في تقييم المشاكل والمعطيات المجتمعية التي تشكل واقعنا الذي نعيشه على مختلف الأصعدة، ومن هذا المنطلق فإن التقييم الصحيح للواقع يساعدنا بالتأكيد على حل مشاكلنا الشخصية ورسم صورة أفضل للمستقبل الشخصي الفردي في أقل تقدير.
لا شك في أن تجارب الناس كانت ولا زالت عاملا مهما في اكتساب الخبرة، والتعلم ، وحل المشاكل ، ولذلك فإن عدم الاكتراث بالتجارب السابقة يؤدي إلى إعادة الأخطاء وقلة نسبة التعلم وإعادة التجارب بشكل يهدد التحصيل الفردي والمجتمعي، وهذا شيء سيء بالتأكيد.
عندما أتذكر سنوات دراسة الطب البشري في جامعة بنغازي أتنقل بين عدد من المشاعر والأفكار، وربما يكون الأمر عائدا لطول سنوات دراسة الطب ، أو تغير ظروف الدولة خلال السنوات الماضية، ومن الممكن – وهذا الأمر هو الأقرب للواقع – أن يكون السبب راجعا لقلة الخبر وعدم اتضاح الصورة الحقيقية لهذه المهنة وظروفها قبل بداية سنوات الدراسة.
دراسة الطب أمر صعب في كل مكان، ولكن الأمور تختلف في دولتنا العزيزة ، فاالطالب هنا لا يواجه صعوبة المادة الدراسية فقط، ولكنه يواجه أيضا مشاكل البنية التحتية، وخلل النظام التعليمي وصعوبة الواقع العملي ما بعد التخرج، وكل هذه العوامل تساهم في نوعية إنتاج المؤسسات التعليمية في ليبيا التي تقوم عل تخريج أعداد كبيرة من الأطباء في كل عام دون الوصول إلى درجة الاكتفاء الذاتي أو الجودة المطلوبة ودون الوصول حتى إلى الدرجة السفلى من الرضا المجتمعي عن الخدمات المقدمة من هذا القطاع.
المشكلة لم تبدأ اليوم أو في السنوات القليلة الماضية، ولكنها نتاج أعوام طويلة من الفساد الإداري وعدم اتضاح الصورة الصحيحة أمام المجتمع إضافة إلى انعدام الرؤية السليمة لتصحيح مجريات الأمور الإدارية والعلمية والمجتمعية.
عندما كنا في السنة الرابعة في الثانوية الطبية، كنا نعتقد أن الواقع سيتغير عند الوصول إلى الجامعة وبعد التخرج، وكان كثير منا يحلم بأن الطريق العلمية والعملية ستكون مفتوحة أمام كل شيء لا سيما وأن السنوات الأخيرة قبل عام 2011 شهدت اهتماما جيدا بالمرافق الصحية من حيث توفير الأدوية والأطقم التمريضية وغير ذلك من الأمور.
ولكن ليست هذه هي الحقيقة ولا تقاس الأمور من هذا المنطلق، ففي الحقيقة كانت تواجهنا مشكلات أثناء الدراسة، تبدأ هذه المشكلات من عدم توفر المواصلات الجيدة للطلاب (وأنا هنا أتحدث عن مجمع الكليات الطبية في بنغازي) إضافة إلى كثرة أعداد الطلبة الدارسين في الكلية وهو الأمر الذي يؤثر على إمكانية الدراسة بشكل جيد، لا سيما مع الازدحام في المدرجات والمعامل وما يسببه ذلك من نقص في التحصيل العلمي.
قلة المناهج الواضحة واعتماد الطلبة على نصائح الطلاب الآخرين في اختيار المذكرات الدراسية التي ربما لا تكون مواكبة لآخر التطورات العلمية وغياب البرامج الخاصة برفع كفاءة الأطقم التدريسية وعدم توحيد المنهج الدراسي كل هذه الأمور كانت عائقا آخر يشكل هاجسا للطالب الذي يستثمر سنوات عمره الهامة طلبا للمستقبل الأفضل.
الأمر يصل أحيانا إلى ضرورة معرفة بعض النقاط التي يسأل عنها أساتذة معينون في الامتحانات الشفوية أو العملية، على الرغم من عدم صحتها أو عدم وجودها في المناهج المقررة، فقط لأن الأستاذ يكرر هذه المعلومة في محاضراته أو في التدريس السريري.
لا توجد أنظمة حقيقية داخل الجامعات الليبية لمعالجة مشاكل المراحل الدراسية أو متابعة الأوضاع النفسية والدراسية والمادية للطلبة ، وهذا أمر ضروري لتحقيق العائد الأكبر من الدراسة، وتقليص الخسائر المادية والخسائر على مستوى القوة البشرية العاملة التي تحدث أثناء الدراسة.
حتى بعد التغلب على هذه المشاكل أو التأقلم معها بحسب الواقع لا يكون الأمر سهلا، لأن المشاكل العملية تبدأ بعد إكمال السنوات الدراسية والدخول في مرحلة الامتياز (وهي فترة تدريب للطلاب الطب تمتد لسنة كاملة يجب اجتيازها قبل التخرج) خلال هذه السنة من المفترض أن تدفع الدولة منحة للطلاب مقدرة بـ450 دينارا هي الحد الأدنى للأجور، وفي الحقيقة هذه المكافأة مستحقة لأن فترة التدريب تعتبر فترة عمل بشكل أو بآخر (هذا في الوصيف القانوني للأمر طبعا) ولكن هذه المنحة لا تدفع.ويعني الأمر أنك تبلغ سن الـ 25 على الأقل دون أن تحصل على أي راتب، وهذا الأمر مجحف بالتأكيد.
أتذكر جيدا في عام 2013 قمنا بعدة وقفات احتجاجية للمطالبة بحقنا في مكافآت الامتياز، والأمر قوبل بعدم اهتمام على المستوى الرسمي، فكانت المسؤولية تقذف في جميع الاتجاهات للتملص من المسؤولية وعندما نصل إلى مسؤول ما في قطاع الصحة أو الجامعة يقوم بدوره بإلقاء المسؤولية على جهة أخرى.
وفي إحدى المرات طالبنا بحقنا في هذا المبلغ البسيط، أمام مقر وزارة الصحة في بنغازي إلا أننا استمعنا إلى محاضرة طويلة داخل المبنى وتعرضنا إلى الاستهزاء من أحد المسؤولين في الوزارة.
حتى بعد التخرج وإتمام فترة الامتياز يبلغ راتب الطبيب الليبي 723 دينارا فقط أي ما يعادل أقل من 100 دولار بسعر الصرف في السوق الموازية حاليا ، والمبلغ ليس منصفا حتى في ظل قيمة الدينار الليبي السابقة.
عندما تناقش هذه المواضيع مع بعض الناس تجد من يقدر الوضع وتجد بعض الناس يواجهونك بعبارات غريبة منها أن الطب غير جيد في ليبيا أو أن الطب عممل إنساني ويجب على العامل فيه ألا يبحث عن المكاسب المالية، وهذه الحجج في تقديري حجج غريبة غير واقعية، فالطبيب ليس راهبا، وليس متطوعا، وفي الحقيقة هو يؤدي عملا يستحق مقابله أجرا، ومن الحقوق الإنسانية لأي فرد أن يسعى للحصول على حياة كريمة لائقة، يحصل فيها على احتياجاته بالطرق القانونية المشروعة.
ومن الغريب أن هؤلاء ممن يتحدثون عن العمل الإنساني وعدم البحث عن المكاسب المادية، ليسوا متطوعين في جمعيات خيرية، وكثير منهم أثرياء ويبحثون لأنفسهم ولأبنائهم عن فرص لزيادة الدخل المادي وتوفير المصاريف – وهذا الأمر لا يعتبر إلا كيلا بأكثر من مكيالين – وليس الأمر غريبا في ظل غياب العدالة الحقيقية والوعي المجتمعي السليم.
الطبيب يفرض عليه عمله الحضور إلى المستشفى بحسب جدوله، وفي الحقيقة الأطباء هم الفئة الوحيدة تقريبا المعرضة لخطر الفصل في حالة تكرر الغياب عن العمل، والأطباء يؤدون عملهم لساعات طويلة أسبوعيا ويوميا وبعضهم يطلب منهم العمل طوال 24 ساعة متواصلة أسبوعيا، وهذا الجهد الجسدي والعقلي غير موجود في كثير من الأعمال الأخرى، ومن المفترض أن يحاسب المرء بعدالة بالنظر إلى المؤهل العلمي والمجهود المبذول والدخل الشهري، وهذا الأمر مرض للجميع في تقديري.
على كل حال، ليس الذنب في كل هذه الأخطاء على أجهزة الدولة فقط، فكثير من طلاب الطب يرتكبون كثيرا من الأخطاء أثناء الدراسة وبعد التخرج، ومن هذه الأخطاء التغيب عن المحاضرات الدراسية والتدريس السريري، إضافة إلى التأخر في دوام العمل بعد التخرج وإهمال أخلاقيات الطب والقوانين المهنية، وعدم إيجاد آلية للمحاسبة والتطوير ، وهذه الأمور ليست عامة ولكنها موجودة بكل تأكيد.
كما أن إرهاق كاهل الدولة بهذا العدد الكبير من الأطباء وطلبة الطب أمر غير منصف على المنظورين القريب والبعيد، لا سيما أن هذا الأمر يتم تلبية لرغبات المواطنين والطلبة وأولياء الأمور.
معالجة هذه المشاكل يجب أن تتم بالنظر إلى الأخطاء الإدارية والأخطاء المرتكبة من هذه الشريحة ومعرفة الأسباب والعوامل المؤثرة، والبحث عن الطرق الأسلم والأوفر حظا في تصحيح وضع القطاع الصحي، بداية من مراحل الدراسة الأولة ومرورا بكيفية اختيار التخصص الدراسي وانتهاءً برواتب والأطباء.
لأن استمرار تدهور الخدمات الطبية المقدمة للمواطن وانخفاض مستويات التدريب والتعليم المقدمة للأطباء، بالإضافة إلى السياسات الغريبة المتبعة في بعض المستشفيات إداريا بداية من المحاباة وانتهاء بعدم محاسبة المقصرين كل هذه الأشياء لا تبشر بخير طبعا.
كما أن انخفاض مرتبات الأطباء واستمرار تدفق أعداد أخرى من الخريجين الجدد بدون مراعاة حاجات سوق العمل الحقيقية بشكل علمي يدفع بالأطباء إلى البحث عن مصادر أخرى للدخل، كالبحث عن مناوبات في المناطق النائية أو العيادات الخاصة وهو ما يساهم أحيانا في التقصير في العمل الأساسي في القطاع العام.
وهذا الأمر يؤدي إلى تردي الخدمات الطبية مرة أخرى وتدني التدريب والخبرات، بما يكمل الحلقة المفرغة المتكررة، التي تتمازج مع حوادث الاعتداء المتكرر على الأطقم الصحية في المستشفيات التي تحول كثير منها إلى بقع أشبه بالأسواق الشعبية، وكل هذه لا تؤثر في الصورة الاجتماعية الخاطئة المرسومة للطبيب الذي يلبس المعطف الأبيض في الواقع الأقرب للسواد، للأسف.

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟