أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

حديث صريح حول المصالحة الوطنية..!؟

 

وردت الإشارة الى مادة "صلح" ومشتقاتها في القران الكريم مائة وثمانين مرة من بينها قول الله تعالى في الآية الاولى من سورة "الانفال": {يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا  ذات بينكم واطيعوا الله ورسوله ان كُنتُم مؤمنين}. ولم يكن ربط تقوى الله وإصلاح ذات البين بين المومنين بطاعة الله ورسوله الا لبيان ما للصلح من أهمية كبرى عند الله سبحانه وتعالى وعند رسوله. ولو نفذ المسلمون والمؤمنون هذا الامر الالهي عبر التاريخ الاسلامي الطويل لصلح امر المسلمين ولأمكن تجنب كل الكوارث التي شهدها ذلك التاريخ منذ انتقال الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الى الرفيق الأعلى والى يوم الناس هذا.

أردت بهذه المقدمة ان اثبت ان الصلح بين الناس واجب شرعي وفرض على المسلمين كافة. وان تجنب الصلح او عدم السعي اليه قد يعتبر مخالفة لامر الله ورسوله. وبالنسبة لموضوع الصلح والمصالحة في الحالة الليبية الراهنة فان هناك اسبابا ومقدمات لابد من اخذها بعين الاعتبار.

اول هذه الاسباب والمقدمات هو موضوع " الشرعية " التي يتحدث الجميع عنها بوعي او بدون وعي. لابد ان نعترف جميعا ان الشرعية الوحيدة والحقيقية في ليبيا هي شرعية دستور الاستقلال. ولكي يكون للشرعية معنى لابد للعودة لدستور الاستقلال الذي كان نافذا يوم ١٩٦٩/٨/٣١. هذه الشرعية تم الاعتداء عليها في فجر الاول من سبتمبر عام ١٩٦٩ اَي منذ مايقرب من ثمانية واربعين عاما حيث قام انقلاب عسكري لايعرف احد حتى الْيَوْمَ لا من قام به ولأ من كان وراءه. رغم ان ظاهر الأمور كان يشير الى ان مجموعة من صغار الرتب من الجيش الليبي هي التي نفذت ذلك الانقلاب وهي التي قامت باعتقال نائب الملك ولي العهد وأعضاء الحكومة القائمة والحكومات التي سبقتها وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب وكبار موظفي الدولة وكبار ضباط الجيش والشرطة وان كان المنطق والواقع الليبي في ذلك الوقت لا يسمحان لأحد بتصديق ذلك.!!

لم تعد في ليبيا إذن أية شرعية دستورية حقيقية منذ ذلك التاريخ والى يومنا هذا. فلا الانقلاب العسكري المذكور كان شرعيا ولا استطاعت انتفاضة ١٧ فبراير ٢٠١١ ان تعيد تلك الشرعية الأصلية الاولى. بل ان تلك الانتفاضة خلقت أوضاعا اكثر سوءا من الأوضاع التي خلفها الانقلاب العسكري بعد ما يقرب من اثنين واربعين عاما من الحكم العسكري وتسلط دكتاتور ظالم على رقاب الليبيين والليبيات. ومع ذلك لابد لنا من الاعتراف بان فترة الحكم العسكري السابقة لانتفاضة فبراير قد أوجدت ما يمكن تسميته بشرعية "الامر الواقع".!! رغم انها كانت ولا تزال شرعية باطلة رغم المظاهرات التي خرجت تؤيد الانقلابيين دون ان تعرف هويتهم او اهدافهم ، فقد فرض القدر والتاريخ والجغرافيا ان تنشأ في ظل ذلك النظام العسكري الفاسد والفاشل أربعة اجيال من الليبيين والليبيات تعرضوا لعمليات تجهيل متعمد للعقول وتزوير متعمد للتاريخ الوطني وللتربية الوطنية وتجريد متعمد من كل القيم الليبية الأصيلة التي عرفها آباؤنا وأجدادنا وتربى عليها معظم شبابنا ورجالنا ونسائنا قبل وبعد الانقلاب العسكري.

وهنا يبرز سؤال: ما مدى مسؤولية تلك الأجيال الأربعة عن الحروب والانقسامات وعن كافة الاعمال غير الشرعية وغير المقبولة التي تمت خلال تلك العقود الأربعة ولا زالت تتم وبصورة اكثر سوءا بعد انتفاضة فبراير.!؟

يمكننا تلخيص الحالة الليبية الراهنة على النحو التالي... يتكون المجتمع الليبي حاليا من الفئات الثلاثة التالية:

1- فئة الذين عاشوا فترة ليبيا الذهبية نسبيا حتى لا نكون مبالغين وعرفوا الحكم الرشيد في العهد الملكي الزاهر، حكم الدستور والقانون والأمن والنظام وحرمة القضاء وحرمة المساكن والأماكن العامة والاحترام والتقدير لجميع الناس ولم يعرفوا النهب ولا السلب ولا الخطف على الهوية ولا المليشيات ولا طوابير المصارف ولا قطع الطرق والبوابات الوهمية ولم يكن يخطر ببالهم ان تنهار العملة الوطنية حتى يتجاوز سعر الدولار عشرة دنانير او جنيهات ليبية بعد ان كان الجنيه الليبي تتجاوز قيمته في سوق العملات ثلاثة دولارات أمريكية.!! هذه الفئة الْيَوْمَ هي الأقل عددا بين الليبيين والليبيات  والأقل قدرة على التغيير بفعل العجز والشيخوخة فكلها من جيل العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي منهم من عاش أيضا فترة الاستعمار الايطالي ومنهم من ساهم في تأسيس الدولة الليبية الحديثة دولة الاستقلال  ولكنها الفئة الأكثر تأثرا واكثرمعاناة والما وشعورا بالمرارة وخيبة الأمل بين الليبيين والليبيات مما يحدث في الوطن.

2- فئة الأجيال التالية مواليد الأربعينات والخمسينات ومنهم فئة صغار الضباط الذين قيل لنا انهم قاموا بالانقلاب العسكري في اول سبتمبر ١٩٦٩. هذه الفئة هي التي استمتعت اكثر من غيرها من الليبيين والليبيات بما حققه النظام الملكي في ليبيا من نهضة كبرى في كل القطاعات تقريبا ثم شاءت الاقدار ان يكونوا هم الجيل الذي قضى على حلم الليبيين والليبيات في ألحرية والأمن والتنمية والاستقرار رغم ما أتاحه لهم النظام الملكي من فرص التعليم والحياة الكريمة ما لم تعرف مثله الأجيال  التي سبقهم. هذه الفئة الْيَوْمَ تمثل اكثر من ثلث الشعب الليبي. ومنها أيضا خرج اعوان النظام العسكري السابق ومريديه وسحرته أيضا. من هؤلاء من خدم النظام باعتباره هو النظام القائم في ليبيا دون ان ترتبط مصالحه بالضرورة بمصالح النظام ومنهم من سولت له نفسه ان يكون "ملكا اكثر من الملك". فبالغ في النفاق وتزيين الباطل لرأس النظام ابتغاء لمصالح مادية رخيصة ضاربا بمصلحة الوطن عرض الحائط. ومنهم من ارتكب ابشع الجرايم باسم "الثورة" والدفاع عنها ومنهم من ساهم في الفساد المالي والاداري للنظام السابق. وهولاء هم أسوأ اعوان ذلك النظام الفاسد مدنيين وعسكريين.

3- الفئة الثالثة هم مواليد أواخر الستينات و السبعينات وهي الفئة التي ولدت وعاشت وفقا لما كان يخطط له النظام السابق لهدم كل ما بناه اباء الاستقلال من القيم والمبادئ وهي الفئة التي أرغمت على الخضوع لبرنامج تخريبي بدءا من براعم وأشبال "الفاتح" الى تجييش المدارس والجامعات والمدن الى الانضمام للجان الثورية الى إجبارهم على حضور مدرجات "التثقيف الثوري" في المدرجات الخضراء الى إلزامهم بقراءة "الكتاب الأخضر" الى إلزامهم باغتيال مواطنيهم الليبيين بدم بارد وباسم "الثورة" في الداخل والخارج. هذه الفئة هي اخطر الفئات الثلاثة لانها تشكل النسبة الأكبر من عدد الليبيين والليبيات الْيَوْمَ. وقد يكون من بينها من يقوم الان بعمليات النهب والسلب والخطف والاغتصاب والقتل على الهوية.

ولكن يبقى الصلح وإصلاح ذات البين بين الليبيين والليبيات رغم كل ذلك مطلوب لان فيه طاعة لله سبحانه وتعالى وقد يكون فيه أيضا صلاح للعباد وللبلاد. وهنا لابد من وضع "خريطة طريق" كما يقال آليوم لهذا الإصلاح حتى يكون اصلاحا حقيقيا وناجعا.

• أولى خطوات الإصلاح ان نقوم بعملية فرز وطنية لعناصر النظام السابق. فالذين يثبت تورطهم في جرايم القتل والجرايم المخلة بالشرف وجرايم نهب او تبديد المال العام لابد من إخضاعهم للتحقيق القضائي النزيه اولا وترك امرهم للقضاء الليبي او الدولي العادل.

• ثاني خطوات الإصلاح هو عدم اعتبار كل من عمل في ذلك النظام سواء في الوظائف السيادية او الإدارية خائنا للوطن والشعب طالما انه لم يرتكب الجرايم المشار اليها سابقا. ويكون من حقهم كمواطنين ليبيين شغل الوظائف العامة في الدولة وممارسة كافة الحقوق السياسية للمواطن الليبي.

• ثالث خطوات الإصلاح هو إصدار قانون يسمح بازدواج الجنسية لليبيين والليبيات ما لم يتعارض ذلك مع قوانين الدول التي يحمل بعض الليبيين والليبيات جنسيتها الى جانب احتفاظهم بالجنسية الليبية.

• رابع خطوات الإصلاح هو ضرورة عودة جميع المهاجرين او المهجرين الليبيين والليبيات الى ارض الوطن واخضاع من يرى النائب العام إخضاعه للتحقيق منهم. والسماح للباقين بالعودة الى منازلهم و ممتلكاتهم.

• خامس خطوات الإصلاح هو عدم اعتقال او حجز اَي مواطن ليبي الا بقرار من السلطات القضائية المختصة وتحويل كل ملفات المعتقلين او المحجوزين الحاليين الٍى مكتب النائب العام والشرطة القضائية للنظر في اوضاعهم واتخاذ ما يلزم من. قرارات بشأنهم طبقا للقانون.

غير انه لا يمكن تنفيذ خريطة الطريق المذكورة الا اذا تمت الخطوات الضرورية الآتية:

1- اعادة بناء وتوحيد القوات المسلحة الليبية تحت قيادة عسكرية واحدة تابعة لوزارة الدفاع وتعمل تحت حكومة ليبية مدنية واحدة.

2- أعادة بناء وتوحيد قوات الشرطة والأمن العام تحت قيادة واحدة تابعة لوزارة الداخلية.

3- تشكيل حكومة ليبية واحدة قادرة على تنفيذ خريطة الطريق وتستطيع طلب العون الدولي لمساعدتها في ذلك.

4- اجراء انتخابات تشريعية خلال عام واحد لانتخاب مجلس للنواب ومجلس للشيوخ تكون من صلاحياتهما تعطيل وتجميد كل الاتفاقيات التفاهمات القائمة حاليا والنظر في اعادة العمل بدستور الاستقلال او تعديله في جو من التفاهم والوفاق بين الليبيين والليبيات.

5- اعلان حالة الطوارئ في كامل التراب الوطني لمدة محددة يتم خلالها جمع السلاح غير الشرعي من الأفراد   والمليشيات وإعادته الى مخازن الجيش والشرطةوتطهير البلاد من أية عناصر دخيلة أيا كانت جنسياتها.

6- تتخذ الحكومة الليبية الموحدة بالتعاون  مع المجتمع الدولي كافة الإجراءات اللازمة لإعادة الأمور في البلاد الى طبيعتها والبدء في اعادة الإعمار ورفع الحظر عن تزويد الجيش بالسلاح وتحرير الأموال الليبية المجمدة بقرارات دولية حتى يتمكن البنك المركزي الليبي من معالجة الأزمة المالية الحالية في البلاد.

نعلم انه بإمكاننا دائماً ان نكتب ونقول مانراه ولكن العبرة تبقى في مدى إمكانية التنفيذ.

اما بعد فهذا حديث صريح حول الإصلاح نضعه امام جميع اللاعبين في الساحة الوطنية الليبية لعله يحرك ما تبقى لدينا من الضمائر لإنقاذ الوطن العزيز من الوقوع فيما لا يحمد عقباه. اللهم ارنا الحق حقا ورزقنا اتباعه. وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. ولله الامر من قبل ومن بعد. وما اريد الا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله. هدانا الله واياكم الى سبيل الرشاد.

ابراهيم محمد الهنقاري

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟