أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

المبادرة التونسية و الجزائرية و المصرية أوجه التعثر وأسباب القصور

 

ليبيا: المبادرة التونسية الجزائرية المصرية، أوجه التعثّر و أسباب القصور


ملخّص

كان من المتوقّع أن تكون المبادرة الثلاثية التونسية الجزائرية المصرية صانعة للأحداث و محرّكة للمشهد الليبي بما يتجاوز حالة الانسداد السياسي و الانقسام والتشظي، إلا أن هذه المبادرة لم تدرك الأحداث المتسارعة التي كان الجنوب الليبي مسرحا لها في الأيام الأخيرة كما يبدو أن آلياتها و خارطة طريقها ليست محل اجماع و اتفاق بين أطرافها الثلاثة. و اذا استثنينا ما ورد في إعلان تونس من تمسّك بالحل السياسي و رفض للحل العسكري، فإن بقية النقاط من وسائل و  مراحل و خيارات لا تبدو واضحة، كما أن المعسكر الشرقي القريب من مصر لا يزال رافضا تقديم ما يكفي من تنازلات لتحريك سواكن الحوار كما يبدو أن القيادة المصريّة نفسها لم تدفع الأطراف القريبة منها بما يكفي حتى تنخرط بجدية في الحوار و المفاوضات على قاعدة المبادرة الثلاثية. ومع حدوث عكس ما كان متوقعا بانطلاق عمليات عسكرية في الجنوب الليبي، فإن المشهد برمّته يتجه نحو حالة من المواجهة الشاملة، مواجهة لن تخدم في حال وقوعها إلا الباحثين عن مزيد من الإرباك لا أولئك الساعين إلى تثبيت الاستقرار.


مقدّمة

أشاع الإعلان عن المبادرة الثلاثية التونسية الجزائرية المصريّة أملا في إمكانية حلّ الأزمة الليبية عبر الحوار السياسي، خاصة مع تأكيد الأطراف الراعية لهذه المبادرة على انطلاقها من نص الاتفاق السياسي واعتمادها على مخرجاته و مؤسساته القائمة وعلى ضرورة استبعاد أية حلول أو خيارات عسكرية. مع ذلك، فإن هذه المبادرة لم تتجاوز إلى حد الآن سقف المنجز الّذي حققته المساعي الأممية ما بعد توقيع اتفاق الصخيرات كما أن الحسابات الخاصة بكل طرف من أطراف المبادرة الثلاث ألقت بظلالها على جديّة تحركاتهم و فعاليتها إذ بقيت الأطراف الليبية الرافضة للحوار، و التي تعمد بين الحين و الآخر إلى التحرّك عسكريا على موقفها دون إبداء أية ليونة في موقفها أو مرونة في التعاطي مع دعوات الحوار و هو ما فتح الباب أمام  المشككين في قدرتها  على تقريب وجهات نظر الفرقاء الليبيين من بعضهم البعض.

1-   وجاهة الدواعي وقصور الآليات

يسبب تواصل الأزمة الليبية لدول الجوار صداعا متواصلا واستمرارا لإشكاليات داخلية مرتبطة بالانعكاسات الاقتصادية، لغياب الاستقرار في الداخل الليبي واستفحال اسباب اخرى  تتغذى من شظايا الفوضى في البلد.  وبالتأكيد فإن مجمل هذه الإشكاليات هو الّذي حفّز ثلاث دول هي تونس والجزائر ومصر على إطلاق المبادرة الثلاثية للحل في ليبيا، أسابيع قليلة قبل توقيع إعلان تونس بين وزراء خارجيّة الدول الثلاث. أعقب ذلك الإعلان عن قمة مرتقبة بين رؤساء هذه الدول مازال انعقادها في وضع الانتظار. ورغم أن دواعي هذه المبادرة الثلاثية بدت وجيهة، إلا أن الآليات التي من المفترض أن تعتمد عليها لتفتيت تكلّس العملية السياسية لم تبدُ كذلك، أو في أحسن الحالات لم يقع توضيحها أو شرحها على النحو الكافي. و من هنا لنا أن نتساءل عن قدرة دول الجوار الثلاث على إيجاد البدائل و الحلول الإبداعية التي فشلت الأمم المتحدة و الاتحاد الأوروبي و الاتحاد الافريقي و جامعة الدول العربية جميعهم في إيجادها. و لو انطلقنا من الفكرة القائلة بأن الحلقة المفقودة في الاتفاق السياسي كمشروع للحل ليست في نص الاتفاق نفسه بقدر ما تكمن في غياب استعداد جزءٍ من الفرقاء الليبيين للالتزام ببنوده و لتقديم التنازلات الضرورية لتجسيمه، فإن غياب آليات الضغط الناعمة لدى دول المبادرة على الأطراف التي تعطَل إتمام تنفيذ الاتفاق من المحتمل أن يؤدي بمبادرتهم إلى نفس حالة الجمود و الانسداد التي اصطدمت بها مساعي الأمم المتحدة.

2-   مناخات  غير مناسبة لاستئناف الحوار

إذا سلمنا باستحالة إيجاد وفاق حول نص الاتفاق السياسي بصيغته الحاليّة، وبأن جزءا من الموقعين عليه من ممثلي الجهة الشرقية قد رجعوا على أعقابهم بعد أن كانوا من مُوقّعي هذا الاتفاق، فإن المنطق يقتضي إطلاق الحوار من جديد بين الفريقين بُغية الوصول إلى توافقات أكثر متانة يجد فيها كلى الطرفين ضمانات مقنعة. لكن قبل الوصول إلى هذه المحطة وجب لزاما تهيئة مناخ هادئ و نقي يسمح باستكمال عمليّة الحوار، إلا أن المناخ العام في ليبيا و خاصة في الأشهر الأخيرة يبدو ملوثا جدا بدخان المواجهة. و إذا كان ممثلو المعسكر الغربي قد كبحوا جماح الكتائب و المجموعات التي تؤمن بالحلول العسكرية مرات كثيرة، فإن نظرائهم في الشرق قد أطلقوا لمجموعاتهم العنان لفعل كل ما بوسعهم أن يفعلوه من أعمال عسكرية لا تكل و لا تتوقف، من استعانة بالدعم العسكري الأجنبي و خاصة الاستعانة بالمرتزقة الذين استباحوا حدود ليبيا و أراضيها بشكل جلّي و فج.  في هذا المستوى من الأزمة كان يجدر بالنظام المصري الّذي هو أحد أطراف المبادرة الثلاثية أن يضغط على المعسكر الشرقي المقرّب منه حتى يكف يده عن العمل العسكري ذي الطابع التوسعي بما يسمح لأنصار الحوار و داعميه و أطرافه أن ينسجوا بين الخصوم بعضا من أواصر الثقة و الارتياح كأرضية لإطلاق عملية الحوار من جديد. لكن الطرف المصري يبدو متلكئا في القيام بهذه الخطوة أو ربما غير معني بها أصلا، إذ لم يتوقف خليفة حفتر منذ الإعلان عن هذه المبادرة عن التحرّك عسكريا على محاور مختلفة بل إن تحرّكاته و استفزازه المتواصل لقوات محسوبة على المنطقة الغربية آخذة في التصاعد.

3-   حفتر، اعتذار للجزائر  ويرفض لتونس

حاولت الجزائر قبل إطلاق المبادرة الثلاثية استمالة حفتر وتليين موقفه ودعته إلى زيارتها. فلما كانت الزيارة، اقترح عليه المسؤولون الجزائريون الجلوس إلى رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج و إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمان السويحلي و إلى مسؤولين آخرين لدفع عملية الحوار و لتذويب جبل الجليد بينه و بين القائمين على المؤسسات التي جاء بها الاتفاق. فكانت إجابة حفتر على هذا المقترح أن الوقت وقت حرب على الإرهاب و ليس وقت حوار. و مثلما كان خراج هذه المساعي الجزائرية سلبيا حاولت تونس من جهتها التواصل مع اللواء المتقاعد. فكان أن دعته لزيارتها وإلى  لقاء الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي فرفض حفتر تلبية الدعوة وفقا لما نقله موقع “ميدل إيست مونيتور”. و هو ما يعني أن الطرف الوحيد المتبقي بين أطراف المبادرة القادر على التواصل مع حفتر و فريقه هو النظام المصري. و هو أمر يبدو أنه لم يحصل بعد و يُخشى أنه لن يحصٌل مطلقا لأسباب كثيرة و وجيهة، إما بالنسبة للنظام المصري أو بالنسبة للواء المتقاعد. فالمبادرة الثلاثية إن كتب لها النجاح في إخراج الاتفاق السياسي من مأزقه ستهيئ الأرضية لمنظومة حكم تشاركية تجمع كل الأطراف و تفتح المجال نحو حياة سياسية ديمقراطية مدنية يحتكم فيها القادة و المسؤولون في السياسية أو في الجيش إلى صندوق الاقتراع، و هو مآل لا يبدو اللواء المتقاعد على استعداد للتخلي عن طموحاته الجامحة في حكم ليبيا في سبيله. كما أن النظام المصري يخشى بكل تأكيد زوال مشروع استمدّ و يستمدّ شرعيته مما قام به هو نفسه ذات جوان/حزيران من سنة 2013.

4-السرّاج  أسئلة تبحث عن اجوبة .

عقب سيطرتها عليهما أوائل مارس/آذار الماضي، سلّمت قوات سرايا الدفاع عن بنغازي مينائي “السّؤدرة” و”راس لانوف” إلى جهاز حرس المنشآت التابع لوزارة دفاع حكومة الوفاق الوطني بتعليمات من المجلس الرئاسي. فقام حفتر بعد أيام قليلة بالهجوم على الميناءين و السيطرة عليهما لصالحه من جديد، رغم أن حرس المنشئات هذا يعتبر جهة شرعية و خارج سياقات الخصومة و العداوة التي يناصبها حفتر لقوات سرايا الدفاع. و تعني هذه الخطوة على اقل تقدير أن حفتر لا يعترف بالمجلس الرئاسي و لا بالاتفاق السياسي، و هو أمر بدا غير مفهمومٍ لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السرّاج الّذي تجنّب في مناسبات كثيرة الاصطدام بحفتر، بل إنه ذهب حدّ الثناء عليه حين وصف في احدى كلماته عملية الكرامة التي قادها حفتر والتي يعتبرها معسكر فبراير انقلابا بالانتفاضة ضدّ الإرهاب. كما لم يسْهُ السرّاج عن وصف حفتر كل ما جاء على ذكره بقائد الجيش المعيّن من قبل البرلمان. في المقابل، يبدو أن السرّاج لم يَحُلّ أحجية اللواء المتقاعد بعد حين قال في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أنه إلى الآن يحاول أن يفهم ماالذي يريده الطّرف الآخر بالضبط. كان ذلك التصريح على هامش قمة عمان العربية الأخيرة، و شهرا و نصف بعد أن رفض خليفة حفتر لقاء السرّاج بوساطة مصرية رغم ذهاب الأخير إلى القاهرة خصيصا للقائه. حينئذ، لم يبق للسرّاج إلا صياغة تراكيب الأسف عقب فشل هذا اللقاء، في بيان أورد فيه رجل المجلس الرئاسي الأول عبارات لافتة، حين أشار إلى أن فرصة أخرى لرفع المعاناة عن الليبيين ضاعت بسبب أصحاب الرؤى الفردية والذوات المتضخّمة،  وفقا لما ورد في نص البيان. وهو ما يؤشّر إلى بلوغ العلاقة بين الرّجلين درجة متقدمة من الخلاف.

5-الجنوب الليبي ساحة حرب جديدة

عدم دعوة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح إلى القمة العربية الأخيرة ودعوة رئيس المجلس الرئاسي فائز السرّاج عوضا عنه إلى حضورأشغالها خلّف لدى المعسكر الشّرقي استياءً. إذْ فهم أنصار البرلمان و مؤيدو عملية الكرامة من هذه الخطوة أن المؤسسات الموجودة بالشرق، والتي طالما حازت على اعتراف و دعم الجامعة العربية و المجتمع الدولي، قد فقدت ما كان لها من حظوة و جزءا مما كان لها من شرعية. و أثَّرَ ذلك على توتر في العلاقة مع الجامعة العربية بيد أن التوتّر كلّه كان يحيط بالأوضاع في الجنوب الليبي. ففي الوقت الذي كان فيه أصحاب المبادرة الثلاثية يترقبون موقفا هنا أو إشارة هناك تنبئ بشيء من المرونة أو الإيجابية، قامت قوات حفتر بالهجوم على قاعدة “تمنهنت” في الجنوب الليبي و قصفها بالطائرات فيما بدا تصعيدا عسكريا كبيرا من حيث الحجم و الانعكاسات. و أدان المجلس الرئاسي الهجوم و أصدرت وزارة دفاعه أوامر بتدمير أية طائرات تقترب من “تمنهنت” قبل أن تعطي أوامر إضافية بالهجوم على قاعدة براك الشاطئ التي انطلقت منها طائرات حفتر و تدميرها.

تحرّك حفتر الأخير في الجنوب الليبي لم يكن مفاجئا على الإطلاق فاستفزازات اللواء محمد بن نايل الموالي لحفتر و المسيطر على قاعدة “برّاك الشاطئ” لم تتوقف في الأشهر الأخيرة. ولمّا لم تفلح محاولات استدراج القوة الثالثة المكلفة بحماية الجنوب إلى المواجهة عبر هذه الاستفزازات، جاء هجوم حفتر الواسع و تُحدّث هذه الخطوة بأن حفتر و من ورائه معسكر الكرامة ليس جادّا في المضي قدما في أي تسويات سياسية و غير معني بالمبادرات التي تأتي من هنا و هناك، إلا إذا كانت تصبّ في خدمة طموحاته الكبيرة. كما أن نصف نواب البرلمان الليبي تقريبا يدعمونه دون مواراة، شأنهم في ذلك شأن قيادات قبلية و مدنية و سياسية و خاصة من رموز نظام معمر القذافي الذين يتودد حفتر إلى البعض منهم من حين إلى آخر عبر تسميات أو تكليفات في مناصب مختلفة. هجوم حفتر غير مسبوق في منطقة الجنوب الليبي وإطلاق وزارة دفاع حكومة الوفاق لعمليّة غضب الصحراء لصد هذا الهجوم و توسُعُ رقعة المواجهات بشكل سريع لتشمل مناطق إضافية معطيات تعني كلها أن أول مواجهة شاملة بين قوات حكومة الوفاق و قوات حفتر قد بدأت و أن نّذر الحرب في الجنوب الليبي التي حذّر كثر من وقوعها قد أصبحت أمرا واقعا و في حين توجّه المجلس الرئاسي في ما يشبه دق ناقوس الخطر برسالة مفتوحة إلى المجتمع الدولي و جامعة الدول العربية و الاتحاد الافريقي و الأوروبي و منظمة التعاون الإسلامي لكف يد حفتر عن مزيد صب الزيت على نيران واقع متوتر. ويبدو الحديث عن التسويات التي من الممكن أن تحملها المبادرات و الوساطات أمرا أقل أهمية . حملت المبادرة التونسية الجزائرية المصرية حين الإعلان عنها أملا بقرب حل مأزق الاتفاق السياسي بما يعني الدخول بعد ذلك في الاستحقاقات الإجرائية لإنهاء حالة النزاع المسلّح و الانقسام السياسي و المؤسساتي بيد أن هذه المبادرة يعوز طرفاها التونسي و الجزائري الحظوة لدى المعسكر الشرقي. أما بالنسبة للطرف المصري الّذي يملك هذه الورقة فلا يبدو مستعدا للعبها أو لتوظيفها في اتجاه أي نوع من أنواع الضغط على حفتر. كما أن وجهات النظر التونسية و خاصة الجزائرية لا تبدو متقاربة مع تلك المصرية في ما يتعلّق بمستقبل العمليّة السياسية، و خاصة في ما يتعلّق بحجم و دور كل طرف من أطراف المشهد في ليبيا و  الأغلب على الظن أن هذه الخلافات هي التي عطّلت انعقاد قمة على مستوى رؤساء البلدان الثلاثة رغم ما كان مقررا من انعقادها أواخر مارس/آذار الماضي بيد أن الفشل المحتمل لهذه المبادرة يطرح انعكاسات مؤلمة على هذه البلدان و يطرح استئثار قوى أخرى متحفزة بهذا الملف و إدارته وفقا لمصالحها و خاصة وفق أطماعها.

خاتمة

إن حالة الاحتقان العسكري المتواصل بالجنوب الليبي والتصعيد الكلامي بين قيادات عسكرية تابعة لحفتر و أخرى تابعة لحكومة الوفاق بعد سقوط قتلى و جرحى من الطرفين ينبئ بذهاب فرقاء السياسية وراء فرقاء السلاّح في صراع يفتح الباب عريضا أمام جولة جديدة لن تكون أقل عنفا من سابقاتها. أما على صعيد المجهود الإقليمي و الدولي فتبدو المبادرة الثلاثية في حالة توقف إما بسبب التطورات الأخيرة أو بسبب حالة الانقسام في الرؤى بين الدول الثلاثة حول الكيفية المثلى للتعاطي مع هذا الملف. و يخشى إن طالت حالة الارتباك التي تتسم بها المبادرة الثلاثية أن يصيبها ما أصاب الاتفاق السياسي من انسداد و قصور.

خليل الكلاعي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟