أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

ايطاليا والمسالة الليبية

 

في الاسابيع الاخيرة فرضت ايطاليا نفسها كلاعب بات من الصعب تجاوزه عندما يتعلق الامر بمعاينة جهود حلحلة الازمة الليبية. السلطات الايطالية قامت بتعبئة قدرات ضخمة للتحكم في خيوط تحرك الازمة في مستعمرتها السابقة وتمكنت رغم التشكيك احيانا ومظاهر العداء احيانا اخرى من نسج روابط وعلاقات  مختلفة الطبيعة ومتفاوتة الاهمية، مع مختلف الاطرف الليبية.

لم تستعن ايطاليا بأدوات تحركها الرسمية في هذه المهمة فحسب، ولكن لجأت ايضا الى المنظمات غير الحكومية والهيئات الدينية مثل الفاتيكان والكنيسة ورعاياها المنتشرين في مؤسسات الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو  للتحقيق اهدافها بدقة وعناية. ففي بروكسل يحتل الدبلوماسيون الإيطاليون، وفي مقدمتهم الممثلة العليا للسياسة الخارجية الاوروبية فدريكا موغيريني، موقع الصدارة سواء في مؤسسات الاتحاد الاوروبي او في حالف الناتو ويقود الايطاليون مهمة (صوفيا) البحرية  للتحكم في الهجرة غير الشرعية كما يتبوءون (على غرار انطونيو تاياني رئيس البرلمان  وجاني بيتيلا زعيم الاشتراكيين الاوروبيين) مناصب حيوية تمكنهم من الاطلاع الحثيث على سير الاتصالات الدولية والإقليمية  الخاصة بالازمة الليبية وجعلها تحت تصرف روما. وكانت إيطاليا   نشطة جدا في المحافل الدولية منذ بداية العام  كما ركزت تحركاتها  على عناصر محددة ثنائية مع ليبيا بدات بتوقيع مذكرة التفاهم حول الهجرة بعناية وزير الداخلية ماركو مينيتي(راعي المصلحة في الجنوب) وتوجت بإعادة فتح السفارة الايطالية في طرابلس وعلى رأسها اهم دبلوماسي اطالي في منطقة المتوسط.

منذ ايام سافر الرئيس الايطالي سريجيو ماتاريلا الى موسكو للقاء بوتين ثم، ثم توجه رئيس الوزراء جينتيلوني الى واشنطن للقاء دونالد ترامب. وأخيرا تمكن وزير الخارجية انجلينو الفانو من جمع رئيس البرلمان، عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، عبد الرحمن السويحلي. يحق للدبلوماسية الايطالية ان تفخر في تحقيق ما اخفق الاتحاد الاوروبي ومصر والجزائر وروسيا والولايات المتحدة في تحقيقه.

غني عن القول اليوم ان المسالة الليبية باتت مسالة مركزية في ايطاليا الي دفعت تنازلات كبيرة للروس ولمصر وللاتحاد الاوروبي وأخير ا لواشنطن بان تتولى ادارة الازمة. في ليبيا نفسها وجدت ايطاليا مرتعا سهلا وتوجه نحوها  الزنتان ومصراتة والتبو والطوارق وأولاد سلميان وعلي القطراني وغيرهم كثيرون. امر لم يعد بإمكان الدول الاوروبية المنافسة لايطاليا وخاصة فرنسا وبريطانيا  التشكيك فيه.

ضلت ايطاليا الدولة الوحيدة التي راهنت بقوة على حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، وقدمت ايطاليا الدعم لقوات البنيان المرصوص وأجلت في نفس الوقت جرحى الجيش الوطني من بنغازي الى مستشفياتها. ولكن ايطاليا لم تقف عند هذا الحد فقد ذهب التنسيق الروسي الايطالي حول المحروقات الليبية اشواطا جدية وبعيدا عن الاضواء كما ان مشاركة مؤسسة (ايني) في استكشاف حقول الغاز المصرية في المتوسط ينبئ بتنسيق بين القاهرة وروما وقد لا يرضي بعض الاطراف.

وقالت ايطاليا ان المسلة الليبية هي مسالة تعود اليها دون غيرها وهو سر نجاحها النسبي حتى الان. وترديد هذا لا يعني ان التحركات الايطالية وإستراتيجيتها في ليبيا لا تشوبها شائبة. فايطاليا  تعاني من ارثها التاريخي المثقل في البلاد ولا تتمتع بثقل عسكري او اقتصادي  مدمر مثل المانيا او بريطانيا او فرنسا. كما ان اوضاع السياسة الداخلية اكثر من مربكة  ولكن حرصها على عدم اهدار موقعها المتقدم في السيطرة على الازمة الليبي جعل منها  منافسا عنيدا  لجميع شريكاتها كما ان خبرتها في التعامل مع الاطراف الليبية امر لا يمكن دحضه.

العقيد القذافي منذ رفع  العقوبات الدولية عليه تمكن من فهم هذه المعادلة وأقام علاقات حميمة في وقت سريع جدا مع رئيس المفوضية الاوروبية الاسبق رومانو برودي الذي لم يتردد في فتح ابواب مؤسسات الاتحاد الاوروبي امامه فيا اعتبر اكبر اختراق دبلوماسي للعقيد على الاطلاق وليكون اول رئيس عربي يخاطب الصحفيين والعالم  من داخل المفوضية الاوروبية. وفهم هذه المسالة مكن القذافي ايضا من نسج علاقات ثقة شخصية قوية مع رئيس وزراء ايطاليا السابق سليفيو برلسكوني وكانت نتيجتها  تكريس مزيد من الاستثمارات المتبادلة بين الطرفين واتفاقية سيادية  حول الامن والهجرة لم يجرا أي طرف التشكيك فيها.

تبدو ليبيا بحاجة الى عدة شركاء في آن واحد  وليس الى شريك واحد وهي القاعدة  السياسية الاولى في ممارسة  ادارة العلاقات الدولية. ومع قليل من الحكمة والرؤية الجيدة والتخطيط الطويل المدى يمكن لليبيا ان تستفيد بشكل كبير اذا ما توفرت الارادة الوطنية لساستها من التعاون مع ايطاليا التي في نهاية المطاف تعتبر جارا وشريكا بحكم التاريخ والجغرافيا.

القوى اليمنية في ايطاليا نفسها هي الاشد اهتماما بليبيا، بما فيها القوى المتطرفة والمحافظة حاليا، وهي تعارض التدخل العسري داخلها، ولكن ايطاليا بحاجة الى ضمان مصالحها والى سوق لمنتجاتها وهو امر طبيعي كما ان ليبيا بحاجة الى طي صفحة الحرب الاهلية والتوجه الى اعادة البناء والتعمير والتحكم في التقنية المتطورة والعلوم وتوفير ما يحتاجه مواطنوها من مقتنيات من حيث الاسعار والجودة.

لا يمكن لايطاليا ان تردٌ بأي حال من احوال على جميع مطالب واحتياجات الليبيين الذين قد يفضلون شركاء اكثر نزاهة واقل  تشبثا بمصالحهم الذاتية في البلاد. كما ان ليبيا بحاجة الى عدة شركاء وليس الى شريك واحد وبحاجة الى تقنيات قد لا يكون الايطاليون قادرين على توفيرها. ولكن  توظيف الاهتمام الايطالي بليبيا بذكاء وبعد ان تمكن الايطاليون بصبر من توفير منصة  تلاقي لليبيين على ارضهم  يعتبر عاملا ايجابيا وربما يفتح الباب لأمور تعود على الليبيين  جميعا بالمنفعة.

صنع الرفاهية وحماية الوطن والتعلم من تجارب الاخرين وإقامة علاقات جوار متقدمة مع اطراف معينة عناصر متشابكة ومرتبطة ببعضها البعض ويجب ان تكون العلاقة بالايطاليين بقدر ما يلتزمون به من نزاهة وأحادية وتجاوب فعلي مع اوليات بلد تعرض للعدوان وأنهكته الحرب الاهلية.

د. علي اوحيدة

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟