أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

صورة داعش في المؤشر العربي

صورة داعش في المؤشر العربي

رضوان زيادة

كاتب وباحث سوري، أستاذ في جامعة جورج واشنطن في واشنطن

 

عندما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام(داعش) في المنطقة العربية في العام 2013، كانت هناك أسئلة وشكوك كثيرة بين المواطنين العرب حول الغموض الذي رافق هذا الظهور المفاجئ والسريع في العراق وسورية، وكانت هناك نظريات مؤامرة عديدة بُنيت على ذلك.
ولكن، في الوقت نفسه، كان هناك نقاش ساخن أيضاً في الولايات المتحدةبشأن الدعم الاجتماعي للتنظيم المذكور بين العرب والمسلمين، حتى إن جماعات يمينية في أوروبا والولايات المتحدة نشرت قصصاً عديدة عن العلاقة بين الإسلام و"داعش"، وحاولت إقناع الرأي العام بأن "داعش" هو الوجه الفعلي والحقيقي للإسلام، من دون أن يكون لديها المعرفة أو حتى الرغبة في متابعة النقاش داخل المجتمعات الإسلامية بشأن كيفية خطف "داعش" الإسلام، وكيف أن جميع المؤسسات الإسلامية ذات المصداقية، وعلماء الدين المسلمين لم ينددوا بـ "داعش" فحسب، بل واعتبروه "تهديداً للإسلام نفسه".
الأسوأ أن صحافيين يمينيين عديدين حاولوا إقامة علاقة ضمنية دائمة بين أسوأ ممارسات "داعش" في معاملة النساء مع الإسلام، مثل العنف الجنسي المنظم ضد المرأة، والزواج القسري، وكذلك الإكراه الجنسي للأطفال، ومختلف أشكال العبودية الجنسية، كالاتجار بالبشر الذي يمارس في المناطق الخاضعة لسيطرة "داعش" في سورية والعراق. ومع إطالة أمد الصراع المسلح في سورية والعراق وليبيا واليمن، حاول "داعش" إيجاد جنة آمنة في هذه البلدان، وأصبحت صورة الإسلام الملوّن بأفعال "داعش" في هذه المناطق أشبه بالحقيقة لدى المواقع اليمينية، وأدى ذلك إلى زيادة الإسلاموفوبيا، وإلى زيادة حالات الخوف الهيستيري من الإسلام.
ولذلك كله، يبدو في غاية الأهمية إجراء استطلاع للرأي العام من العرب أنفسهم (المركز

العربي للبحوث ودراسات السياسات) لطرح الأسئلة المتعلقة بتنظيم داعش، ومدى تأييده بين العرب. وقد أجري المسح في 12 بلداً عربياً، موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان وفلسطين ولبنان والأردن والعراق والسعودية والكويت. واعتمد منهجية الدراسة الاستقصائية التي أجريت منذ عام 2012 على المقابلات الشخصية وجهاً لوجه مع 18،310 مستجيبين، يمثلون بلدانهم.
وقد طرحت أسئلة تتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية في وسائل الإعلام، ولتحديد مدى معرفة الرأي العام العربي بـ"داعش"، وما هي حجم المعلومات التي يكونها عنه، ومصادر هذه المعلومات، وكيف تتابع الأخبار عن تنظيم الدولة الإسلامية في الصحافة؛ وأظهرت النتائج أن "جميع مواطني المنطقة العربية عرفوا أو سمعوا عن داعش، أو لديهم مستوى من المعرفة به، مقارنة بأقل من 1٪ قالوا إنهم لم يعرفوا أو سمعوا عنه".
إذا قارنا ذلك باستطلاعات الرأي العام المماثلة في الولايات المتحدة، سنجد عدداً أقل من المواطنين الأميركيين على دراية تامة بما يعنيه "داعش"، على الرغم من مشاركة الحكومة الأميركية في الحرب ضد "داعش"، ليس فقط في سورية والعراق، ولكن في دول أخرى أيضاً، منها ليبيا واليمن، كما أجرت الولايات المتحدة ضربات جوية في الصومال وأفغانستان أيضاً ضد "داعش".
وتظهر نتائج المؤشر العربي أن الرأي العام العربي يكاد يكون مُجمعاً، أي ما يمثل 89٪ من المستطلعين، على رفض "داعش"، في حين أن 2٪ يقولون إن لديهم وجهة نظر إيجابية جداً، ولدى 3٪ موقف إيجابي إلى حد ما تجاهه. ولكن، إذا تحققنا من هذه الإيجابية، وحاولنا أن نفهم سببها، سوف نجد أن هذا الموقف بُني، في الغالب، على أنه مضاد للتدخل الغربي، بدلاً من تأييد "داعش" نفسه، وهذا يعني أن 2٪ هم ممن يرفضون التدخلات الدولية والضربات الأميركية ضد أهداف "داعش" في المنطقة، ويرون التنظيم المذكور كياناً متعارضاً ضد المشاركة الأميركية، بدلاً من أن يفضلوه وأعماله بحد ذاتها، فهذه النسبة تعبر عن "رأي سياسي أو موقف سياسي".
وبالانتقال إلى دعاية "داعش"، علينا أن نعرف أولاً كيف أن غالبية العرب يتابعون الأخبار عنه، 75٪ من الإنترنت، الإذاعة 4٪، والصحافة اليومية 4٪. وقد سجلت أعلى نسبة للمتابعة عبر الإنترنت في فلسطين 24٪ والكويت 23٪ وتونس 18٪ ومصر 15٪. وكان التلفزيون المنفذ الأكثر استخداماً للمتابعة من اللبنانيين 95٪ والعراق 88٪ والسعودية 82٪ والأردن 81٪.
تؤيد هذه التغييرات في وجهة نظر المستطلعين الحجة أن لدى 2٪ موقفاً إيجابياً من "داعش" أساساً نتيجة موقف سياسي يتعلق بتطورات الأحداث في العراق وسورية في ذلك الوقت، وسرعان ما تغير هذا الموقف من خلال تغيير التطورات في المنطقة، بالإضافة إلى مزيد من المعرفة بـ"داعش" وتحركاته وبنيته.
ومع تزايد مشاركة الولايات المتحدة في العراق وسورية، ومع تضاعف عدد القوات الأميركية على الأرض، وصلت الحالة في البلدين إلى مستوىً أشبه بالكارثة الإنسانية، ما يجعل الرأي

العام بشأن هذين البلدين، وأي شيء يتعلق بهما، صعباً للغاية، ومختلطاً بانطباع حاد ضد التدخلات الغربية، بدلاً من تحييد عامل "داعش" فقط. في سورية مثلاً، حيث وُجد "داعش" في العام 2013 نزح نحو نصف السكان. وقد فرّ نحو خمسة ملايين لاجئ إلى البلدان المجاورة كلاجئين. و7.6 ملايين مشرد داخلياً. ولا تزال سورية بسبب هذا العدد الكبير من اللاجئين والمشردين في قائمة البلدان التي يزداد فيها عدد ضحايا الاتجار بالبشر، ما يجعلها هشّة جداً في مواجهة أيديولوجية "داعش" الذي فتح معسكرات تدريب خاصة في سورية والعراق، حيث يتعلم الأطفال القتال والتدريب على استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة، ويدعونهم "الأشبال"، ويشجعونهم على تنفيذ هجمات انتحارية. ويمكن أن يفسر ذلك كله كيف ينجح "داعش" في تجنيد مزيدٍ من الشباب، على الرغم من كل الآراء السلبية لدى الرأي العام العربي، فقد استفاد "داعش" من حالة الحرب في نموها؛ وهذا ما نحتاج للتأكيد عليه.
وعن كيفية تصور الجمهور للإجراءات المتخذة للقضاء على "داعش" من المنطقة، نجد أن لدى الجمهور آراء خاصة بشأن التدابير التي يجب اتخاذها للقضاء على "داعش". وقال 17٪ من أفراد العينة إن هذا الإجراء هو تكثيف الجهود العسكرية في الحرب على التنظيم، في حين ذكر 14٪ أن دعم التحول الديمقراطي في الدول العربية هو المقياس الذي يجب اتخاذه للقضاء على الإرهاب و"داعش"، و14٪ إن حل القضية الفلسطينية هو أهم خطوة يجب اتخاذها لإنهاء الإرهاب. وأكد 12٪ أن إيجاد حل للأزمة السورية بما يتناسب مع تطلعات الشعب السوري هو أهم تدبير للقضاء على الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية. ويعتقد الرأي العام العربي عموماً أن مواجهة الإرهاب تعني اعتماد مجموعةٍ متكاملةٍ من التدابير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
وعلى النقيض من ذلك، لوحظ أن الرأي العام الأميركي ركز فقط على الخيارات العسكرية وسيلة فعالة لتنفيذ الحرب الأميركية على الإرهاب. ويفيد استطلاع غالوب بأن 79٪ من المواطنين الأميركيين بأغلبية ساحقة يفضلون فقط القوة أو الضربات أو الطرق المختلفة للعمل العسكري أفضل طريقة للتعامل مع "داعش" في الشرق الأوسط.
قدم لنا إذاً المؤشر العربي، وربما لأول مرة، بدقة قريبة جداً من الواقع، صورة "داعش" في المنطقة العربية، بما يفتح الباب سياسياً للاستفادة من هذه المعطيات، من أجل بناء السياسات الضرورية عليها.

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟