أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الإثنين 20 نوفمبر 2017.

السياسات الأمنية الأوروبية في منطقة الساحل

 

أصبحت دول الاتحاد الأوروبي بعد توقيع معاهدة ماستريخت عام 1992 وتطويرها بموجب معاهدة أمستردام عام 1997، قوة لا يستهان بها على صعيد العلاقات الدولية، كما أصبح الاتحاد يشكل قوة دولية صاعدة قادرة بما يملكه من مقومات أن يساهم في إعادة التوازن الإقليمي في منطقة الساحل.

لذلك، فإن أهمية السياسات الأمنية التي بدأ الاتحاد الأوروبي يعتمدها تجاه منطقة الساحل بعد انتهاء الحرب الباردة، تشكل بداية لمرحلة جديدة من إدارة العلاقات الدولية، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تأكيد وجوده على الصعيد العالمي: أمنيا وسياسيا، بهدف الوصول إلى مرتبة القوة الدولية المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة التوازن الدولي في واقع العلاقات الدولية.

فما هو التصور الأوروبي للتهديدات الأمنية في منطقة الساحل؟ وما هي السياسات الأمنية المتبعّة لاحتوائها؟

1- مقاربة الاتحاد الأوروبي للأمن والدفاع:

تم مراجعة السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في معاهدة أمستردام عام 1997، حيث خصّصت المواد من 11 إلى 28 للحديث عن أهداف السياسة الأمنية، آليات ووسائل تنفيذها (1)، كما تم تعيين الأمين العام السابق لحلف الشمال الأطلسي السيد خفيير سولانا مادريافا Francisco Javier Solana de Madariaga، ممثلا عاما للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، حيث أعطى دفعا هاما لتفعيل هذه السياسة، بعد ذلك تم إدراج ترتيبات جديدة على صعيد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في معاهدة نيس 2003. 

هذا ويقترن المفهوم الأوروبي للأمن بالمساعي الأوروبية لجعل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط منطقة سلام واستقرار دائمة، وذلك من خلال الانخراط المستمر في حوار سياسي وأمني بين شعوب ودول المنطقة. ويتسم المفهوم الأوروبي للأمن عموما بالتعقيد، حيث إن المتفحص لأدبيات الموضوع يمكنه ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي يعمل على (2) :

- للحد من الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا، لا سيما أن عدد المهاجرين الأجانب في الاتحاد الأوروبي قد وصل عام 2005 إلى 14 مليون، ويصل معدل الزيادة السنوي للمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين في أوروبا إلى حوالي 1.5 مليون مهاجر هدفهم الاستقرار والبحث عن حياة أفضل.

- محاربة الإرهاب، لا سيما أن أوروبا قد عانت وتعاني من نشاطات إرهابية، مثل تفجيرات مدريد ولندن.

- نزع أسلحة الدمار الشامل، خاصة وأن أوروبا قد عانت من حربين عالميتين مدمرتين.

- نشر المبادئ والقيم الأوروبية، خاصة ما يتعلق منها بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

- حل إشكالية الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية وفق قرارات الأمم المتحدة بالخصوص وخارطة الطريق، وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية لكي يعم الاستقرار والأمن حوض البحر الأبيض المتوسط.

- تفعيل سياسة الجوار الأوروبية مع الدول العربية-المتوسطية بشكل خاص، والدول العربية بشكل عام.

- استمرار الحوار على كافة الأصعدة الأمنية والسياسية.

- شمولية المفهوم الأوروبي للأمن، حيث إنه يمتد ليشمل الأمن السياسي، والاقتصادي، والمالي، والاجتماعي، والثقافي، وعليه يلاحظ أن إعلانات الشراكة الأوروبية المتوسطية ابتداء بإعلان برشلونة عام 1995 وانتهاء بإعلان دبلن عام 2004 تؤكد على وجود أبعاد أمنية مختلفة تعمل الدول الأوروبية على تحقيقها.

يتضح مما سبق، أن للاتحاد الأوروبي مفهوما محددا للأمن يأخذ في الحسبان تحديات النظام العالمي الجديد والعولمة وثورة المعلومات وغيرها من التطورات المحلية والإقليمية والعالمية. لكن يلاحظ أن المفهوم الأوروبي للأمن يعتبر إلى حد كبير مفهوما إجرائيا يعكس وجود إستراتيجية قابلة للتطبيق (3) .

ونشير إلى أن مؤتمر الأمن والتعاون المنعقد في هلسنكي يومي 7 و8 جويلية 1992 قد حدّد أبعاد الأمن الأوروبي في (4) :

1- البعد الاقتصادي:

حيث تمّ التأكيد على أهمية التنسيق و التعاون لرفع عملية التنمية الاقتصادية في الدول الأوروبية التي تمر بمرحلة التحول الاقتصادي وإدماج اقتصادياتها الجديدة في النظام الاقتصادي الأوروبي عن طريق الاستمرار في البحث عن سبل استثمار الموارد الإنسانية والعناية بعنصري التعليم والتدريب وفنون الإدارة في محاولة لمواجهة التحديات التي تنشأ عن عملية التحول الاقتصادي لآليات السوق.

وانطلاقا من مفهوم ارتباط الأمن الأوروبي بالأمن الدولي، والاعتراف بأهمية التعاون الدولي في المجال الأمني، ومحاولة إدماج المناطق المجاورة في حوار مستمر مع مؤتمر الأمن والتعاون وخاصة ذات الجوار اللصيق مثل منطقة حوض البحر المتوسط، أقر المؤتمر في وثيقة هلسنكي فكرة توسيع التعاون والحوار بين دول مؤتمر الأمن والتعاون والدول غير الأعضاء بحوض المتوسط، لتوطيد التعاون بجوانبه المختلفة، للدفع بعملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتأمين الاستقرار في البحر المتوسط، بهدف الإقلال من فجوة التنمية بين منطقتي أوروبا والبحر المتوسط، وتوجيه مزيد من الاهتمام للأبعاد التنفيذية لسبل التعاون الأمني في المجالات الاقتصادية لتأمين الاستقرار.

2- البعد السياسي:

الذي يستدعي توفير الدراسات اللازمة التي تسمح بالتنبؤ المبكر لمناطق التوتر بهدف منع نشوب النزاعات المسلحة، و دراسة الجوانب التطبيقية لمختلف المبادرات الخاصة بالحدّ من التسلح و نزع السلاح وإجراءات بناء الثقة في إطار "الاتحاد الأوروبي"، وهذا معناه الاهتمام بالجانب الوقائي في هذا المجال انطلاقا من تقوية التشاور فيما بين دول الاتحاد.

3- البعد الإنساني:

من خلال تطوير الأطر العلمية الهادفة إلى تحقيق الأهداف المتعلقة بالجوانب الإنسانية، والتي تشمل نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان (5) ومتابعة احترامها وكذلك توافق المؤسسات الديمقراطية والمفهوم الأكثر شمولية للأمن كما تم إقراره في قمة هلسنكي، حيث نصت الوثيقة على أن مثل المشاكل العرقية والعنصرية، لم تعد تمثل انشغالا للدولة الوطنية فقط، وإنما يمتد الاهتمام بها إطار أكثر شمولا يتمثل في  مؤتمر الأمن والتعاون.

وفي إطار الاهتمام بالبعد الإنساني لمهام مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، أسفرت القمة عن إضافة هيكلية لدراسة إدارة الأزمات سلميا وتطوير الطرق السياسية المتبعة في هذا المجال من خلال إنشاء منتدى التعاون الأمني، حيث تتمثل أهداف هذا المنتدى في توجيه الاهتمام للبعد السياسي للأمن الأوروبي عن طريق توفير الدراسات اللازمة التي تسمح بالتنبؤ المبكر بمناطق التوتر بهدف منع النزاعات المسلحة ودراسة النواحي التطبيقية والجوانب التنفيذية لمختلف المبادرات الخاصة بالحد من التسلح ونزع السلاح وإجراءات بناء الثقة في إطار البناء الأوروبي الجديد.

4- البعد الدفاعي العسكري:

والذي ظهرت ضرورة مناقشته وبحث سبل تحقيقه مع تفاقم النزاعات المسلحة التي تبعت انهيار المعسكر الاشتراكي  وما لحقها من تحول سياسيّ في أوروبا الشرقية، مما استوجب العمل الجاد من أجل ضمان تنسيق قوي بين دول "الاتحاد الأوروبي" في المجال الدفاعي للوصول إلى إقامة دفاع مشترك (6).

هذا ونصت معاهدة ماستريخت على إعطاء الاتحاد الأوروبي سياسة مشتركة في مادة الأمن و الدفاع التي لخصت إجمالا المسائل المتصلة بأمنه، كما أنها حددت التعريف التدريجي للسياسة الدفاعية المشتركة، أي أن السياسة الأوروبية للدفاع تشكل جزء من السياسة الأوروبية الأمنية المشتركة، و هي بدورها ستقود إلى دفاع مشترك في حالة ما إذا قرّر المجلس الأوروبي ذلك واستجابة للقرارات المصادق عليها من طرف الدول الأعضاء  (7).

 زيادة على ذلك فقد أكدت المعاهدة على الطبيعة الاستقلالية للسياسة الأوروبية للأمن والدفاع التي لا تتأثر بالخاصية النوعية للسياسة الأمنية و الدفاعية الخاصة بالدول الأعضاء، غير أنها موافقة للسياسة الدفاعية في إطار حلف شمال الأطلسي.

لذلك فإن إعطاء أي مفهوم للسياسة الأوروبية للأمن والدفاع من الجانب الوظيفي يقتضي  أن تستوجب هذه السياسة إنشاء جهاز عسكري عملياتي فعّال يسمح لأوروبا أن تلعب دورا فعّالا  في تسيير المسائل الأمنية والدفاعية سواء على الصعيد الإقليمي الأوروبي أو الدولي، و يكون هدف هذا الجهاز هو حماية المصالح الرئيسية للسياسة الخارجية "للإتحاد الأوروبي" والتوفيق بين الإجراءات السياسية الدبلوماسية والعسكرية في المحيط الإقليمي والدولي من جهة والمصالح الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي من جهة أخرى (8) .

هذا ويحدد الجزء الخامس من معاهدة ماستريخت أغراض وأهداف السياسة الخارجية والأمنية المشتركة وهي (9) :

- صيانة القيم المشتركة والمصالح الأساسية للاتحاد الأوروبي.

- صيانة استقلال الاتحاد، ووجوب الدفاع عنه وعن حدوده الخارجية بوجه أي اعتداء محتمل.

- ضرورة الدفاع عن أمن الاتحاد والدول الأعضاء، وهو مبدأ يكمل سالفه، إذ له مفهوم واسع النطاق، له بعد دفاعي – خارجي وأمني- داخلي في آن واحد.

- حفظ الأمن والسلم الدوليين، وهنا يتقيد نص ماستريخت بثلاث نصوص دولية وهي: ميثاق الأمم المتحدة، واتفاق هلسنكي، وميثاق باريس، وهذا يعني أنه يجب على مبادرة الاتحاد الأوروبي في الأزمات الدولية أن تتقيد بمبادئ هذا الميثاق، وأن تتأثر بالمسار الذي تتخذه تفاسيره المتعاقبة (10) .

- تعزيز التعاون الدولي، حيث قضى تقرير لشبونة (جوان 1992)  (11) بإعطاء الأولوية للجوار القريب، أي لأوروبا الوسطى والشرقية والجوار المتوسطي.

- تعزيز الديمقراطية ودولة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات.

عموما يمكن القول أن السياسة الأوروبية الأمنية والدفاعية تهدف إلى تحقيق مفهوم "الأمن الصلب" للإتحاد الأوروبي من خلال البحـث عن أمن أوروبي شامل ودائم ومستمر، يتضمن مجموعة من النقاط يجب أن يجسدها الإتحاد والتي تتمحور كلها حول مفهوم "الأمن الصلب" وهي (12) :

- تحقيق أمن منظم يستجيب للمشكلات السريعة.

- تحقيق أمن يمنح الاستقرار للفرد و كلية حقوقه غير القابلة للتجزئة.

- الوصول إلى أمن جماعي لا فردي مركز داخل الإتحاد الأوروبي.

- ضمان أمن دائم بالرغم من وجود أزمات، انطلاقا من الوقاية من الأزمات و إدارتها والعودة بعدها إلى السلم.

- تحقيق أمن غير تقليدي لا يقف عند المستوى العسكري فقط مما يقتضي التفكير في آليات وطرق جديدة لتحقيقه.

- إقامة أمن يقوم على قاعدة جماعية والـذي يُعرِّف اهتمــامات أوروبا وقيمها.

-تحقيق أمن يجيب على استفهامات الأمن ليس فقط الأمن الفردي الآني بل على الأقل الجيلين اللاحقين مستقبلا.

- الأمن الذي يتجاوز دافع الضرورة نحو الإرادة، أي لماذا السعي إلى تحقيق الأمن وفي أي مجال؟ و بأي آليات يتم ذلك؟

- الأمن الذي يأخذ على عاتقه العلاقة مع الجيران في حوار دائم و بطبيعة الحال حتى الفواعل المهدّدة.

-الأمن الذي يأخذ بعين الاعتبار انشغالات المواطن الأوروبي واهتماماته.

 من خلال هذا فإن السياسة الدفاعية للإتحاد الأوروبي لا تقتضي الدفاع عن الإقليم فحسب، بل تتعدى ذلك لتصبح مسعى شاملا يمس كل ما يتعلق  بالمجال الأمني ومختلف مظاهر التهديد و المخاطر وعناصر التعرض.

 إضافة إلى هذا فإن ظهور التهديدات اللاتناظرية (كالإرهاب، والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة) وتراجع مفهوم الخطر المباشر أو الخطر الماثل بالصورة التقليدية للعدو، زاد من أهمية و ضرورة إعادة النظر في السياسة الدفاعية للإتحاد الأوروبي التي أصبحت تركز على الأمن بالمفهوم الشامل، هذا كما بينته معاهدة "أمستردام" التي أكدت على أن السياسة الأوروبية للأمن و الدفاع تشمل كل المسائل المتعلقة بأمن الإتحاد بما فيها المفهوم المتطور للدفاع المشترك.

إذن يعتمد الإتحاد الأوروبي لحل الأزمات أو التدخل في أي نقطة من نقاط التوتر على سياسة أوروبية مشتركة في الأمن والدفاع وهذا بتوفير مجموعة وسائل مدنية وعسكرية لإدارة الأزمات، هذه السياسة تهدف إلى جعل أوروبا على  أهبة الاستعداد لنشر ستين ألف جندي في أجل لا يتعدى ستّين يوما ومتابعتهم لمدة سنة (13) .

 كما تستدعي إقامة سياسة أوروبية عملياتية للأمن والدفاع أيضا طرح مجموعة من التساؤلات تخص حجم القوات اللازمة و نوعها و تحديد الموارد البشرية التي تحتاجها و سبل توفيرها، وكذلك كيفية تنظيم هذه القوات و صيّغ استعمالها، وغيرها من التساؤلات التي تحتم على "الإتحاد الأوروبي" إيجاد إجابات لها عبر مختلف مستويات أخذ القرار السياسي أو الاستراتيجي أو العسكري، العملي (14) :

- فعلى المستوى السياسي لابد من تحقيق أقصى حد من التنسيق بين السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية لدول "الاتحاد الأوروبي" من أجل الوصول إلى سياسة موحدة في هذه المجالات.

- أما على المستوى الاستراتيجي فوجود دفاع أوروبي مشترك ذو سياسة مشتركة يستدعي توحيد الأهداف الاستراتيجية لدول "الإتحاد الأوروبي" من أجل تحديد الهدف الاستراتيجي المشترك فيما بينها ككتلة موحدة (15) .

- وعلى المستوى العسكري فلابد من وجود قدر من التناسق و التنسيق بين دول "الاتحاد الأوروبي" خلال القيام بالعمليات العسكرية سواء أثناء التخطيط  أو تحديد حجم القوات ونوعها، وكذا ميزانية دفاع موحدة و صناعة عسكرية قوية ومشتركة توفر لهذه القوات أسلحة وعتاد عسكري متطور ومتنوع  لتعمل باستقلالية تامة، كما يفيد أيضا توفر شبكة معلوماتية متطورة تربط كافة الأقاليم الجغرافية التي لها علاقة بالأمن الأوروبي.

زيادة على ذلك فإن وجود سياسة أوروبية للأمن و الدفاع يعني وجود إطار مؤسساتي وإطار قانوني ينسق بين المستويات السابقة ويضمن تحقيق التوازن المطلوب بينها، كما يعني ذلك أيضا وجود قوات عسكرية برية وجوية و بحرية  وبقدرات عسكرية واستراتيجية هائلة، فبالنسبة للقوات -قوات شاملة- من حيث الكم فإن المساهمات التطوعية لبناء آلة عسكرية أوروبية من طرف الدول الأعضاء تتألف من احتياط أكثر من مئة ألف 000.100 جندي وحوالي أربعمائة 400 طائرة حربية ومائة 100 سفينة حربية (16) .

2- التصور الأوروبي للتهديدات الأمنية في منطقة الساحل :

في دراسة للرؤية الأمنية الأوربية في علاقتها مع دول جنوب المتوسط عموما ومنطقة الساحل بصفة خاصة، يشير الباحث إدوارد مورتيمير Edward Mortimer إلى أنه مع انتهاء الحرب الباردة تغيرت الرؤية الأمنية للدول الأوربية وصارت ترتبط بموقع كل دولة، ففي وسط وشمال القارة ينظر إلى الفوضى الناشئة عن انهيار الاتحاد السوفياتي على أساس أنها المصدر الأول لتهديد الأمن الأوربي، بينما النظرة الغالبة في غرب وجنوب القارة أن التهديد يأتي أساسا من جنوب المتوسط، ويوضح الباحث أن التهديدات القادمة من الجنوب لها جذورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولذلك لا تكفي القوة العسكرية وحدها لضمان الأمن الأوربي، ومن ثم يجب وضع سياسة شاملة تتضمن كل هذه الجوانب، وهذا يعكس التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن بعد الحرب الباردة (17).

إلا أن أحداث 11 سبتمبر تركت تأثيراتها الواضحة على الرؤية الأوروبية لطبيعة ومصادر التهديد الجديدة للأمن الأوروبي وكذا إلى الآليات الواجب إتباعها لمكافحتها، حيث قدم خافيير سولانا Javier Solana الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية تقريرا مفصلا عنون بـ "أوروبا آمنة في عالم أفضل" (18) والذي تمت ناقشه المجلس الأوروبي في ديسمبر 2003، جاء فيه أن التهديدات التي تواجه الاتحاد الأوروبي تتلخص في كل من: الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل والنزاعات الإقليمية والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.

ومن ناحية أخرى حدّد هذا التقرير طرق مكافحة هذه التهديدات حيث ركز على التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب وفق مقاربة أمنية-عسكرية، وكذا بناء الأمن الجواري عبر تفعيل التعاون العسكري مع الجوار الأوروبي خاصة دول جنوب المتوسط.

وتعتبر منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء فضاء خصب للجريمة المنظمة العابرة للحدود بكل أنواعها: كالمخدرات، الهجرة السرية،الجريمة الالكترونية أو الرقمية، غسل الأموال التهريب (سجائر- البنزين- المواد الغذائية- الأسلحة)... الأمر الذي جعل المنطقة مصدرا لتهديدات أمنية إقليمية ودولية خطيرة.

1- الإرهاب الدولي:

لا يكاد يوجد إجماع فيما بين الباحثين والمختصين على تعريف محدد واضح ودقيق للإرهاب، حتى أن البعض منهم أصبح يعارض أصلا محاولة التعرض لتعريفه، باعتبار الإرهاب ظاهرة جد غامضة ومتداخلة إلى حد بعيد، مع ظواهر إجرامية أخرى، على حد تعبير أحد الباحثين: "إني لن أحاول تعريف الإرهاب، لأنني أعتقد أن مناقشة التعريف لن تحقق تقدما في دراسة المشكلة التي نتعامل معها" (19) .

مهما يكن الأمر يمكن القول بأن الإرهاب هو كل استخدام أو التهديد باستخدام للعنف الغير مشروع والقسري، من طرف فرد أو مجموعة من الأفراد أو الدولة عبر مختلف أجهزتها، بغرض بث الشعور بالخوف و اللاّأمن، والموجه ضد أطراف أخرى داخلية أو خارجية (فرد أو مجموعة أفراد أو دولة) لتحقيق أهداف سياسية معينة. ويتصف هذا الفعل بالطابع الرمزي أي انه يحمل رسالة ما إلى كافة الضحايا الآخرين المحتملين ليبث الرعب في نفوسهم، وقد يكون الإرهاب قطريا أي داخل القطر أو الدولة الواحدة، أو عبر دوليا بالمعنى الشمولي. 

وقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقلة نوعية في نمط الإرهاب الدولي، خاصة من حيث دلالتها على الاتجاه التصاعدي في مجال وحجم العمليات الإرهابية والآثار التدميرية الناجمة عنها، كما تكمن الخطورة في هذا التهديد في اتصاله بشبكات إلكترونية وعمله على إحداث عنف ليس له حدود خاصة أن فكرة الحصول على أسلحة دمار شامل تعد فكرة جذابة لمثل هذه التنظيمات، وتظهر المنطقة المتوسطية من بين الأهداف الأكثر استهدافا من قبله (20)، نظرا لما تشكله من ثقل اقتصادي وسياسي -الموقع الاستراتيجي والثروات- ولا يختلف الأمر هنا بين الضفة الشمالية والجنوبية من حيث التعرض للتهديد.

2- الدول الفاشلة:

كان مصطلح الدول الفاشلة قد استخدم للمرة الأولى في عهد الرئيس بيل كلينتون، ونعت به الدول التي فشلت في القيام بوظائفها الأساسية، مما جعلها تشكل خطرا على الأمن والسلام العالميين، مثل أفغانستان في عهد طالبان، ومثل الصومال حاليا، حيث أصبحت القرصنة البحرية تنتشر على سواحلها، ولكن التقرير لم يستند على نفس الرؤية الرسمية الأمريكية في تحديد الدول الفاشلة (21)، وكانت نظرة الخبراء المستقلين الذي أعدوا التقرير اقرب إلى نظرة المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي أصدر العام الماضي كتابه "الدول الفاشلة" ، ليؤكد من خلاله أن الولايات المتحدة الأمريكية ينطبق عليها تعريف الدولة الفاشلة، والتي احتلت المرتبة 161 في مؤشر هذا العام، خلف بريطانيا، ولكن الاثنين خرجا من المساحة الخضراء، ليكونا في آخر المساحة الصفراء (22).

صنف البنك الدولي 30 دولة فاشلة تعد الأقل دخلا على المستوى العالمي، بينما حددت الإدارة البريطانية للتنمية الدولية 46 دولة ضعيفة، وأشارت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى وجود 20 دولة فاشلة في العالم.

أما مجلة فورن بوليسي Foreign Policy الأمريكية فقد أعدت تقريرا في أوت 2005 أحصت فيه 60 دولة من العالم – تم ترتيبهم تراتبيا- تحمل علامات عدم الاستقرار وتعد الأقرب لأن تكون دولا فاشلة، وهذا اعتمادا على قياس 12 مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، تم جمع البيانات المتعلقة بهم من مصادر الإعلام الدولية والمحلية المقروءة والمسموعة والمرئية في الفترة من ماي إلى ديسمبر 2004م (23)  . 

وتستند الدراسة في تقييمها للدول على بعض المؤشرات المختلفة تتراوح بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لتقدم إطارا اشمل للمعايير التي نقيس بها درجة الاستقرار داخل هذه الدول، وهذه المؤشرات هي (24):

- مؤشرات اجتماعية: تصاعد الضغوط الديمغرافية (زيادة السكان، سوء توزيعهم، النزاعات المجتمعية، التوزيع العمري...)، الحركة السلبية والعشوائية للاجئين أو الحركة غير النظامية للأفراد تخلق معها حالة طوارئ معقدة (انتقال الأمراض، نقص الغذاء والمياه الصالحة...)، الميراث العدائي الشديد يجعل الجماعات المظلومة تنتظر الثأر (عدم العدالة، سيطرة أقلية على أغلبية...)، الفرار الدائم والعشوائي للناس (هجرة العقول وهجرة الطبقات المنتجة من الدولة...).

- مؤشرات اقتصادية: غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة (عدم المساواة في التعليم والوظائف والدخل، مستويات الفقر، تزايد النزاعات الإثنية...)، الانحطاط الاقتصادي الحاد (الدخل القومي، سعر الصرف، الميزان التجاري، معدلات الاستثمار، تقييم العملة الوطنية، معدلات النمو والتوزيع والشفافية والفساد...)

- مؤشرات سياسية: فقدان شرعية الدولة (فساد النخبة الحاكمة، غياب الشفافية والمحاسبة السياسية، ضعف الثقة في المؤسسات وفي العملية السياسية، ما يكثر المقاطعة في الانتخابات وانتشار التظاهرات والعصيان المدني...)، الحرمان من التطبيق العادل لحكم القانون وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان (الحكم العسكري، قانون الطوارئ، الاعتقال السياسي، غياب القانون، تقييد الصحافة....)، تشتت الأمن قد يخلق دولة داخل دولة (ظهور نخبة عسكرية داخل الجيش، هيمنة النخبة العسكرية، ظهور النزاعات المسلحة، ظهور قوة أمنية توازي الأمن النظامي للدولة....)، تنامي الانشقاقات داخل النخب بالدولة (الانقسام بين النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة...)، تدخل دولة أخرى أو فاعلين سياسيين خارجيين (التدخل العسكري أو الشبه العسكري....).

إذن لم تعد الدول الأكثر تقدما هي الفاعل الوحيد في تهديد أمن واستقرار المنطقة كما كان خاصة في فترة الحرب الباردة، بل أصبحت في هذه المرة الدول أكثر ضعفا وتخلفا والتي تعاني من الاضطرابات في مختلف الميادين عاملا فعالا في تهديد استقرار مناطق كثيرة من العالم بما فيها منطقة الساحل؛ حيث يمكن رصد أهم الأزمات التي تعاني منها هذه الدول في مجموعة من الأمراض منها الهجرة الجماعية الأمراض المستعصية والجرائم المنظمة وخاصة الحروب الانفصالية والاثنية هذه الأخيرة التي تدفع بآلاف المشردين والمهاجرين واللاجئين إلى الهجرة نحو مناطق أكثر أمنا الأمر الذي يزيد من لا استقرار تلك المناطق (25).

وبشكل عام تعاني منطقة الساحل من أزمة بناء الدولة، أزمة التعددية السياسية، أزمة العلاقات المدنية العسكرية، أزمة الانجاز الاقتصادي، أزمة الشرعية، بالتالي أصبحت الدولة في منطقة الساحل غير قادرة على تحقيق أمن مواطنيها، بل أصبحت هي مصدر تهديد أمن الفرد.

3- تجارة المخدرات:

إن منطقة شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء تعرف تنامي تجارة المخدرات خاصة بعد إن تحولت المنطقة إلى مكان عبور للمخدرات الصلبة مثل الهيروين، الكوكايين، الكراك من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا عبر إفريقيا الغربية ثم الساحل الإفريقي وعبر المغرب العربي. فأصبحت المنطقة معبرا لأكثر من 40 % من المخدرات الصلبة في العالم، إذ أنه حسب إحصائيات قدمها مكتب الأمم المتحدة سنة 2007 تمّ حجز 49 كلغ من الكوكايين بقيمة 10 ملايين دولار، كما تم حجز 4 أطنان من المخدرات الموجهة نحو شرق أوربا عن طريق المرغب وشمال إفريقيا كما تم حجز 75 كلغ من الكوكايين على الحدود الجزائرية المالية قدرت قيمتها بحوالي 45 مليون دولار بالقرب من منطقة تنزاوتي 500 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة تمنراست حيث جاء على لسان امنوال لوكير   Lucero Immanuel نائب مدير مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات عندما قال:" إن بعض دول إفريقيا الغربية التي تقع على الشريط الحدودي الجنوبي للجزائر أصبحت طريقا مفضلا وجد نشط للتجارة الدولية للكوكايين الوافد من أمريكا اللاتينية في اتجاه أوروبا " ولاحظ أن ذلك بدأ يتكرس منذ بداية سنة 2005.

بهذا تشكل المخدرات تهديدا كبيرا لدول الساحل خاصة في الجانب الاقتصادي ناهيك عن ويلاتها في الجانب الاجتماعي حيث انتشر تعاطيها في صفوف الشباب مما يشكل أساسا لانتشار العديد من الأمراض العابرة للحدود، ذلك أن التعاطي المتعدد للحقنة الواحدة يؤدي إلى انتقال فيروس فقدان المناعة المكتسبة وسط المدمنين والذي ما لبث أن انتشر خارج الحدود ليشكل بدوره تهديدا امنيا عابرا للحدود.

4- الهجرة غير الشرعية:

تعتبر الهجرة السرية أحد المظاهر المميزة للتطور الخطير الذي آلت إليه الجريمة المنظمة عبر الدول وتقدر الأرباح المحققة من هذا النشاط بنحو 3.5 مليار دولار سنويا وتضطلع المنظمات الإجرامية بتهريب أعداد كبيرة من المهاجرين الذين يغادرون بلدانهم لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وتقودهم بإدخالهم بصورة غير مشروعة إلى البلدان المتقدمة، وتشكل الهجرة خطرا على سيادة الدول المستقبلة لها إذ أن وجود المهاجرين غير الشرعيين في إقليم الدولة يشكل خرقا لسيادتها، كما أنه يعرض المهاجرين أنفسهم لمختلف أنواع المعاملات اللاإنسانية الماسة بالكرامة.  وبهذا أضحت ظاهرة الهجرة توصف بأنها خطر يتهدد الدول الغربية أكثر من الإرهاب والجريمة.

إن الاتحاد الأوروبي اليوم متخوف بشكل مفرط من الانفجار الديمغرافي المصحوب بأزمة اقتصادية في مجتمعات منطقة الساحل، وخطورة هذا الانفجار تكمن في استمرار الهجرة السرية نحو مجتمعاته بشكل يصبح فيه المهاجرين عبارة عن لاجئين سياسيين واقتصاديين (26) يهددون تماسك واندماج المجتمعات الغربية.

كما أن الاتحاد الأوربي متخوف من تراجع قوته البشرية في مقابل تنامي القوة البشرية لمجتمعات جنوب المتوسط ومن بينها مجتمعات منطقة الساحل، وبالتالي تراجع قيمها الحضارية مقابل تنامي القيم الإسلامية خصوصا، وهذا التخوف تولد لدى الدول، المجتمعات، النخب، ودعمته وسائل الإعلام، ففي أحد أعداد صحيفة  "Le Figaro" الفرنسية ظهر مقال بعنوان: "هل سنكون فرنسيين في عام 2025  serons-nous français en 2025 " عارضا صورة امرأة فرنسية ترتدي الحجاب كما أن أحداث الضواحي في أهم العواصم الأوربية (باريس، برلين...) زادت من الإحساس بخطر ما أسموه الغزو"l'envahissement" أو عودة البرابرةle retour des barbares"  "(27) فالأوربيون يرون أن سكان الساحل غير أوربيين وبالتالي غير قابلين للاندماج (لديهم طريقة غريبة في الأكل، في اللباس، في معاملة النساء) غير قابلين للمراقبة (يمكن أن يعملوا لصالح طرف خارجي وبناء شبكات إرهابية) بالنسبة للعامل الديمغرافي (ينجبون الكثير من الأولاد) ويدينون بالإسلام نقيض الحضارة المسيحية وبالتالي هم يشكلون خطر على المجتمعات الغربية (28) .

                                                       

3- التعامل الأوروبي مع التهديدات الأمنية في منطقة الساحل:

في إطار سياسته الإفريقية، تبنى الاتحاد الأوروبي سنة 2008 مخطط عمل يحدد أربعة أهداف في إستراتيجية على المدى الطويل يهدف لترقية السلم والأمن، تضمن: الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي من أجل السلم والأمن، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي للحكم الديمقراطي وحقوق الإنسان، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي للتجارة ة التكامل الإقليمي والهياكل القاعدية، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي حول أهداف الألفية، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي للطاقة، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي حول التغيرات المناخية، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة والتنقل والشغل ومكافحة المتاجرة بالأشخاص ومكافحة الفقر، الشراكة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي للعلوم ومجتمع البحار. وقد خصص الاتحاد الأوروبي لهذه الشراكات الثمانية مبلغ 8 ملايير أورو لفائدة الدول الإفريقية للفترة 2008-2013.

وسمح مجلس الإتحاد الأوروبي يوم الاثنين 16 جويلية 2012 بتشكيل بعثة جديدة لسياسة الأمن والدفاع المشترك تدعم "محاربة الجريمة المنظمة والإرهاب" في منطقة الساحل الإفريقي، وتحديدا في دول مالي، موريتانيا والنيجر، وكلف المجتمعون الممثل السامي للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي (آنذاك)، البريطانية كاترين اشتون Catherine Ashton، بتحديد إستراتيجية حول منطقة الساحل بداية من سنة 2013، فيما تحفظ المجتمعون، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية، من الخوض أكثر في معالم الاستراتيجية، واكتفى البيان الختامي للاجتماع بالتأكيد على تعهد دول الاتحاد على حشد وسائل المساعدة المتاحة لدعم دول الساحل في مواجهة الإرهاب وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ومساعدتها على إقرار الأمن والحكم الرشيد والتنمية.

والملاحظ أن الاتحاد الأوروبي عازم على استغلال مختلف الوسائل المتاحة بطريقة متماسكة من أجل ترقية الأمن والاستقرار والتنمية والحكم الرشيد في الساحل، المشكل من النيجر وموريتانيا ومالي، واستثنت الجزائر من بيان الاتحاد الأوروبي، ربما لموقفها إزاء التدخل الأجنبي -وقتذاك- وتمسكها بالتكفل الذاتي لدول المنطقة بالملف الأمني ومحاربة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. وأشار مصدر دبلوماسي إلى تصنيف ملف الساحل في مرتبة الأولوية للاتحاد الأوروبي بسبب التصعيد الأمني وعمليات اختطاف الرعايا الأجانب، بالإضافة إلى التهريب وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة (29) .

ومع التحفظات المتعمدة من قبل المجتمعين عن الإفصاح عن طبيعة الدعم الذي سيقدم لدول الساحل بشكل أفضل، اقتصر الحديث عن المساعدة على التنمية وإرسال خبراء للتدريب على تحسين أداء الإدارة المحلية والجهاز القضائي، حسبما كشف عنه أحد الدبلوماسيين المشاركين في الاجتماع، أما عن المدى الطويل، فمن الممكن بالنسبة لدول الاتحاد إيفاد بعثات تدريبية للمساعدة على تكوين الجمركيين وقوات الأمن في الدول المعنية، وهو المقترح الذي تحفظت عليه بريطانيا وألمانيا، حسب ذات المصدر.

وبحسب المراقبين، فإن الدعم والمساعدة التي تدعو إليها بعض الدول الغربية بقيادة فرنسا، وتحفظت عليها أخرى، قد يخفي في طياته نوايا أبعد من مجرد مساعدة دول الساحل في التكوين والتنمية، ويبرر بشكل وآخر، نفور الجزائر من كل تدخل أجنبي في المنطقة، قد يبدأ بالتدريب والتكوين وينتهي بأشياء أخرى.

وبدأت هذه البعثة المدنية العمل من النيجر فيما توسعت عملياتها إلى كل من موريتانيا ومالي، وقال الاتحاد الأوروبي في بيان أصدره -في ذلك الوقت- أن قراره "يشكل الأساس القانوني للبعثة التي تبدأ مهامها الشهر القادم"، مشيراً إلى أنها "تندرج في إطار إستراتيجية الاتحاد الأوروبي للأمن والنمو في الساحل الإفريقي وتأتي استجابة لطلب من حكومة النيجر". وأضاف البيان بأن نشاطات البعثة ستتركز في النيجر وقد تتوسع إلى كل من مالي وموريتانيا.

وقالت كاثرين آشتون Catherine Ashton، المسؤولة السابقة للعلاقات الخارجية والأمن في الإتحاد الأوروبي، إن "زيادة النشاط الإرهابي وعواقب النزاع في ليبيا زاد من انعدام الأمن في الساحل"، مشيرة إلى أن "البعثة الجديدة ستساهم في تعزيز القدرة المحلية على محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة". وأضافت المسؤولة الأوروبية أن "خبراء أوروبيين سيدربون قوات الأمن النيجرية لتحسين سيطرتها على الأراضي وعلى التعاون الإقليمي". وتجدر الإشارة إلى أن البعثة تضم فريقا من 50 موظفا دوليا و30 موظفا محليا، وستتخذ البعثة من العاصمة نيامي مقرا لها حيث ستكون مدة مهامها الأساسية سنتين فيما ستمول في العام الأول بغلاف مالي قدره 8.7 مليون يورو (30) .

ويطرح تحرك القارة الأوروبية، إزاء مخاوف من امتداد ما تصفه ''بالخطر الإرهابي المتنامي في شمال إفريقيا''، من باب تقارير أعدها المسؤولون عن مكافحة الإرهاب لدى لجنة العدل والحرية والأمن بالبرلمان الأوروبي، لكنها ليست بمعزل عن خطوات متقدمة أقرتها أمريكا لمالي، وفرنسا لموريتانيا، وتقول أوروبا إن تنظيم "القاعدة" ما زال هو التهديد الإرهابي الرئيسي للاتحاد وأن وقوع هجوم جديد ينفذه منتسبون لهذا التنظيم أمر محتمل(31) . وكان البرلمان الأوروبي قد أعرب من جهته عن قلقه العميق إزاء الوضع المتدهور لحقوق الإنسان في منطقة الساحل، مندّدا بجميع المحاولات الرامية إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة، وجميع أعمال الإرهاب ونهب المستشفيات والمدارس ووكالات المعونة والمباني الحكومية بالمنطقة، وندد أيضا بانتهاكات حقوق الإنسان المستهدفة لشعب مالي، خصوصا في المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة المتمردين(32) .

وقد كان في وقت سابق قد افتتح ببروكسل (7 ديسمبر 2011)، لقاء بين رئيسة الدبلوماسية الأوروبية آنذاك، السيدة كاترين اشتون وممثلي بلدان الميدان من الجزائر، مالي، موريتانيا والنيجر بحضور الوزير المنتدب المكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية السيد عبد القادر مساهل، حيث سمحت هذه المحادثات المتعددة الأطراف المغلقة بين السيدة اشتون الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية وسياسة الأمن ونائب رئيس الاتحاد الأوروبي بتبادل وجهات النظر حول الأمن بالمنطقة التي أصبحت ''منطقة خطرة'' خاصة بعد النزاع في ليبيا وانتشار الأسلحة ووصولها إلى الجماعات الإرهابية مهددة بذلك السكان. وشارك في هذا اللقاء إلى جانب السيد مساهل وزيرا خارجية مالي السيد سومايلو بوبايي مايغا Soumeylou Boubèye Maiga والنيجر السيد محمد بازوم  Mohamed Bazoum وكذا سفير موريتانيا السيد ولد بابا Ould Baba. واندرج اللقاء في إطار متابعة الندوة حول الشراكة والأمن والتنمية التي انعقدت يومي 7 و8  سبتمبر 2011 بالجزائر والتي جمعت بلدان الميدان والشركاء من خارج الإقليم.

بالتالي يمكن تلخيص الاستراتيجية الأوروبية للأمن والتنمية لمجابهة التهديدات الأمنية الآتية من الساحل الإفريقي في (34) :

-تقوية القدرات الأمنية لدول الساحل الإفريقي وتعزيز حكم القانون وتطبيق القانون في القطاعات التي تحارب التهديدات وتتعامل مع الارهاب والجريمة المنظمة.

 -محاربة ومنع العنف الأصولي والراديكالية.

-دعم القدرات الدولية والجهات الشرعية غير الحكومية في رسم وإنشاء استراتيجيات وأنشطة تهدف إلى محاربة هذه التحديات الخطيرة.

-ضرورة استفادة دول المنطقة من قدرات معتبرة في الرؤية الأمنية وتطوير التعاون الأمني من خلال تدريب الجيوش.

إذن ركزت إستراتيجية الاتحاد الأوروبي على أربعة محاور هي: التنمية والحكم الرشيد وتسوية النزاعات الداخلية، السياسة والدبلوماسية والأمن ودولة القانون والوقاية من التطرف والأصولية، وقد تمّ تخصيص غلاف مالي قدره 150 مليون يورو لتنفيذ هذه الاستراتيجية على المدى المتوسط، زيادة على المبلغ المالي المحدد لدعم دول منطقة الساحل في مواجهة الإرهاب وتحقيق التنمية في المنطقة المقدر بـ 650 مليون دولار. حيث سيتم العمل على دفع عجلة التنمية في هذه الدول من خلال فك العزلة وحفر الآبار وتشييد النقاط الصحية، هذا إضافة إلى محاربة "الاقتصاد غير المشروع" الذي تعتمد عليه مثل هذه التنظيمات المتطرفة كالتهريب. هذا ناهيك عن دعم قطاع الشرطة والدرك، كدعم نقاط العبور الحدودية الموريتانية بأجهزة متطورة للرقابة تمكنها من أداء دورها بشكل أفضل.

هذا وكان الاتحاد الأوروبي قد وعد في سنة 2005 بتخصيص نسبة 0.56 % من الدخل القومي للدول الأعضاء فيه للمساعـدة على التنمية بحلول 2005 والتي من المرتقب أن ترتفـع هذه النسبة إلى 0.70 % في 2015، كان من المنتظر أن تستفيد منطقة الساحل بحصة كبيرة من قيمة هته المساعدات إذا ما تحققت وذلك في إطار الشراكة التي تربطها بأوروبا. كما خصصت المفوضية الأوروبية مبلغ 337 مليون أورو كمساعدات إنسانية لمنطقة الساحل في 2012، هذا إلى جانب مشاريع التنمية الممولة من قبل الصندوق الأوروبي للتنمية بقيمة 200 مليون أورو موجهة لكل من: بوركينافاسو، مالي، النيجر، موريتانيا، التشاد. كما أقر الاتحاد الأوروبي مبلغ 164.5 مليون أورو من الصندوق الاضافي توزع على ست دول إفريقية هي: موريتانيا بمبلغ 13 مليون أورو، بوركينافاسو بمبلغ 17 مليون أورو، مالي بـ 15 مليون أورو، النيجر بـ 42.5 مليون أورو، التشاد بـ 35 مليون أورو، السنغال بـ 5 مليون أورو.

وفي إطار الصندوق الأوروبي للتنمية 2007-2013 وحده، تمّ تخصيص أكثر من 1.5 مليار دولار لموريتانيا والميجر ومالي، بشكل رئيسي، لدعم الحكم الرشيد وسيادة القانون والعدالة وعملية اللامركزية والزراعة والتنمية الريفية والقطاعات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والبنى التحتية.

وكشف القرار الأوروبي بمنح دعم مالي لدول افريقية في الساحل، وجود تنافس أوروبي-أمريكي على المنطقة لكسب دعم حكومات هذه الدول، خاصة وأن القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" كانت قد أعلنت قبل فترة عن إطلاق برنامج هام لدعم وتدريب جيوش دول المنطقة، وأطلقت مناورات عسكرية لصالح جيوش مالي وموريتانيا لتدريبها على التقنيات الحديثة لتعقب الإرهابيين.

وكان مانويل بلانكو، قد أوضح على هامش مداخلته في المؤتمر الدولي حول الشراكة والتنمية في منطقة الساحل الإفريقي “أن منطقة الساحل الإفريقي تواجهها تحديات كبيرة زيادة على تحديات الإرهاب، ويتعلق الأمر بالحراك السياسي التي تشهده منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من ثورات، وتحدث على مطالبة شعوب المنطقة بالحرية والعدالة واعتبر المكلف بتطبيق إستراتيجية الإتحاد الأوروبي في منطقة الساحل أن “كل هذه المسائل تشكل تحديات وتؤدي لزعزعت أمن و استقرار المنطقة.

كما قال منسق ''استراتيجية الساحل'' للاتحاد الأوروبي، إن اجتماع وزراء خارجية دول الساحل وقادة جيوش دول الساحل في سبتمبر 2010، والذين انطلقوا من اجتماع ''تمنراست'' في السعي إلى مكافحة الإرهاب، شكل ''قفزة نوعية'' في عملية التنسيق لمكافحة الإرهاب والجريمة ودعم التنمية في المنطقة، وأشاد المنسق الأوروبي لمنطقة الساحل، بالعمل الذي تقوم به دول الساحل التي لها قيادات عسكرية عقدت أكثر من اجتماع من أجل التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وبحث الأطر الكفيلة بتنمية منطقة الساحل، وهي الأهداف التي رسمها اجتماع وزراء خارجية دول الساحل، الذي شارك فيه الوزير مراد مدلسي يوم 19 ماي 2011. وأكد المنسق الأوروبي الذي اجتمع بوزير الخارجية المالي، بوباي مايغا سومايلو، وسفرائه في العديد من الدول الأوروبية بمقر اللجنة الأوروبية، ببروكسل، أن الاجتماع شكل ''قفزة نوعية'' في عملية التنسيق بين الدول الأربع التي أرست قيادة عسكرية مشتركة بتمنراست بالجزائر.

واجتمع منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، كيلس كورشوف K. Kourchov، مع الوزير المالي الذي عرض عليه إستراتيجية دول الساحل في مكافحة الإرهاب والتنمية، والميكانيزمات التي أرستها مالي في هذا المجال، بما في ذلك توسيع التشاور مع جيرانها، وهي الرؤية التي دافع عنها قائد أركان الجيش الجزائري قايد صالح، ماي 2011، لما أكد على ضرورة تعزيز التشاور والتنسيق بين بلدان منطقة الساحل (35) .

وإن الحديث عن السياسة الأمنية الأوروبية في منطقة الساحل يقودنا مباشرة إلى تحليل دور لاعب رئيسي في المنطقة، ألا وهو الدور الفرنسي، ففرنسا تعتبر مناطق شمال وغرب إفريقيا متنفسا ثانيا بعد حوض المتوسط وتعرف فرنسا بانتهاج طرق يغلب عليها الطابع الدبلوماسي بأشكاله الكلاسيكية في بعض الأحيان، فمن القمم الفرنسية الإفريقية المشتركة إلى الشبكات الدبلوماسية المنتشرة في القارة وكذا الدور العسكري الفرنسي في دعم عمليات حفظ السلام والاستقرار، حيث يتواجد حوالي 6000 جندي فرنسي موزعين بين جيبوتي، كوت ديفوار، الغابون، السينغال، التشاد، تساهم في مشروع تقوية القدرات الإفريقية في مجال دعم السلم، أين تم تكوين 1500 جندي إفريقي في هذا المشروع، وقادت عددا من المناورات العسكرية مع دول القارة (36).

وبالإضافة إلى القواعد العسكرية الفرنسية في المنطقة، أبرمت فرنسا حوالي 8 اتفاقيات دفاع عسكري مشترك مع كل من: الكاميرون، إفريقيا الوسطى، جزر القمر، كوت ديفوار، جيبوتي، الغابون، السينغال، التوغو، ويحق للدول الإفريقية طلب المساعدة العسكرية من فرنسا في الأزمات. هذا ناهيك عن اتفاقيات التعاون العسكري والمعونة الفنية وهذا النوع من الاتفاقيات يجمع فرنسا بـ 21 دولة إفريقية (37) .

وكانت فرنسا قد استحدثت جهازا يدعى بالوكالة الفرنسية للتنمية، مهمتها مرافقة الدول الإفريقية الأكثر تخلفا على غرار دول الساحل لتحقيق التطور والتخلص من أوضاعها المزرية، وقد خصصت الوكالة ما يقارب 60 % من إمكانياتها للقارة الإفريقية مع أفضلية لدول الساحل الأكثر فقرا.

والملاحظ أن موقف فرنسا اتجاه دول الساحل الإفريقي من حيث تقديم المساعدات التنموية يشوبه تناقض فتارة تربط الحصول على المساعدات الإنسانية والاقتصادية باحترام حقوق الإنسان والمبادئ القانونية وتارة لا تتوان في دعم الحكام الأصدقاء حتى وإن كانوا ديكتاتوريين، رغم إدراكها للعلاقة السببية بين انتهاك حقوق الإنسان والنزاعات وعدم الاستقرار.

تبنت فرنسا مقاربة أمن إنساني اقتصادي وعسكري، إضافة إلى مقاربات ثقافية، ذلك في شكل مداخل أمنية لمواجهة التهديدات التي تعاني منها دول الساحل، وإن التركيز على المقاربات الأمنية الثلاث، هي تجسيد لغاية إستراتيجية مصلحية تمكن فرنسا من التواجد عسكريا في منطقة الساحل الإفريقي وحولها تحت شعار التعاون، وبذلك تحقيق غايتين: الأولى في إطار رسمي تكون عبر وزارة الخارجية، الثانية تكون عبر وزارة التعاون ومجلس الشؤون الإفريقية.

وإن هيكلة المقاربتين الأمنيتين الاقتصادية والإنسانية مبنية على تقديم المساعدات الاقتصادية المالية والعسكرية، من خلال عمليات نزع الألغام المضادة للأشخاص خاصة المتواجدة عبر الأراضي الزراعية لدول الساحل الإفريقي ودعم الأشخاص المعوقين الناجمة إصاباتهم عن الألغام (38).

الخاتمــة:

أدت العديد من النزاعات التي حصلت في أوروبا إلى خلق نوع من التجانس الأوروبي )ولو بصفة جزئية( حول ضرورة تزويد "الإتحاد الأوروبي" بميكانزمات عسكرية، وكان هذا مع مجيء معاهدة "ماستريخت" عام 1992 وبناء سياسة خارجية وأمنية موحدة PESC  قادت فيما بعد إلى السياسة الأوروبية للأمن والدفاع  PESDالتي نصت عليها معاهدة "أمستردام" في  1997، لتكون خطوة أولى نحو بناء دفاع أوروبي مشترك ومستقل.

والملاحظ أن الاستراتيجية الأمنية الأوروبية قائمة –في أحد فصولها- على دعائم أو استراتيجيات التعاون مع الاتحاد الإفريقي في إطار إدراج الاتحاد الأوروبي وحتى الحلف الأطلسي في إطار السياسة الأمنية الدفاعية الأوروبية PESD بعد ذلك كانت سياسة دفاعية أمنية جديدة أطلق عليها تسمية الاستراتيجية الأوروبية لأجل إفريقيا La La Stratégie Européenne pour L’Afrique والتي كانت تهدف نحو إستراتيجية تنموية إفريقية.

وتؤكد المشاريع والمساعي الأوروبية من جهة أن التوجه النوعي لمعالجة الملف الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي يزاوج بين المعالجة العسكرية والأمنية من جانب، وإطلاق مشاريع للتنمية والاستثمار من جانب ثاني، وهذا يعكس وجود مقايضة للاستثمارات الأوروبية الموجهة لدول المنطقة مقابل السماح لها بالمشاركة عن قرب في رسم وتنفيذ السياسات الأمنية في المنطقة.

بحث للدكتور محمد سمير عياد نشر في موقع قراءات أفريقية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟