أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

المسلمون و الأخر

 

 

إن المراقب لما يجري اليوم في العالم بين المسلمين والغرب بشكل عام يدرك أن الوضع ليس جيداً، ويمكن أن يتدهور بشكل خطير، وأن ينتج ما لا تحمد عقباه، فالكثير من المسلمين يرى أن الغرب يتآمر على المسلمين لنهب ثرواتهم وتدميرهم بافتعال الحروب البينية، أو الأعمال العدائية المباشرة، بحجة مكافحة الإرهاب، أو عبر دعم أنظمة استبدادية فاسدة، تكرس التخلف وتضمن عدم إمكانية نهوض تلك المجتمعات، وهذه النظرة ولدت عند البعض توجهاً غريزياً لكره الغرب، وكل ما يمت له بصلة.

من الناحية الأخرى، بدأت الأعمال الإرهابية في الغرب تنتج شعوراً عاماً بكراهية الإسلام والمسلمين، وأصبحت هذه النظرة تتجلى في عدة صور، أوضحها هي الاعتداءات على المواطنين المسلمين في الجاليات المسلمة، وبوادر تضييق رسمي على حرية المسلمين، وانتقاص حقوقهم في تلك المجتمعات، وهكذا نرى أن هناك انجراراً وراء الغرائز على حساب العقل من قبل عناصر من الطرفين، ويمكن لذلك أن يؤدي إلى الكوارث، ومثل هذه المواقف تنتج عادة من فقدان النظرة الاستراتيجية المتوازنة، أو الإيمان بالمستقبل الأفضل، ولذلك علينا أن نبدأ بأنفسنا لتحقيق التغيير الذي نود حدوثه، وألا ننتظر الآخرين أو نتذرع بأن المشكلة منهم، ونحن ضحايا فقط.

إننا كبشر آمنوا برسالة الإسلام يتوجب علينا أن نكون رحمة للناس جميعاً، سواء في الشرق أو في الغرب، ولكن بشكل مخصوص في الغرب الذي اختاره الكثيرون منا كوطن يعيشون فيه، وتحيا ذريتهم به، فالرسالة التي بعثها الله صرحت بكل وضوح بأن هدفها هو الرحمة للعالمين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وهذا يقتضي أن يكون لنا حيثما حللنا أثر طيب إيجابي يراه الناس واقعاً، وليس تصورات خيالية في الأذهان، أو بين أوراق الكتب الصفراء، وبالتالي علينا أن نسأل أنفسنا: هل حققنا ذلك؟ هل وجودنا يثير مشاعر الاطمئنان والسلام أم أن وجودنا يبعث على الخوف والتوجس؟

إن الأفكار التي تسكن وعينا تكاد تكون غريبة تماماً عن الرسالة التي من المفروض أن نحملها، فثقافتنا الحالية تمجد السيف، وتجعله المحور الذي تدور حوله الحياة، ولا أدل على ذلك من البيت الشهير الذي نعرفه جميعاً بل كثيراً ما نردده قولاً وفعلاً "السيف أصدق إنباء من الكتب"، رغم أن أول كلمة نزلت في رسالتنا هي "اقرأ".

إننا كمسلمين من الطبيعي أن نؤمن بصواب الإسلام عما سواه، ولكن إذا ترافق ذلك مع فكرة السيف، فالناتج يمكن أن يكون إشكالياً، وهذه الظاهرة ليست حكراً على الإسلام، فقد سبقت إليه الأديان الأخرى، وتجلت في الحروب الصليبية أو محاكم التفتيش أو الصهيونية مثلاً، ورغم أن القرآن حرص على نزع فتيل مثل هذه المشكلة، عبر التأكيد على أن حكمة الله اقتضت وجود الآخر "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"، وأكدت حق البشر في اختيار ما يريدون أن يدينوا به بدون إجبار أو إكراه "لا إكراه في الدين"، أو كما في الآية "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، وغيرها من الآيات الكثيرة.

إن كل المطلوب منا هو التبيين للناس بالحكمة والموعظة الحسنة، دون أي إكراه، ولكن البعض اندفع في عكس هذا الاتجاه مهملاً واجب التعارف الذي يتوافق مع مقصد الإله من الاختلاف بين البشر "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فالإنسان عدو ما يجهل، وكلما زاد التعارف والفهم بين الناس قلت فرص العداء؛ لذلك فإن تشكيل مجتمعات صغيرة مغلقة ضمن المجتمع الكبير لن يخدم المسلمين على المدى الطويل، بل سيقوي الشك المتبادل، ويمنع أي تبادل ثقافي وتعارف، مما يزرع بذور العداوة والبغضاء التي ستثمر يوماً جرائم كبرى.

على أن صورة المسلمين في الغرب ليست كلها سلبية، فهناك الكثيرون ممن يساهمون في مجتمعاتهم بشكل إيجابي وهام، ولكن ليس لهم إطار فكري قوي يطرح بديلاً عن الإطار الفكري التقليدي السلبي أو المحايد في أحسن أحواله.

وقد يظن البعض أن المطلوب هو إيجاد غلاف خارجي جميل نقيمه حولنا لنيل قبول المجتمع الذي نعيش فيه، في حين أننا لا نشعر بأي صلة حقيقية مع محيطنا، ولكن في الواقع فإن مستقبلنا مرتهن ببناء شخصية إسلامية أصيلة ترتكز على أسس فكرية قوية مستمدة من المبادئ الأخلاقية التي نؤمن بها، والتي هي في مجملها مشتركة بين أهل الأرض جميعاً، وأن نقدم نموذجاً حضارياً راقياً يستطيع التصدي للفكر المتخلف، أو الدعوات الغوغائية، سواء كانت من طرفنا أو من طرف الآخر، والتي تسعى للصدام.

هذه الدعوات المغرضة التي قد تكون نتيجة فكر مشوه، أو أنها تريد تحقيق غايات آنية رخيصة على حساب المستقبل، وأخطر هذه الدعوات هي تلك التي تصدر عن أشخاص لهم مواقع مهمة، فالمسلمون يجب أن يكونوا قوة للخير في مجتمعاتهم يشعر معها غير المسلمين بأنهم محظوظون بوجود المسلمين كجزء من المجتمع.

ومن البديهي أن ندرك أن الناس في الغرب ليسوا ملائكة ولهم أخطاؤهم، وفيهم من يكره الإسلام والمسلمين، ويضمر ويتمنى لهم السوء، ولكن بنفس الوقت فالواقع يشير لنسبة متعاطفة، ولكن ربما كانت النسبة الأكبر هي من الحياديين الذين لن يبقوا كذلك لفترة طويلة، ومن الممكن أن يتحولوا لإحدى الفئتين الأوليين بناء على تصرفاتنا.

إن من العدل أن نقر بأن هناك الكثير من التقدم الذي حققته هذه المجتمعات، ولكن ذلك يجب ألا يجعلنا نفقد ثقتنا بأنفسنا وقدرتنا على المساهمة المهمة والفعالة، فمساهمتنا الحضارية في الماضي لا يمكن إنكارها، كما أن ما قدمته هذه المجتمعات ليس كاملاً ولديها الكثير من المشكلات، ونحتاج للعمل جميعاً على حل المشكلات والتحديات الكثيرة التي تواجهنا جميعاً، والتعاون على صناعة التقدم المطرد، خصوصاً أننا نشترك في الخطوط العامة وقضايا القيم الكبرى، مثل حرية الإنسان الاعتقادية، وتقدير النفس البشرية، والحكم الراشد المتمثل بالديمقراطية.

إن هذا الطرح لا يعد بطريق سهلة، فتحقيق الغايات العظام يتطلب العمل الدؤوب والجهد والتعب، وربما الانتكاسات أحياناً، ولكن هذه طبيعة الحياة، غير أن هذا الهدف يستحق الكفاح لأجله، وهو أفضل كثيراً من الطرح البديل الذي تكون نتيجته صداماً مدمراً وخراباً للجميع.

مقال للكاتب نبيل الطرابيشي نشر في هافغمنتون بوست العربية

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟