أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

استراتيجيا “داعش” في ليبيا بين سُكونية التاريخ وحراك الجغرافيا

ملخص :
·يتمثّل خطر تنظيم “داعش” الاول  في ليبيا في كونه  اكسجينا  للتنظيم الاصلي  في العراق والشام لحظات الاختناق.  
·ويتمثل خطره الثاني في قدرته على التنسيق  مع تنظيم” بوكو حرام” في نيجيريا وانصار الشريعة في شمال افريقيا. بين الترويع والتمركز في منطقة سرت، خاصرة الدولة الليبية، لنهب الثروات والتصرف في موارد النفط، كانت مهمته المُعقِدة للوضع  في  ليبيا ومصالحها الإستراتيجية  مستفيدا من التناقضات القبلية  التي تحكمها وبقيت  صندوقها الأسود الذي يفرض على الفرقاء المتقاتلين فهمه جيدا وفهم خارطة تحالفاتها القبلية. لتونس المصلحة الكبرى كدولة جوار في لم شعث الفرقاء فهي اول من تتضرر من شر التنظيم المستطير و احداث بن قردان شاهدة على  خطر ما يمكن اقترافه.
مقدمة
    يشهد تنظيم الدولة في العراق والشام ضغطا عسكريا في مواقعه المحررة من العراق وسوريا، لذلك فإنه يسعى إلى صرف الأنظار عن هذه الهزائم المتسارعة إلى مناطق أخرى يستطيع المناورة فيها وتحقيق انتصارات سريعة، وقد كانت ليبيا هي الهدف الاستراتيجي الذي يوفر التمويل للتنظيم المتهالك ويفتح بوابة نحو إفريقيا للالتحام مع “بوكو حرام” وأخرى نحو شمال إفريقيا عبر جبال “أوباري” أين يتمركز “مختار بلعور”  الذي يوفّر التدريب والدعم اللوجستي لأنصار الشريعة وهي المجموعة التي لم تذعن للمراجعات التي قامت بها الجماعة الليبية المقاتلة وبقيت تناوئ الفريقين المتقاتلين في ليبيا: البنيان المرصوص بقيادة دروع ليبيا، وما يعرف بقوات الكرامة بقيادة حفتر التي تعرف ب”الجيش الليبي” تجوّزا. ولكن هذا الدعم كان بمثابة النفخ في الرماد إذ أظهر خليفة حفتر ضعفا فادحا أمام البنيان المرصوص الذي شكّلته الحكومة الشرعية في طرابلس والتي خرجت منتصرة من مؤتمر الصخيرات .  
-1- ظهور داعش وبداية الخطة البديل
وقد برز تنظيم داعش في ليبيا منذ البداية متوترا يستعجل الحسم ولا يراعي الخصوصية الليبية ذات التشكيل القبلي المتين، حتى أن الجماعات المتطرفة التي بايعته في البداية انصرفت عنه وشكّلت تحالفا بينها. ولكن التنظيم الداعشي مضى في برامجه التي أصبحت معروفة مثل الصدمة والترويع وتمثل ذلك في ذبحه لمجموعة من الأقباط المصريين وإلقاء الجثث في البحر.
 ولتشكيل هذه السبل كان على التنظيم حماية ظهره من جهة المتوسط أولا والسيطرة على موانئ نفطية تضمن له تسويق غنائمه النفطية في السوق السوداء بعد أن خبر هذه السوق في العراق وسوريا واستطاع أن يجلب إليه حرفاء كبارا لا أقل من الصين مثلا. وقد مثلت مدينة سرت خاصرة الدولة الليبية وعاصمة إقليم برقة وبوابته نحو الشمال وهي ذات أهمية اقتصادية بالغة إذ تحتوي على 80% من إجمالي احتياطي النفط في ليبيا بنحو 45 مليار برميل وتمثل 90% من إجمالي إنتاج النفط في ليبيا، كما تحتوي هذه المدينة على 16 حقلا عملاقا موزعة في حوض سرت على شكل هلال نفطي ويمثل منطقة جغرافية موحدة تمر براس لانوف وتصل إلى جدابيا وهي مرتبطة بحوض سبها نحو الجنوب. ويحتوي حقل سرت لوحده ما بين 100 مليون برميل كحد أدنى و500 مليون برميل كحد أعلى في هذه الحقول  كما أنها مدينة فارقة بين عدوين لدودين يتمركز الأول في مصراطة متمثلا في الذراع الباطشة لفجر ليبيا ودروعها العسكرية ويتمركز الثاني في الحدود الشرقية مع جمهورية مصر العربية من مساعد إلى طبرق ودرنة ومن البيضاء إلى توكرة وجزء من بنغازي وهو فيلق خليفة حفتر يسنده أحمد قذاف الدم ابن عم معمر القذافي ومرشح اللجان الثورية وأنصار النظام القديم على ليبيا التي تمثل في نظرهم إرثا قذافيا. وبذلك فإن التنظيم يكون قد وعى الأساس القبلي والإثني الذي يحرك الصراع الدائر في ليبيا. كما يستطيع التنظيم أن يجلب إليه قبائل على تخوم خليج سرت. وتمتد هذه المنطقة شرقا إلى أجدابيا  هذه المدينة ذات الأهمية الإستراتيجية، وهي ذات حماية محدودة على البحر الأبيض المتوسط وتشكل امتدادا مهما نحو الواحات الداخلية في عمق الأراضي الليبية وتمثل هلالا متاخما لمدينة بنغازي وفيها ميناء زويتينة النفطي المهم ومصانع لتكرير النفط والحصول على المشتقات النفطية .وقد مثل دخول التنظيم لمدينة “صبراته” وإعلانها ولاية إسلامية تابعة له أهمية بالغة في تعزيز سيطرته وتحكمه بمنطقة الهلال النفطي داخل الأراضي الليبية إضافة لتاريخ المدينة العريق وامتلاكها لكنوز أثرية كبيرة وثمينة تعود للعصر الروماني ويمكن له الاستفادة منها في تعزيز موارده المالية وبيع الثمين منها وهي لا تقل أهمية عن مدينة تدمُر في سوريا أو نينَوى في العراق.
 -2- مخطط التقسيم
إن سعي الدول الغربية مسنودة بأخرى عربية اقليمية  إلى إعادة النظر في تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم يضمن لهذه الأقطاب مصالحها ويحرم الليبيين من مواردهم الطبيعية ، وقد كشفت  صحيفة “لوموند” الفرنسية أن حرباً سرية تخوضها فرنسا في ليبيا  تعتمد بشكل رئيسي علي عناصر من القوات الخاصة الذين قادوا في الماضي القريب عمليات نوعية استهدفت تصفية قادة في تنظيمات إسلامية متطرفة ، حسب زعمهم ، كما وجهوا مقاتلات “الرافال”” نحو إحداثيات هامة لقصفها حين شنت هذه المقاتلات الفرنسية بالتعاون مع غرفة عمليات اللواء خليفة حفتر غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية لمجلس شورى المجاهدين في بنغازي وغيرهم من المليشيات المناوئه لحفتر.  وقد تلت هذه الغارات ضربات أمريكية عنيفة في فيفري من السنة الماضية حينما شنت مقاتلات الـ إف 15 الأمريكية هجوماً دقيقاً استهدف معسكراً تدريبياً في مدينة “صبراطة” غرب ليبيا من أجل تصحيح مسار البوصلة وإخراج حلفائها من منطقة الحرج التي وقعوا فيها ، إذ كيف يمكن أن تتدخّل دولة لصالح طرف سياسي وعسكري وقفت بالأمس القريب ضدّ تعنّته في مؤتمر الصّخيرات بالمغرب بل إن هذه الدول كانت داعمة لمخرجات هذا المؤتمر وما يقتضيه من مساعدة الحكومة الليبية التي انبثقت عنه.
 وقد نشرت صحيفة “الجورنالي” الإيطالية مقالا مطوّلا ملخّصه “إن فشل البرلمان الليبي في طبرق في المصادقة على الحكومة الجديدة كان “دُشاً أي حماما  بارداً” ردت عليه الدول الكبرى بالتفكير الجدي في الخطة البديلة “ب”، بإحياء الأقاليم العثمانية الثلاثة القديمة: طرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً.
 وبذلك يستفرد اللواء خليفة حفتر ومن معه من أركان النظام القديم بجزء صغير من إقليم برقة لعله لا يتجاوز المناطق المتاخمة لمصر في حين يقيم فجر ليبيا دولة الثورة على إقليم طرابلس وتبقى الأجزاء الكبرى الساحلية من إقليم برقة وكامل إقليم الفزان وهي المنطقة التي يعتبرها المراقبون خزان ليبيا النفطي ومجاله الأثري ومستودعه الاستراتيجي منطقة حرب زُرع فيها تنظيم الدولة في خليج سرت ووجهوا بندقيته إلى آبار سبها ومن ثمة يكون هدفه الكفرة غربا للوصول إلى الإلتحام “ببوكو حرام” على الحدود المترامية لدول الساحل والصحراء ( مالي والنيجر والتشاد ) وهي الخطوط الحمر لفرنسا التي تسعى جاهدة إلى إيجاد مسوّغ قانوني للدخول إلى ليبيا ومن ثمة السيطرة على جزء مهم من ثرواتها في حين تكون إيطاليا على الضفة الساحلية عبر خليج سرت.
 إن سعي الدول الغربية لإفراغ إقليم برقة من أهله الطبيعيين أصبح واقعا يُرى بالعين بعد أن أُنهكت “مصراطة” كما أنهك جيش تحالف الثوار الراجع بالنظر إلى الدولة الناشئة التي نزعت منها آليات الحكم بتشتيته بين قوى متصارعة غير متوالفة أو منسجمة بل إن القتال بين أذرعها العسكرية مازال قائما. إن تنظيم الدولة يستفيد أيّما إفادة من هذا الاختلاف رغم الضربات المتتالية التي نالها خاصة في صبراتة غربا أو في درنة شرقا ولكنه مازال يرصّ صفوفه استعدادا للأسوأ وقد كان يملك من المتطوعين فيه للقتال حتى بداية سنة 2016، ستة آلاف مقاتل منهم قرابة الألف ليبي وألف ونصف سوداني ومثله من جنسيات إفريقية وأوروبية وألفين وخمس مائة من شمال إفريقيا وقد تتالى على قيادة التنظيم في ليبيا ستة من عتاته البارزين ولكن ليس فيهم قائد ليبي واحد. ولحسن الحظّ أنّ هذه الأعداد المقاتلة حُشرت على عجل في مناطق مكشوفة لا يعرفون تضاريسها. ولم يترك لهم الثوار المجال ليتعرّفوا عليها أو يقيموا المتاريس والألغام ويدرّبوا القادمين الجدد، كل ذلك كان له الأثر السلبي في نفسية هؤلاء الطامحين إلى إعلان الإمارة ، وقد بدا ذلك واضحا في العجلة المفرطة في إعلان قيام الإمارة الإسلامية في طبرق وسرت وصبراطة ثم بن قردان. وقد اكتشفوا بعد أيام قلائل زيف الحلم وبُعد الوهم عن الواقع المعيش.     
 إن الأساس القبلي الذي يحكم ليبيا يظلّ صندوقها الأسود الذي يفرض على الفرقاء المتقاتلين فهمه جيدا وفهم خارطة التحالفات القبلية ومصالحها الإستراتيجية. وهو ما يبدو أن تنظيم الدولة بدأ يعيه جيدا، هذا الوعي سيمكن التنظيم من قضم الأرض في إقليم الفزّان عبر الجفرة وسبها ومنهما إلى “زويلة” و”الصّرفاية” وصولا إلى “أوري وبرداي” على تخوم أرض “بوكو حرام” ومنها إلى “الكُفرة” في أقصى الجنوب لتوفير متنفس عبر دارفور، والحال أنه استطاع أن يكسب ودّ الحركة السودانية المقاتلة “العدل والمساواة” والتي تتخذ من دار فور موطنا لها.  والذين حصلوا على الجنسية الليبية باستثناء ما فعله معمر القذّافي مع بعض العائلات التي خدمته والتي منّ عليها بالاستقرار في بني وليد وجميل وغيرها من المناطق القريبة من العاصمة طرابلس، كما أغدق على المحاربين منهم، الذين حاولوا معه إخماد الثورة وقد شهد لهم الليبيون بأنهم أبلوْا معه البلاء الحسن، ويُذكر أن القذافي في سنواته الأخيرة تزعزعت ثقته بالليبيين مما دفعه إلى استقدام حشود من هؤلاء التّبو المدرّبين جيدا للقيام بحراسته الشخصية، وحينما قامت الثورة كانت قلعة العزيزية تغصّ بهم،  وقد أُحصي منهم 800 ألف أعيدوا إلى مناطقهم في أقصى الجنوب ومنهم من اطرد إلى التشاد والنيجر أو الذين استفادت منهم فرنسا في حربها على القبائل الثائرة وصل بها الحال إلى طرد القوات الإيطالية المتمركزة في الغرب الليبي بعد عجزها عن تأمين حدودها مع تونس واحتلّت تلك المنطقة بالكامل بعدما تمركزت قواتها في درج وقبل أن تخرج منها استطاعت أن تجعل من سكان المنطقة ساترا بشريا في “غدامس” و”درج” و”سيناون” بينها وبين الطوارق المتمركزين على جبال “أوباري” بل إنها أهدت سكان الغرب القاطنين على التخوم الواحة التي تعرف الآن بواحة “غدامس” وهي تونسية صميم بمباركة الشيخ عرب أحد رجال فرنسا في برّ المرازيق.

خاتمة

إن كل هذه العوامل مجتمعة تمثل وقودا لحرب طاحنة استكملت مقومات حدوثها وهي تنتظر فتيلا لإذكائها. وإن تونس ستكون المتضرر الأكبر من التقسيم أو الحرب المشتعلة فتيلها إذ ستنتقل إليها شرارة التحالفات الإثنية التي يجمعها التاريخ وتفرقها الجغرافيا. ولعل الشيخ راشد الغنوشي من خلال دفع الجزائر لإقناع الطرف المتعنّت الذي يقوده حفتر يرسم ملامح لحل يضمن سلامة ليبيا بعيدا عن الخطة “أ” أو “ب” التي لا تراعي إلا مصالح الناهبين  عربا وعجما  الذي لا يرون في ليبيا الا مغارة علي بابا، وقد غلب عليهم طمعهم حتى صاروا يجربون الخطط تباعا وكلما سقطت خطة فكروا في أخرى.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟