أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

العودة إلى بنغازي.. قضية أم صراع على السلطة

 

أثارت سيطرة سرايا الدفاع عن بنغازي على منطقة الهلال النفطي، وطرد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر منها في جولة قتال سريعة- أثارت جدلا وطرحت أسئلة كثيرة عن طبيعة هذه القوات وتكوينها، ورؤيتها. وكالعادة تفنن الإعلام الموالي للكرامة في تنزيل مفردات قاموس الإرهاب، والتشدد والتكفير، على هذه القوات.

ومن المعروف لدى المتابعين للشأن الليبي، ولطبيعة الصراعات فيه، أن حديث الإعلام الموجه، مواليا  كان أم معارضا، لا يمكن أن يشكل مرجعية علمية حقيقية للباحث عن حقيقة الأمور، والأحداث والظواهر. وقد أصدرت سرايا الدفاع عن بنغازي نفسها بيانا حاولت فيه تقديم نفسها للمواطن الليبي من خلال جملة من المحددات، ستحاسب عليها بشكل دقيق، أحاول في هذا المقال، بعيدا عن وجهة نظر الكاتب، قراءتها من غير أحكام مسبقة. لقد قدمت السرايا نفسها من خلال البيان في سبع نقاط، تتضمن رؤيتها السياسية، وأهدافها، ألخصها على النحو التالي:

أولا: ما يتعلق بالرؤية:

- البعد عن الأحزاب.
- الانتماء لثورة السابع عشر من فبراير.
- رفض الحرب الأهلية، والانتقام.
- الانحياز للحلول الاجتماعية.
-  رفض تحول ليبيا إلى مركز تهديد لجيرانها.

ثانيا. ما يتعلق بالأهداف:

- إنهاء معاناة مهجري بنغازي.
- المشاركة في الحرب على الإرهاب.

نظرة على المحتوى...

هناك ثلاث سمات رئيسية تظهر عند قراءة هذه المحددات قراءة فاحصة، وهي برأيي سمات مهمة، ربما لم تجتمع، من قبل، في خطاب أي مجموعة مسلحة بعد ثورة السابع عشر من فبراير، بهذا الوضوح. وهذه الخصائص هي:

- قضية، وليس صراعا على السلطة: وتمثلت في التأكيد على أن العملية ليست متعلقة بالصراع الحالي بين الأطراف المختلفة ولا علاقة للسرايا بالأحزاب ولا بالتجاذبات السياسية، وليست جزء من الصراع الدائر على السلطة، وبالتالي فإن هذا الإعلان يتضمن نأيا عن المنافسة على السلطة، وعدم الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية من خلال العمليات الميدانية.

- إنهاء المعاناة: يمثل إنهاء معاناة الأسر المهجرة، وإحداث حالة من توازن الرعب، مع الآلة القمعية التي تحكم بها بنغازي، ومدن الشرق التي يسيطر عليها حفتر، وهو مبدأ يعيد إلى الأذهان الحرب من أجل الشعوب، الذي كانت ثورة السابع عشر من فبراير أحد عناوينها الرئيسة.

- الانفتاح على الحلول الاجتماعية: تمثل هذه النقطة ضمانة أساسية لاختبار الصدق في النقطتين السابقتين، وتقيم الحجة على من يريد أن يوقف تقدم السرايا وحقن دماء الليبيين، وذلك لأنها تلزم السرايا بالقبول بأي مبادرة تحقق هدفي إنهاء المعاناة وتوفير الأمن لمن يعود إلى بنغازي، وإنهاء حالة الخوف التي يعانيها المواطنون في المدن الشرقية، وهذا يفتح المجال أما شيوخ القبائل وقادة الرأي ورواد المصالحات في المجتمع الليبي لحقن الدماء وتأمين عودة الأهالي إلى مدنهم؛ بنغازي وغيرها.

الإيمان بالدولة...

تكشف نقاط البيان مجتمعة إضافة إلى التجربة العملية في تسليم الموانئ النفطية بعد السيطرة عليها، تكشف إيمانا واضحا لدى قيادة السرايا بضرورة الانضواء تحت شرعية الدولة الليبية، ممثلة بالحكومة التي تحظى بدعم العالم واعترافه، وإن لم تكن أقرب إلى قيادات السرايا، مما يؤشر إلى أن قيادات السرايا فضلت الشرعية على الميول السياسي. والكل يعرف أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق لم يعط مدينة بنغازي الاهتمام الذي تستحقه، والذي يوليه لها الاتفاق السياسي، لا من حيث تخفيف معاناة أهاليها المهجرين، ولا من حيث السعي لإنهاء الحرب فيها. كما أن رئيس المجلس قابل سيطرة السرايا على الهلال النفطي بالرفض والإدانة علنا بينما كل خطواته السابقة واللاحقة لعملية السرايا تشير إلى أن وراء الأكمة ما وراءها.

برقة.. رسالة إلى من يهمه الأمر...

اختار البيان تسمية إقليم برقة، بدل المنطقة الشرقية، وهذه التسمية هي المستخدمة على نطاق واسع بين أبنائها، ويفضلونها على تسمية "المنطقة الشرقية" التي استخدمت إبان حكم النظام السابق، وأصبحت الأكثر تداولا في الأدبيات السياسية في العاصمة وجوارها. ويشير اختيار اسم برقة إلى الطبيعة المحلية التي يحملها اسم السرايا أيضا، كما تحملها تسمية العملية الأخيرة: العودة إلى بنغازي.

بقي أن نشير في قراءة محتوى البيان إلى رسالتين في غاية الأهمية، تتوجهان إلى الرد المباشر على دعاية الانتماء لتنظيمات إقليمية، موصوفة بالإرهاب، كما تخاطبان المخاوف الدولية بشأن حاملي السلاح في ليبيا وإلى دول الجوار عامة وجمهورية مصر الشقيقة خاصة، وهما: الاستعداد للانخراط في الحرب على الإرهاب، ورفض أن تكون ليبيا مصدر قلق لجيرانها.

السرايا في الميزان...

مع أنه لا يتوقع أن تنسب أي مجموعة نفسها إلى فكر مدان، أو تروج نفسها بالانتماء إلى جماعات محظورة، وموصوفة بالإرهاب، إلا أنه من المعروف أن لكل مجموعة فكرية خطابا، ومصطلحات تعبر من خلالها عن موقفها، وأهدافها، وتعد هذه المصطلحات والمفاهيم كاشفة لطبيعة أي مجموعة وتحاسب عليها محليا ودوليا.

لقد خلا البيان من أي نبرة تشير إلى المعجم الذي تتحدث به المجموعات الموصوفة بالإرهاب، بل إنه استخدم مصطلحات يمكن أن تشكل في عرف بعض هذه الجماعات شيئا قريبا من الردة.

قد يقول قائل والحال كذلك: لماذا لا تنضوي السرايا تحت الحكومة الشرعية المتمثلة في المجلس الرئاسي؟  والإجابة أنه وبالرغم من أن المجلس الرئاسي هو المستفيد الأول مما حصل، إلا أن من أسباب تحرك السرايا؛ هو تمدد حفتر، وعجز المجلس الرئاسي عن كبحه بالرغم من أن حفتر لا يملك القوة الضاربة بدون الدعم الجوي الأجنبي. في ذات الوقت لا يستطيع المجلس الرئاسي أن يتحمل ما تستطيع أن تتحمله قوى ثورية ليس لديها الحسابات السياسية المعروفة، وهذه القوى في الغالب لا تعبئ بما يحققه هذا الطرف أو ذاك من أرباح أو خسائر سياسية طالما أنها تحقق قضيتها المحورية وهي في هذه الحالة؛ العودة إلى بنغازي.

ومع هذا ابتعدت السرايا عن هذه التجاذبات والحسابات السياسية، ولم تبد أي توجه يبعدها عن قضيتها الأساسية؛ العودة إلى بنغازي، وبالتالي جاء البيان المكثف ليكشف عن أبعاد مهمة في طبيعة مشروع السرايا؛ فهو بعيد عن التجاذب السياسي، حامل لمشروع فبراير، نابذ للإرهاب ومحارب له، مطمئن لجوار ليبيا، وذو طبيعة محدودة بمدينة هي بنغازي، وإقليم هو برقة، مما يعني أنه مع طابعه الليبي المحض، يرفض أن يكون مشروعا للبحث عن السلطة، أو حتى الرغبة للشراكة فيها.

عبدالرزاق العرادي

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟