أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

لنخمد براكين الكراهية والانتقام ونبني وطن

 

صحيح أطلعنا وسمعنا بأنه وخلال حقبة الاستعمار البعيد القريب للعهد التركي والإيطالي وظفت الفروق الاجتماعية وكذلك التنوع الثقافي والمذهبي لإحكام سيطرة السلطان على الشعب الليبي. لذا يبدو بأن زرع الكراهية بين فئات المجتمع كان من أنجع الوسائل التي مارسها المستعمر لإحكام وتضييق قبضته الأمنية على الناس.. فالإيغال في نشر الفتنة واللعب على وتر التفاخر بالعرقية والنرجسية وتوسيع دائرة الحسد وتعميق الكراهية كانت وتظل الأدوات الفاعلة لتفكيك العديد من الروابط الاجتماعية.

وبقدوم العهد الملكي شرع في ترميم البعض من تلك الشروخ الاجتماعية ولكن نتيجة للفقر وضعف القوة الاقتصادية ظلت الهوة الاجتماعية وبعض الفوارق الطبقية التي حاولت مؤسسات التعليم جاهدة، بعد اكتشاف وتصدير النفط، في تلك الفترة العمل على ردمها وتقريب المسافات بين مختلف طبقات المجتمع فرفعت المكانة الاجتماعية للتعلم والمتعلم والمتعلمة.. وقبل أن تنتعش الحياة في ليبيا جاء المدمر القذافي بانقلابه الأسود حيث حرك جميع مكامن الفتن ما ظهر منها وما بطن.. فمع إذكاء نار الحسد بين مختلف الطبقات نبش في الماضي الأليم ليحي ويعمق ثارات قديمة ويؤججها لتلتهب الحياة الاجتماعية بحمم الكره والانتقام والبغض والحسد. فكان اغتصاب البيوت والسطو المشرعن بأحجيته "البيت لساكنه".. ونهب أموال الناس بشعاره "من أين لك هذا؟" وغنم السيارات بشريعته "السيارة لمن يقودها" وكان تدمير الاقتصاد الليبي وتحويل معظم الليبيين والليبيات إلى متسولين بوقف النشاطات الصناعية بكذبته "شركاء لا أجراء" وإلغاء التجارة وتخريب ارزاق العباد بمقولته الهزلية "التجارة ظاهرة استغلالية" وأمعن في الكرة والاقتتال على المناصب وتدمير المؤسسات "بالتصعيد الشعبي" بل عمل على تفكيك الأسرة وأخضعت لمراقبة "لجان التطهير" واللجان الثورية وتحولت الروابط الاجتماعية إلى روابط قبلية مقيتة متبدلة حسب إملاءات عقد العقيد!!!

توجيه الكراهية وتوظيفها:

عمل الدكتاتور معمر القذافي بعد تعميق الكراهية والحقد والحسد في قلوب الضعفاء مستغلا الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وسن تشريعات بخربشته بكتيبه الأخضر، وبتاريخه الدموي سجلت بعض المحطات التي عرف فيها كيف يوجه الكراهية بصورة بشعة فجة تناثرت فيها الدماء على وجوه الأبرياء وتحطمت فيها قلوب الدراويش المغلوبين على أمرهم فكان:

• الشنق بغضب وكره وصل إلى حد الضرب والتدلي بأجساد الشهداء الأطهار.

• زرع الرعب بين الأطفال بشنق أساتذتهم أمامهم، كما حصل بأجدابيا، ومسلسل تحطيم النفوس وتمزيق القلوب بشنق الأحرار في رمضان 1984.

• تدمير البيوت والمباني بحجج مختلفة إمعانا في التشويه البصري بعد تحطيم الأنفس وإرعاب الأرواح البريئة.

• إطلاق العنان لأجهزته الأمنية لسجن وتعذيب وقتل من يقع بين أيديهم ولو بالخطأ والصدفة!!! فالرعب والخوف والقلق كان الغاية والغرض.

• تخوين المخالف في الرأي وإنزال أقصى العقوبات بعائلاتهم ومدنهم وقبائلهم.

مشاريع الكراهية لم تكن عشوائية بل كانت مخطط لها وبتوجيهات من "القائد الأوحد"، ومحاولات اليوم لا تختلف أحيانا عن الماضي، وتحت قيادته وإشرافه تشريعا وتنفيذا وحتى قضائيا حيث المحاكم الاستثنائية التي تأتمر بأمره. نعم الانحطاط الاخلاقي والتفكك المجتمعي الذي وصل إليه الشعب الليبي في فترة من الفترات من الصعب تخيله. فعندما تنتهك آدمية التفكير لتختزل في انتظار بطوابير الجمعيات الاستهلاكية والأسواق الشعبية والحلم بفوز بعض الحاجات الضرورية الملحة يتجمل بها نظام الجماهيرية على الشعب السيد!!! نعم كان معمر يخون كل مخالف في الرأي ليوجه براكين الغضب في الاتجاهات التي يحددها فتتم المداهمات الحقودة وينتقي مواقيت الهدم للبيوت والمحلات بحجة العشوائية أو قد يكون لطمس معالم تاريخية كما حصل بهدم قصر الملك في بنغازي ومسح معالم طرابلسية من أجل بناء ساحته الخضراء على أنقاض ساحة الشهداء أو المسح الكامل لسوق الثلاثاء.. بمشاريع الكره والهدم بات الناس يسمون عروس البحر العاصمة "تراب.. بس".. نعم مع كل مخطط شيطاني يلهب معمر مشاعر الحقد والبغض في الناس.. ويكون التنفيس عنها بمشاريع انتقامية يسمح فيها لانتقام قبيلة من قبيلة أخرى أو انتقام طالب من معلم أو جندي من ضابط  وحتى ممرض أو ممرضة من دكاترة أخصائيين.

تبعثر الكراهية والانتقام:

مع غياب الثقة والتفكك الاجتماعي إلا أن تفاقم الكراهية وفيضانها انقلبت على الساحر معمر ليهيج الشعب وينفث بحمم غضبه على كل ما يمت لمعمر القذافي بصلة. فما أن أنتفض الشعب كان حرق "قاعة الشعب" بطرابلس والمثابات الثورية وجميع صور معمر التي تحولت بعضها إلى دواسات لمسح الأحذية على قارعة الطريق.

نعم القمع الأسري والمدرسي والإداري  خرج عاهات وشروخ نفسية انتجت ذلك الإنسان المقهور الذي تحدث عليه د. مصطفى الحجازي.. فانفجرت انتفاضة 17 فبراير التي بدأت سلمية إلا أن مواجهتها بقوة سلاح كتائب القذافي أججها لتلقي بحمم غضبها وقيح كرهها على كل ما، وكل من، أرتبط بالدكتاتور معمر.. نعم الظلم والتعذيب والألم الممارس بعنف حاقد على الكثير من الشباب الليبي فجر براكين الكراهية والغضب بل والانتقام من كل من آمن بمعمر أو حتى نافقه.

فمع غياب القيادة الداخلية والتوجيه الخارجي والإعلام المضلل المأجور حيد مسار الانتفاضة عن أهدافها البريئة بعد انتصارها والواضح أن حمم براكين الغضب أذكتها رياح خارجية لتمعن الانتفاضة وتسرف بعد ذلك في القتل والتهجير والانتقام.. وأوهم الشعب الليبي المقهور بوجود المخلص المنقذ كما صوره د.الحجازي حين قال: "الانسان المقهور يراهن على خلاصه على يد الزعيم المنقذ دون أن يعطي لنفسه دورا في السعي لهذا الخلاص، سوى دور التابع المعجب المؤيد دون تحفظ، والمنتظر للمعجزة" لنرجع إلى مربع واحد.

وشوهت الانتفاضة لتعيش ليبيا الفوضى الخلاقه بعد تمويل الصراع السياسي الحربي، يقوده زعامات هدفها السلطة، معتمدة على مخزون الكراهية الذي حرص الدكتاتور معمر على ملئه بحيث يكون جاهزا لتتحول الحياة في ليبيا إلى جمر كما قال: "ليبيا ستصبح جمر".

هل من سبيل للخروج من مستنقع الكراهية؟

مع كل الغضب والحقد المؤجج في نفوس البشر إلا أن تقوى النفوس وطيبتها تصارع فجور النفس محاولة كبح جماح حقدها.. نعم للخروج من مستنقع الكراهية الذي اسقطنا فيه الدكتاتور  معمر بسياساته المريضه والنابعة من نفسية يملؤها الحقد والكراهية تجاه الأخر.. وظلت ارتداداتها مستمر إلى اليوم بالرغم من تخلصنا منه قبل 6 سنوات.. الشعب الليبي يحتاج ليتخلص من وهم القائد المنقذ والنبش عن الإنسان في النفس الليبية التي أوغلت في القتل والدمار والحرق والفوضى مع مخالفيها.. اليوم الأنفس في الأمة الليبية تحتاج   لمن يروضها ويوقظها من سكرات الكراهية إلى الوعي بأن الحياة تتطلب ثلاثة نقاط مهمة:

• الاختلاف ناموس كوني: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"  لذا يجب قبول الأخر مهما كان اختلفنا معه فكريا، ثقافيا، سياسيا، أو مذهبيا، أو حتى دينيا.. فيظل القاسم المشترك بيننا هو الإنسان المدفون بين أضلعنا.

• سلمية الصراع السياسي: لذا يجب القبول بجميع أشكال الاختلاف سواء كانت عرقية، فكرية، أو دينية ورفض أي حرب أهلية مهما حاول القائد المنقذ تلميع صورته ووطنيته أو حتى تدينه.

• الانحياز لمصلحة الإنسان: وهذا يتطلب الاحتكام للعقل البشري الفطري مستأنسين في ذلك بأن مصلحة الإنسان تأتي بدفع الضرر عنه وهذا لا يتناقض مع كل الشرائع السماوية والأرضية.. وهنا يتطلب الوعي برفض السقوط في متاهات السلفية الرافضة للعقل والجامدة على نصوص علمائها!!!

مع الوعي والإدراك التام بالنقاط الثلاثة أعلاه  يجب علينا للخروج من مستنقع الكراهية الذي أسقطنا فيه بدكتاتورية معمر ثم سقطنا فيه بعد 17 فبراير لضعف أيماننا بكرامة الإنسان ووحدانية خالق الأمة الإنسانية والدعوة لنبذ العنف وقبول الاختلاف وحب الخير للناس.. لذلك يتطلب تقوية هذا الضعف وتجسيده في برامج من خلال المنابر الثلاثة:

• المنبر الأعلامي: تظل المسؤولية الأعظم على المنابر الإعلامية حيث بتأجيجها للكراهية وتعميق الانشقاقات والشروخ بين المجتمع الليبي فكان المنتصر والمهزم  وكان الثوار والأزلام أو الطحالب بحيث استمرت لليوم  كأسلوب وكوسيلة للإقناع.

• المنبر المدرسي: من أخطر التشوهات النفسية التي ابتليت بها مؤسساتنا التعليمية بمختلف مراحلها غياب الجائزة مقابل الخدمة فبدون أي جهد دراسي يتوقع الطلاب النجاح بتقدير ممتاز ضاربين بعرض الحائط قوله سبحانه: {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} فظل الفساد والإفساد المدرسي ينخر في سلوكيات المجتمع الليبي فكان الانكفاء للكسل وركوب أمواج عوالم افتراضية لا تمت للواقع بصلة أو الجلوس على المقاهي رافضين الدراسة والعمل مع رفع سقف توقعاتهم ليصل إلى درجات عالية ورواتب مجزية!!! ولو تطلب الأمر الاستعانة بالسلاح أو حتى كتبة مسلحة!!!

• المنبر الديني: عوضا أن تكون المساجد جوامع للناس بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية والدينية والمذهبية بدء السباق بعد انتصار 17 فبراير على حيازة منابر المسجد لتوظف للتوجهات السياسية بل استغلت للترويج لأفكار هدامة مزقت النسيج الاجتماعي وسمحت لسموم داعش بالتسلل لعقول البعض من البسطاء من أبناء وبنات المجتمع الليبي. فكان الوصول للتدعوش بالصعود إلى درج السلفية الرافضة للعقل والمعمقة لكراهية الأخر ورفض المخالف مذهبيا ودينيا.. وبالرغم من شذوذ مظهرها وغرابة، بل وشذوذ، أفكارها نجد أن أغلبية الشعب الليبي لا يرفض السلفية كما هي ترفضه بالكامل وتكفر تاريخ حياته في الماضي والحاضر وحتى المستقبل!!!

نحن في حاجة ماسة إلى اليقين بأن تجربة الصراع السياسي الحربي لم تجدي نفعا بل كلفت الشعب الليبي دفن شبابها وبتر أطرافهم رفض الاتفاق السياسي فاقم من الأزمة الاقتصادية وعمق جذور الكراهية.. واليوم  لاجتثاث جذور الكراهية المزروعة في النفس الليبية على السياسيين الرضوخ لطاولة الحوار السلمي ومطالبة المنابر المؤثرة الثلاثة: التعليمية والإعلامية والدينية.. التأكيد على احترام الأخر وقبول خياراته وحب الخير للناس  جميعا.. علينا رفض مشاريع الكراهية المبنية على الحسد والرافضة للمجتهدين في العمل والدراسة.. لتظل شموع سنة الاختلاف، وسلمية الصراع، والانحياز لمصلحة الإنسان نبراس يضيء مجاهيل أنفسنا الضائعة في تيه الكراهية الرافضة للسلم والمشككة في اختلافنا مع الأخر.. نعم بالعدالة الانتقالية علينا تقصي الحقائق وحفظ الذاكرة وجبر الضرر معنويا قبل أن يكون ماديا وفحص المؤسسات العدلية وابتداع وسائل جديدة لقيام العدل..  أخذين في الاعتبار بأنه بالحب والسلام فقط سننتصر ونبي وطن يسع الجميع.. تدر ليبيا تادرفت.

أ. د. فتحي أبوزخار

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟