أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأحد 19 نوفمبر 2017.

ليبيا بين الصقور والحمائم

بصورة مفاجئة وبسرعة متوقعه استطاعت قوات سرايا الدفاع بنغازي من السيطرة على أجزاء من الهلال النفطي الليبي، هذه السيطرة أعادت الجدل بين المدونين والمحللين السياسين في ليبيا حول جدوى الدخول في صراع جديد مع عملية الكرامة، وبدأ السؤال موجها للمجلس الرئاسي ومناصري الاتفاق السياسي عن موقفهم من هذه الخطوة، كما أن أعضاء من مجلس النواب في طبرق عددهم يصل إلى خمسين عضواً قرروا الانسحاب من الحوار السياسي.

ولفهم مايحدث لابد لنا من مدخل يقسم هذه القوى السياسية حسب رؤيتها للمشهد فهناك من ينظر للمدخل على أنه صراع أيديولوجي بين تيارات إسلامية وأخرى مناصرة لتيارات علمانية وليبرالية، وهذا ماتلمسه في كثير من الصحف الأجنبية التي تتجه لهذه السردية وأحياناً تحاول أن تخرج منها ولكنها كامنه في كافة النماذج التحليلية للصحف التي تتابع الشأن الليبي.

مدخل آخر ينظر للمسألة على أنها صراع بين ثورة وثورة مضادة، وهذا التيار يمكن أن نضع فيه قوات سرايا الدفاع، فإن الهدف الذي تسعى إليه قوات سرايا الدفاع هو تحقيق أهداف ثورة السابع عشر من فبراير، وكذلك العودة إلى بنغازي بعد أن أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق. بالطبع هناك تداخل بين المدخل الأيديولوجي والمدخل التاريخي (الثورة والثورة المضادة) لكن كلا الطرفين يرى بأن الدخول في حوار سياسي قد يسمح بتمدد عسكري لطرف على حساب الآخر.

وإذا تركنا هذه النقطة وسنعود إليها بعد قليل، فإن المدخل الآخر يمكن أن نسميه مدخلاً مؤسسياً يرى بأن استمرار الصراع بأي شكل من الأشكال قد يؤدي لانهيار الدولة وهذا قد يكون سبباً لاستمرار الصراع في غياب تام لأي عملية سياسية وهذا تاريخياً يعني الدخول في شكل نموذجي من أشكال الحروب الداخلية أو الأهلية. هذا المدخل يرفض الحرب ويرى أن الدخول في عملية سلمية في هذه المرحلة ضرورة تقتضيها الظروف الحالية وأن الأزمة الليبية أزمة سياسية تحل عبر الحوار.

هل يمكن الآن أن نقول أن الصراع هنا بين صقور وحمائم، بين من يريد أن يسيطر على المشهد ومن يريد أن يدخل في حوار شامل ؟ الإجابة : نعم ولا. نعم... أن أصحاب المدخل الأول والثاني يمارسون العنف ويقاتلون، ولا... لأنهم لايرفضون الحوار إنما يخافون أن الحوار سيكون مطية لانتصار طرف على الآخر. أما الداعمين للمدخل المؤسسي والحفاظ على الدولة فهم يرفضون الحكم العسكري ولايجدون غضاضة من وجود الجنرال حفتر في المشهد تحت سلطة مدنية.

إذا ماأردنا أن ندقق في المشهد سنجد أن الإشكال الحقيقي في المشهد الليبي هو السلطة، فالسؤال هو كيف تخضع السلطة العسكرية لسلطة مدنية، فكل الأطراف تعاني من هذا الإشكال، فما إن وقع اتفاق الصخيرات حتى خضع البرلمان لإرادة عملية الكرامة، وبدأ التلكؤ في منح الثقة لحكومة الوفاق، وفي المقابل صار المجلس الرئاسي رهين مجموعة من الكتائب المسلحة في العاصمة، حتى حكومة الإنقاذ التابعة للمؤتمر الوطني العام لايمكنها القول بالسيطرة على مجموع الكتائب التابعة لحكومة الإنقاذ إلا من خلال التمويل أو توفير الدعم اللوجستي، إذا أعدنا تصوير المشهد كعجز عن إيجاد سلطة حقيقية في البلد تدخل الليبيين في السلم كافة فإننا سنكون أقرب لتحقيق شيء عملي يمكنه أن يمس جوهر الإشكال، سيكون منطق السلام حينها كيف نجبر الجنرال حفتر والكتائب الموجودة في طرابلس وكل القوى التي تمارس العنف لسلطان المجتمع والتوافق السياسي، سيكون للقتال معنى والعنف مبرراً، ويصبح السلام ممكن حين نعرف من يريد أن يدخل في توافق حقيقي ومن يستغل الوقت لكسب مواقع ومواقف، ويكون المؤشر ساعتها (خيرهما الذي يبدأ بالسلام).

بعد الاتفاق السياسي حاول الجنرال حفتر أن يستغل الموقف ويتجه بزخم إعلامي نحو العاصمة وسيطر على آلهلال النفطي وبدا للمراقبين وكأنه ضرورة لاستقرار ليبيا وزار الجزائر وتكلم مع وزير الدفاع الروسي، وهكذا كان التفكير في إعادة فتح الاتفاق السياسي وتضمين الجنرال حفتر فيه. كان على حفتر أن ينتهز الفرصة خاصة بعد زيارة السراج فإن البروباجاندا التي أظهرته كرجل ليبيا القوي كما كتبت بعض الصحف، قد آتت أكلها وكان عليه أن يسرع في لقاء السراج لكسب ذلك الزخم. لكن فيما يبدو أن حفتر قد صدق أنه رجل ليبيا القوي وأنه قادر على قهر الجميع، وبدأ في التخلص من مناصريه من قبيلة العواقير وبعض مناصري وزير الدفاع في حكومة الوفاق كما أنه بدأ معركة في الشرق الليبي مع مناوئيه ماكان عليه أن يقوم بها، فقد انتشر الاضطراب والشك ببن أنصاره، كما أن خطاب الأمم المتحدة للأحداث في منطقة قنفودة قد تصاعد وظهرت تصريحات واضحة بارتكاب جرائم حرب في المنطقة.

لذا وفي هذا السياق أعني الخطأ القاتل الذي قام به حفتر ورفضة اللحاق بركب الاتفاق السياسي والاستفادة من الزخم الإعلامي الذي آنفقت في سبيله الملايين من الدولارات جاءت عملية سرايا الدفاع في وقتها لتعطي زخماً لتوجه عام يرفض ماحدث في بنغازي، ويطرح سؤالا حول التصور الذي ساد (وللأسف بجهل) هو سيطرة الجنرال حفتر على الهلال النفطي وأقول بجهل لأن السيطرة في مثل هكذا ظروف تحتاج لمعايرة ومؤشرات منها السيطرة لفترة طويلة قدرها بعضهم بستة أشهر وإذا عرفنا المدة التي بقيها حفتر مسيطراً على الموانيء النفطية من سبتمبر الماضي، في وجود محاولات عده لاسترجاعها يرى بأن تضمين السيطرة والبناء عليه في التحليل خطأ فادح يجعل المشهد الليبي مشهد متقلب لايحركه الفكر والعقل والمعرفة بل تتبع أصوات البنادق والقنبل وقصف الطائرات. في هذا الإطار يبقى المجلس الرئاسي والسياسيين مدعوين لفهم هذه المعادلة وهي أن كل السلطات العسكرية لن تخضع لأي اتفاق سياسي إلا بإمكانات مادية وعلاقات عامة ودعم دولي حقيقي يجب أن يخضع لسياقات ليبية وإلا كان نوعاً من الفوضي والسيولة التي هي أقرب للخنوع، و وضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ** مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى.

د. نزار كريكش

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟