أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

عودة الدولة الليبية… الضرورات تبيح المحظورات

بعد ست سنوات على اندلاع انتفاضة فبراير مازالت الدولة الليبية تعاني من الكثير من الإشكاليات الحادة والخطيرة والتي يمكن اختصارها في انعدام الأمن وفقدان هيببة الدولة واندثار قوة الجبر المادي وتوزيع القوى بين العديد من الأطراف بعد إن كانت متركزة في يد القذافي.

وبدون الخوض في مدح أو ذم الحقبة التي حكم فيها القذافي ولكن من المؤكد إن الهاجس والسياج الأمني كان هو المسيطر طيلة أربعة عقود مما انعكس على كافة مناحي الحياة واثر بصورة مباشرة على مسيرة التنمية والتحديث، وأدى انهياره إلى مضاعفات أثرت على البناء الهرمي للدولة ودخلت في تنازعات وخلافات على كافة المستويات. حتى هذه كتابة هذه الأسطر لم يستطع الليبيين إنشاء عقد اجتماعي قادر على توفير الأمن والطمأنينة والسلام، ولقد عبر توماس هوبز في القرن السابع عشر عن هذه الحالة بقوله: "إن غياب الدولة يعني غياب قانون يحتكم إليه الناس ويحميهم جميعا، ومع انعدام القانون تحل الفوضى، ويصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، وتنتشر مشاعر الخوف والحذر، ذلك هو زمن الحرب، إبان حرب الكل ضد الكل، لا شيء ينظر إليه على أنه غير عادل، وهذه نتيجة منطقية أيضا، لا مكان في هذه الوضعية لمفاهيم الصواب والخطأ ولا لمفاهيم العدل والجور ذلك أنه حيث لا توجد سلطة مشتركة لا يكون للقانون وجود". (1)

مسيرة ست سنوات بينت إن الثقافة السائدة ونمط القيم والأفكار وأفاق التفكير ومدى وصدى العقل الليبي مازال في طور التكوين والنشاءة اتجاه السياسة والحوكمة والحكم الرشيد، وأن هذا العقل مازال قاصرا على إدراك إن الاحتكاك بين الجماعات والتجمعات البشرية والصراع والتنافس ما لم يؤطر في قيم بناءة فإن الأمر سيستغرق فترة زمنية طويلة من عدم الاستقرار وعدم قيام الدولة، حيث ترتبط كل هذه القيم بنمط الثقافة السياسية السائدة.

بعد هذه المسيرة المؤلمة والأليمة فان الأمر لا يمكن معالجته إلا بظروف استثنائية وبسياقات طارئة وبخطوات قد تبتعد عن المسار الديمقراطي  وهي نفس السياقات التي دعي إليها توماس هوبز عندما حاول الدعوة للحكم المطلق ومنح الملك سلطات مطلقة نتيجة للوضع المتردي الذي ساد في بريطانيا والحرب الأهلية التي اندلعت بين البريطانيين. (2)

وهنا يثور السؤال التالي: أيهم يشكل أولوية ملحة وعاجلة ومستعجلة في ليبيا: هل هي الديمقراطية بتفاعلاتها وآلياتها وأنساقها المتعددة وقيمها المتعارف عليها،  أم الأمن والاستقرار وعودة كيان الدولة؟

للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعترف أن المشكلة الرئيسية التي تشكل المشهد الليبي تتركز حول نقطتين رئيسيتين: الأولى:  انهيار الدولة وتوزع هيبتها وقوتها بين كثير من الكيانات سواء كانت قبلية أم جهوية أم مناطقية أم حزبية مما انعكس سلباً على فقدانها للسلطة القوية القاهرة القادرة الآمرة. الثانية: إن السياسيون على اختلاف مشاربهم وتنوع انتماءاتهم وتعدد ولائاتهم لم يستطيعوا الاتفاق على القيم التي يمكن من خلالها عودة الدولة ولا حتى الاتفاق على الحد الأدنى من استمرار القطاعات الخدمية وذات الأولوية فيما يخص معيشة الناس، ولهذا فلا وجود لأي ضوء سياسي في النفق المظلم على المدى القصير، لان أي محاولة للبناء الديمقراطي مالم ترتكز على القيم المصاحبة والعوامل المساعدة والآليات الداعمة فلن يكتب لها النجاح.

شكلت الانتخابات التي جرت في 7/7/2012 بداية جيدة لمسار ديمقراطي جيد فقد مثّلَ العدالة والبناء وتحالف القوة الوطنية مجالا التنافس والصراع  على المكاسب والمناصب وعلى الاستحواذ على السلطة ورغم الصعوبات والعقبات في هذه المسيرة ألا أن الأمر كان يدور في مجال الصراع السلمي المدني فقط.

بدا المسار الديمقراطي يأخذ مسار التعرج وعدم الوضوح عندما تم إسقاط حكومة زيدان بعدد 47 صوت مما أدى إلى دخول البلاد في منعطف خطير جداً وفراغ سياسي أكثر خطورة وصراعات ومشاحنات وسياقات لا يمكن أن تؤدي للاستقرار، بل كانت بوصلة الدولة تتجه إلى مزيد من الارتباك وعدم الاستقرار وسيكون الأمر أكثر تعقيد في المستقبل (لقائي مع قناة النبأ: من الدقيقة 35 - إلى 1:14).

بعد المسارات السلمية المدنية والتي تمثلت في حركة لا للتمديد، ومقترحات لجنة فبراير، والانتخابات التي تمت تحت إشراف الأمم المتحدة، جاء التحول الجذري والخطير والمؤلم والناسف لبذرة بناء الدولة  عندما أعلنت الحرب في طرابلس يوم 14/7/2014 حيث بدأت الدولة تواجه عاصفة هوجاء أطاحت بمسارها الديمقراطي مما أدى إلى احتراق المطار، ومغادرة شركات الطيران والبعثات الدبلوماسية والشركات الأجنبية لليبيا، وازداد الأمر تعقيد بعد إعلان الانقسام المؤسساتي في أجهزة الدولة وأصبح هناك جهتان تنفيذيتان وتشريعيتان، وتردى الوضع الاقتصادي والمعيشي أكثر وانخفضت قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية ونقصت السيولة من المصارف واندلعت بعض الحروب القبلية هنا وهناك.. وتجسدت مقولة هوبز على حقيقتها في ليبيا بعد أكثر من خمس قرون  "إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وانفصمت عرى الأخلاق والحق والقانون والعدالة.

ازداد الأمر قتامه وسوداوية بعد الدخول في مسلسل حوار الصخيرات وتنقل الفرقاء بين عواصم ومدن العالم محاولين أن تتوفر لهم بيئة قادرة على جمع قلوبهم وعقولهم على إعادة الدولة ولو في حدها الأدنى ومحاولة الابتعاد عن ضغوطات الداخل وكانت هذه المدن والعواصم اقرب إليهم من الكثير من مناطق وقرى ومدن الداخل، وبعد سنة من الجولات المكوكية والاجتماعات التقابلية وألا تقابلية أعلن المبعوث الاممي لليبيا السيد ليون مقترحه حول كيفية إدارة الخلاف بين الفرقاء وتشكيله لمجلس رئاسي بتسع رؤوس،  حيث تبين أن هذه المقترحات ستزيد من  تفتيت الدولة من خلال منح حق التصويت والاعتراض للجميع مما عسر وأُجهض الكثير من القرارات، بل كان الاختلاف هو المسيطر على أعمال المجلس لدرجة تعليق بعض أعضائه أعمالهم وانسحاب آخرين، وبقي رئيسه يتنقل من دولة لأخرى يجوب البلدان باحثاً عن بارقة أمل يمكن أن تدعمه أو تقدم له المساندة، وما كان يدرك أو يَعقِل أن الدعم الحقيقي الذي يجب التركيز عليه الذي يستمده من الداخل ، ولهذا كانت الصخيرات مجرد محاولة لاستمرار الفوضى وعدم الدفع نحو تركز السلطة التي تحتاجها الدولة لممارسة وظائفها بغض النظر عن طبيعة هذه الدولة أو طبيعة نظامها السياسي.

أن النقطة الجوهرية والرئيسية التي يجب التفكير فيها خاصة بعد تحرير مدينة سرت من تنظيم الدولة، وتحرير المواني النفطية من الجماعات الإرهابية والمليشيات، والاستمرار في تصدير النفط، وفتح صمامات المنطقة الغربية هو كيف يمكن توظيف هذه الانتصارات والنجاحات في جلوس الأطراف الفاعلة على الأرض للقيام بتنازلات متبادلة من اجل عودة الدولة وبث الحياة في جسدها ولو في حده الأدنى، والاهم إعادة توزيع السلطة بطريقة  تستنطق الواقع الفعلي لتوزيع القوى والتركيز على الهدف الأساسي آلا وهو: كيف يمكن إعادة الدولة؟

إن هذا يتطلب من هذه الأطراف أن تعي أن الأمر يحتاج إلى بعض القناعات والمسلمات والخطوات التي يجب أخذها في الاعتبار والتي أهمها: تقديم التنازلات المتبادلة للأطراف الفاعلة على الأرض لان الأمر قد يزداد تعقيد ويتم فقدان السيطرة مما قد يؤدي لتأكل الدولة الليبية وربما تقسيمها أو على الأقل جعلها تحت الوصاية الأجنبية وعندها لن تنفع أي تنازلات ستقدم لان الأمر سيكون خارج دائرة سيطرة كل الأطراف.

إن إعادة الدولة وفرض هيبتها يتطلب التضحية بأطراف على حساب أطراف أخرى، وهذا الأمر لابد منه، لان قوة وسلطة الدولة يجب أن تتركز في أضيق نطاق لممارسة سلطتها على الجميع دون استثناء، وان التضحية بهذه الأطراف سيكون ضرورة ملحة وعملية مستعجلة.

إن المسار الأمني والعسكري يجب أن يكون هو المسيطر والمشرف على إعادة الدولة، لأنه وحده يملك قوة التأثير والإجبار والإكراه والتنفيذ، وهو وحده القادر على أن يوفر الأمن والطمأنينة والاستقرار لأجهزة الدولة التنفيذية للعمل في مناخ أمن بعيد عن المليشيات والجماعات الإرهابية.... مالم تتدارك الأطراف الليبية نفسها وتلملم ما تستطيع لملمته لعودة الدولة فإن القادم سيكون مروع ولن يكون رائع بالمطلق.

د. عارف التير
عملن، الأردن، 24/2/2017

(1) توماس هوبز - اللفياثان: الأصول والطبيعية والسياسية لسلطة الدولة (1651) - ترجمة ديانا حرب - هيئة ابوظبي للثقافة والتراث - 2011.

(2) الحرب الأهلية الإنجليزية هي سلسلة من الصراعات المسلحة والسياسية التي وقعت بين البرلمانيين والملكيين بين عامي 1642 و1651. امتدت الحرب الأولى بين عامي 1642 و1646 والثانية بين عامي 1648 و1649. ولقد أعلنهما مؤيدو الملك تشارلز الأول ضد أنصار البرلمان، في حين شهدت الحرب الثالثة (1649-1651) القتال بين مؤيدي الملك تشارلز الثاني وأنصار البرلمان. انتهت الحرب الأهلية مع النصر البرلماني في معركة وورسستر في الثالث من ايلول / سبتمبر عام 1651، أدت الحرب الأهلية إلى محاكمة وإعدام تشارلز الأول، ونفي نجله تشارلز الثاني، واستبدال العهد الملكي الإنجليزي في بادئ الأمر بكومنولث إنجلترا (1649-1653) وبعد ذلك بمحمية (1653-1659)، تحت السيادة الشخصية لاوليفر كرومويل. وصل احتكار كنيسة انكلترا للعبادة المسيحية في انكلترا إلى نهايته. دستوريا، أقامت هذه الحروب قاعدة غير مسبوقة بموجبها، يستحيل على الملك البريطاني أن يحكم دون الحصول على موافقة البرلمان. ولكن هذا لم يصبح راسخا إلا مع الثورة المجيدة في وقت لاحق من هذا القرن السابع عشر.

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟