أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017.

الأزمة في ليبيا بين مخاوف الداخل وتجاذبات المحاور

عنوان الصّراع الجديد: "الثنائية" التي يجب أن يقاومها اللّيبيون...

إن ليبيا نموذج متفرد في الإقليم من حيث المقومات والتركيبة والواقع الميداني.. أعني بالذات أن واقعها لا يسمح بنجاح نهجِ إلغاء ولا إقصاء.. فالجميع يمتلكون السلاح.. كثيرا من السلاح.. والمال.. والمطارات.. والمنافذ.. والتحالفات.. ولن يؤدي الشقاق إلا المزيد الدماء..

ليبيا لا تحتاج استيراد نموذج تسوية ولا نموذج اجتثاث.. فهي لا تمتلك نخبة علمانية استئصالية معادية للدين والهوية وعاشقة للتغريب تحنّ إلى الماضي الاستعماري كنخبة التونسي محسن مرزوق خرّيج مدرسة فريدوم هاوس الذي أُتخِمَ بدولارات قطر قبل 2011، وأموال الإمارات بعد 2013 ومن هُم على شاكلته !! شعب ليبيا متمسك بهويته، وأطرافه المتنازعة اختلفت على السلطة وليس على ديانة البلد أو تحكيم كتابه أو إعادة الهيمنة الاستعمارية على دولته!! لا أحد يجرؤ على طرح هذا الهراء في ليبيا أيّا كانت مرجعيته الأيديولوجية أو طموحاته..

لذلك، فالتحذير من خطر إسقاط المؤسسة العسكرية في مصيدة أحلام السلطة من بوابة محاربة الإرهاب أمر لا بدّ منه.. ومحاربة الإرهاب لا تعني الانخراط في معارك دولية على الإسلام، سبق لليبيا أن تصدّت لها مرارا عديدة وقاطعت من اجلها بلدان كثيرة قبل 2011.. لكلّ موقفه ولكلّ مخاوفه من ظاهرة الإسلام السياسي، لكن الاختلاف معه يجب أن تحسمه الصناديق والإرادة الشعبية الحرة، والاختيار الواعي الوطني، وليس باستضافة حثالات النخبة العلمانية المتمسحة بأقدام الفرنسيين، والباحثة عن حلفاء إقليميين "موضوعيين" لتستفيد منهم في معارك التخويف الداخلي

لقد فشل النموذج الإسلاموي المتطرف في فرض نفسه على الليبيين، لكن الفشل ينتظر أيضا النموذج العلماني المتطرف الذي سيجد حفتر نفسه أسيرا له بعد اتخاذه حليفا موضوعيا في واقع ليبي له خصوصياته لا يحتمل أن يضيف الدين إلى قائمة خلافاته..

ليبيا تحتاج نموذجا يجمع أبناءها، ولن ينفعها النموذج التونسي ولا النموذج المصري ولا النموذج العراقي ولا غيره..

وإذا كان لوجود تيار الإسلام السياسي حاليا محدداتٌ عدّة كالتمدد الايديولوجي والقدرات العسكرية والمالية، فإن المحدد الوحيد لوجود حفتر حاليا هو القوة العسكرية.

وإذا أراد كل من الطرفين الخير لليبيا حقيقة، فإن المطلوب هو التوقف عن استهلاك الخطاب الإلغائي في الداخل والخارج.. حيث لاحظنا حرب تصريحات إقصائية من الجانبين خلال الأيام الماضية [تصريحات عبد الحكيم بلحاج مؤخرا بأن حفتر لن يحكم ليبيا حتى ولو أدى الأمر إلى حرب.. وأنه سبب رئيسي لفشل الحوار..الخ] و[حديث حفتر الأخير على فضائية مصرية بضرورة القضاء على الإخوان، ودخوله في تقييمات بدائية حول الصدق والنفاق والتقيّة وغيرها..].. وسقوط كل من المعسكرين في تسطيح الأمر وحصره في مسألة حرمان الآخر من الحكم يعني أمرا واحدا، هو أنه لا دور لليبيين ولا قيمة لهم سوى أنهم سيكونون وقودا لصراع الخصوم.. وسيكونون حطبا للنار التي لن يتورّع حفتر وخصومه عن إشعالها في أي وقت إذا تعرضت أطماعهم في السلطة إلى تهديد حقيقي..

قد ينفع الخطاب الاستئصالي في كسب داعمين ومموّلين ومتاجرين بالعداء والشقاق بين الليبيين من الخارج، ومن دويلات اختصّت في تمويل الحروب والقتل كي تمنع وصول النيران إلى عروشها ومخادعها المخمليّة.. لكنه بالقطع لن يجرّ غير الويل والهلاك لليبيين كافة..

وإن الجهة التي يقع عليها اللوم ويُخشى عليها بالفعل في هذا الظرف ليست معسكر الإسلاميين، فهؤلاء مرتاحون للأوضاع في العاصمة وحسموا معادلة الصراع هنالك، وهُم يريدون أن يشغلوا حفتر في صراع لا ينتهي في "مناطقه".. بل الخشية على المؤسسة العسكرية التي تبدو منقادة بشكل كامل لمخطط استدراجها نحو السلطة، قد يقودها إلى خندق خطير ستواجه فيه ليبيين لا يمكنها إلغاؤهم بسهولة، وستذهب في الحرب التي يريد الآخرون جرّها إليها إمكانيات وقدرات يتمنى الليبيون أن يوجّهُوها للدفاع عن بلدهم وليس لخوض حرب أهلية جديدة..

وإن الانسياق خلف موجة العداء للإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب، أو الاسترسال في ترديد اسطوانة فشلت في بلدان كثيرة لا يخدم مساعي التسوية التي يعكف عليها الجوار، ولا يعطي إشارات أمل ولا طمأنة لليبيين.. أما الخصوم فهو لن يؤدي إلا إلى مزيد استنفارهم وتهييجهم..
..علينا أن نتسأل هل هي أزمة بطانة أم رعونة شخصية أم عمى استراتيجي؟

للأسف، لا بد من الإقرار بأن معسكر حفتر يتجاذبهم تيار خطير قد يؤدي بليبيا إلى مأزق حقيقي.. فكون الرجل يحارب الإرهاب لا يعني أن يتحالف مع قوى تعيش على التآمر وتسترزق من الفتن وتقتّل الجميع .. وكونه "وطني" لا يعني أن يستورد لليبيا نموذجا مشبوها ويفرضه بالقوة العسكرية..

إن حفتر بصدد القيام بتعبئة فعلية للمعسكر الخصم، ويدفع في كثير من الليبيين إلى عدائه... لكن المجتمع الليبي بعد المحنة ليس مطلوبا منه يكون مع الإمارات ولا مع قطر بل مع نفسه.. وفكرة الاستئصال والاجتثاث فشلت في العراق وأغرقت مصر في الدم والحقد والفوضى غير المعلنة والفشل الاقتصادي... أما المدعو محسن مرزوق فهو لا شيء في المعادلة داخل تونس، لكنه عنوان لنموذج مطلوب في الإقليم أو بالأحرى مطلوب إماراتيا، وذهابه إلى حفتر القصد منه الاستقواء على الداخل التونسي وتسجيل "أهداف" أو هكذا يُخيّلُ إليه.. ولو أن هنالك من يريد أن يدرجها في إطار الرّد على زيارات الغنوشي إلى الجزائر، رغم اختلاف السيّاقات.

من الذي بإمكانه اليوم أن يجيب عن سؤال حائر:
ما الذي يمكن لحفتر وهو بهذه الرؤية أن يضيفه إلى ليبيا الحالية؟
لن يضيف شيئا غير إطالة الأزمة... وسلوكه أمام الإعلام شحن المعسكر الآخر وكرّس لديه مخاوف الإلغاء والاجتثاث.
لا شكّ أن المتابعين قد لاحظوا احتفالات مدن (فجر ليبيا) بذكرى فبراير هذا العام.. ولا شكّ أنهم قد رأوا أنها أكثر كثافة من العام الماضي!! طبعا.. لأن الشحن والتخويف والتعبئة التي سبّبتها رسائل حفتر العدائية وانغماسه المتصاعد في الشأن السياسي بدل الشأن العسكري قد أتى أكله..وأجّج المشهد في مناطق خصومه، وانتقل الأمر إلى المواطن التابع الخائف أو المتردّد بفعل التأثير والتأثر..
بالنتيجة..

أعلم أن هذا الكلام مُوجع ومؤلم للبعض.. لكن مادام الأمر يتعلق بالوطن، فلا مناص من طرحه.. لأن ليبيا يُراد لها اليوم أن تكون تابعا حقيقيا لبلدان أخرى، وربما يتم إرغامها على دفع فواتير مالية وأخلاقية وبشرية لحروب وهمية.. أو ربما يجري توظيفها لمصلحة طموحات جنونية، أو لامتصاص مفاعيل صراعات وشقاق بمجتمعات أخرى.. فهل يقبل الليبيون الدخول في دوامة عنف وصراع جديدة لمجرد أن التزامات واصطفافات بلدان أخرى قد اقتضت ذلك ؟ وهل يمكن لليبيا بتركيبتها وثقافة أهلها أن تتعايش مع حكم استبدادي أو متطرف سواء نحو اليمين أو نحو اليسار. وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى غير التقسيم المؤكد أو الاحتراب اللانهائي؟؟..

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟