أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الخميس 16 نوفمبر 2017.

لصوص الرمال

"أحاول سيدتي أن أجدك خارج كل الطقوس، وخارج كل النصوص، وخارج كل الشرائع والأنظمة... أُحاول سيدتي أن أُحبكِ في أي منفى ذهبتُ إليه لأشُعر حين أضُمكِ يوماً لصدري أني أضمُ ترابَ الوطنْ".. لم يكن نزار قباني يعلم حين قال هذه الكلمات الرائعة في الوطن إنه قد يرجع يوماً إلى ذلك الوطن الذي اشتاق اليه ولايجده ولايجد من ترابه شئ حتى... لم يأتي على بال الرجل أن ليست الأوطان فقط هي مايباع، بل حتى ترابها ورمالها!، لما لا وقد باعت الأردن يوماً ما تربتها لإسرائيل، ووهبت أم الدنيا غازها لها ! فلم لا نبيع نحن رمال الوطن؟

في أغلب الأحيان أميلُ لقرآءة وكتابة تلك المقالات التي تحتوي على الأحصائيات العلمية والارقام الواقعية... ولا أحبذ كثيراً تلك المبنية على كلام المشاعر والعواطف والتحاليل، ولعل ذلك يرجع سببه إلى خلفيتي العلمية، أو لربما لإعتقادي بجدوى هذا الأمر في إقناع القارئ بفاعلية أكثر، إلا اني بدأت هذه المرة بشئ من العاطفة لِما أصابني من أسى وحزن حال سماعي رغبة البعض لدينا وعزمهم على بيع رمال شواطئنا البكر... فلا أدري هل رغبتهم تلك ناتجة عن جهل مدقع بخطورة هذا الأمر، أم عن طمع في بعض الدراهم المعدودة؟ لهذا السبب عزمت على الكتابة في هذا الموضوع بمنطق الأرقام لنستبين خطورة وجرم هذه الفعلة -إن حدثت- والتي ستكون ضحيتها بكل تأكيد الأجيال القادمة. كما أننا لن نتكلم عن الموضوع من باب أن تراب الوطن غالي ولايجب التفريط فيه، وخائن من يفعل ذلك، لا.. فهناك دول كثير تتكسب من هذا الأمر خاصتاً تلك التي تمتلك مساحة كبيرة من الأراضي وغنية بالمصادر الطبيعية... فأستراليا مثلاً تعتبر أهم الدول المصدرة للرمل وتعتبره مصدر للدخل القومي، فيصل دخلها السنوي من تصدير هذا العنصر إلى 70 مليار دولار. لذا سنتحدث عن الأمر من وجهة النظر العلمية، والأثر البيئي على التحديد.

نشأت رمال الشواطئ من ملايين السنين من تدفق مياة الأنهار من أعالي الجبال وسيرها عبر الوديان والسهول لألآف الكيلومترات، جارفةً معها الطمي والوحل، لتصب في النهاية في البحار والمحيطات تاركةً ورائها على الضفاف تلك المادة الناصعة والمتلألئة والتي تسمى الرمل؛ تلك المادة التي تشكل الشواطئ الجميلة والخلابة التي نراها ونتمتع بها اليوم. ولعل الكثير منا لايعلم بأن الرمل مادة نادرة في الكون وغير متجددة، ولايرتبط إسمُها فقط بالإستجمام والإستلقاء عليها تحت الشمس، أو اللعب عليها... كلا فالأمر يتعدى ذلك بكثير. فعلى الرغم من أن الرمال مادة متوفرة بكثرة وبكميات كبيرة على كوكبنا ، إلا إنها عنصر قابل للنفاد والفناء ولايمكن تعويضة بأي حال، الأمر الذي يعني أنها مادة غير متجددة؛ ويرجع السبب في ذلك إلى حجم الأستهلاك الهائل والإقبال الكبيرعلى هذا العنصر والذي بدونه لا يمكن للحضارة البشرية أن تستمر، كما أن عملية إنشاء السدود المائية بشكل متزايد أدى إلى تقليل فرصة تكون الرمال في المستقبل نتيجة لمنع تدفق تدفق المياة وماتحملة من مواد اساسية تدخل في دورة حياة تكون كل حبة رمل، ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد 80,000 سد، أما في الصين فيصل عدد السدود إلى 140,000 سد، إضافة طبعاً إلى آلآف السدود الأخرى حول العالم، مما سيحول من وصول أو تكون الرمال -بمنع وصول مياه الأنهار إلى مصباتها- بحوالي 50%.

للرمل أسواق كبير حول العالم، وطلب لامحدود، ونشأت نتيجة لذلك مافيات عالمية لتجارة وتهريب الرمال؛ نتيجة لأهميته ودخوله في عدد من الصناعات المهمة والحيوية منها على سبيل المثال لا الحصر: صناعة الزجاج، صناعة السيلكون والذي يدخل بدورة في صناعة اشباه الموصلات وشرائح الكمبيوتر والهاتف النقال وآلات النقود وباقي الآلآت الألكترونية ذات الذكاء الصناعي، كما يدخل الرمل في صناعة مواد التنظيف والتجميل والزينة، وفي صناعة أجزاء كثيرة من الطائرات... إلا أن أهم مجال يدخل فيه الرمل هو مجال البناء والتشييد، نتيجة للصفات المميزة التي تتوفر في رمال الشواطئ وإنخفاض تكلفة إنتاجها؛ لهذا يعتبر الرمل من أهم المكونات التي تدخل في عملية البناء، حيث يخلط الرمل مع الأسمنت ومواد أخرى -منذ 150 عام- لتكوين مايعرف "بالبيطون" او مايسمى باللغة الليبية الدرجة "العجنة". فإذا ماتحدثنا بلغة الأرقام، يمكننا القول أننا سنحتاج إلى 200 طن من الرمل لبناء منزل إعتيادي، ونحتاج إلى 3,000 طن لبناء مبنى ما متوسط الحجم مثل مستشفى، أما عملية رصف وتعبيد الطرق السريعة فنحتاج فيها إلى 24,000 طن من الرمال لرصف كيلومتر واحد من الطريق المعبد، أما اذا قررنا بناء مبنى ضخم مثل مفاعل نووي؛ فإننا سنحتاج إلى 12 مليون طن من الرمال. ويقدر الإستهلاك العالمي للرمل في السنة الواحدة بحوالي 15 مليار طن، وهي كمية كبيرة جداً خاصتاً إذا ماقارناها بشح مصادر الرمال وعدم تجددها كما أشرنا سابقاً، لذا يمكن إعتبار الرمال هي المادة الخام الأكثر إستخداماً وإستهلاكاً على الإطلاق بعد الماء. وكنتيجة طبيعية لتطور الحظارة البشرية ومايصحبها من تطور تكنولوجي ومعماري كبير، زاد الطلب على رمال الشواطئ إلى الدرجة التي أصبحت مادة ثمينة ونادرة نتيجة للإستلاك الجائر لها؛ لهذا السبب يتم اللجوء إلى قاع البحار والمحيطات لجرف الرمال من أعماقها السحيقة، وهو المصدر الأكبر، والأهم للرمال في الوقت الحالي بعد توقف كثير من الدول عن بيع رمال شواطئها. تستخدم لهذا الغرص آلات عملاقة خاصة يكلف صنعها مابين 20 إلى 150 مليون دولار حسب حجمها، هذه الوحوش الحديدية يمكنها سحب مامقداره 400 ألف متر مكعب من الماء المختلط بالرمال، فتقوم بفصل الماء عن الرمال، وإعادة ماء البحر من جديد، ويتزامن مع هذه العملية -للأسف- سحب كل الكائنات المتواجدة في منطقة العمل مما يؤدي إلى فناءها وإحتمال تعرضها للإنقراض لاحقاً، كما يموت البعض الأخر نتيجةً للخل الحادث في النظام البيولوجي.

وتعبر إمارة دبي مثال واضح على عملية إستهلاك الرمال بشكل جائر، إذ تعتبر الإمارة من أكبر الدول المستوردة والمستهلكة للرمال، فقد بنُيت جزيرة النخلة بتكلفة قدرها 12 مليار دولار، واُستهلك فيها 150 مليون طن من الرمال، إضافة إلى إستهلاك كميات مهولة من الرمال لإنشاء الجزيرة المسماه جزيرة العالم والتي كلف بنائها إلى الأن 14 مليار دولار ولم يكتمل العمل بها بعد. وقد يتسائل القارئ قائلاً؛ لماذا تستورِد إمارة دبي الرمال وهي الدولة الصحراوية المتاخمة للصحراء والتي من الطبيعي أن يكون لديها كميات غير محدودة من الرمال، والقريبة أيضاً من كل تلك المشاريع؟  والسبب يرجع لكون رمال الصحراء تختلف في صفاتها وتركيبها، وفي حجمها عن رمال الشواطئ حيث تكون الحبيبات في الأولى أكبر حجماً وغير قابلة للتماسك بجوار بعضها مما سيجعل اي مبنى ينهار على الفور إذا ما أُسُتخدم في إنشائة رمال الصحراء.

أما سنغافورة فتحل في المرتية الثانية بعد إمارة دبي في حجم وارِداتها من الرمال، وتعتمد إعتماد كبير على هذه المادة في التوسع المدني وفي حل مشاكل الكثافة السكانية، فقد إستطاعت من خلال الرمال أن تُضيف 20% من مساحتها إلى الأراضي القابلة للتعمير خلال العشرون سنة الماضية أي مايعادل 130 كيلومتر مربع، وتطمح أن تزيد المساحة المضافة إلى اليابسة لتصبح 230 كيلومتر مربع بحلول العام 2030، ولازالت شهية سنغافورة لرمال الشاطئ في تزايد مضطرد إلى الدرجة التي اثرت سلباً على الدول المجاورة والمصدرة للرمال مثل: كامبوديا، وفيثنام، ماليزيا، اندونيسيا والتي أوقفت جميعها عملية تصدير الرمال بشكل رسمي نتيجة للأضرار التي ظهرت حصيلة لذلك، وبالرغم من ذلك عمليات التهريب لاتزال مستمرة لإشباع النهم السنغافوري للرمال.

أما فيما يتعلق بالأضرار الناجمة من جرف الرمال من قاع المحيطات فتتمثل في إختفاء كثير من الأحياء البحرية الدقيقة مما ينتج عنه شح الثروة السمكية الأمر الذي يؤثر بدورة على سكان تلك الدول ممن يمتهنون حرفة صيد الأسماك، فيفقدون بذلك مصدر دخلهم الأول. ومن أضرار جرف الرمال من قيعان البحار والمحيطات أيضاً؛ حدوث هوة كبيرة في القاع، ومع حركة الأمواج يتم سحب رمال الشاطئ لتتحرك تدريجياً إلى الأسفل وفي إتجاه القاع حيث تلك الهوة الناتجة عن عملية الجرف، لملئ تلك الهوة ولكي يتساوى مستوى الرمال في القاع، هذا الأمر يقلل بكل تأكيد من كمية الرمال على الشاطئ إلى الدرجة التي تجعلها تختفي تماماً، فيتعرى الشاطئ ويصبح خالي من الرمال. في حال خلو الشاطئ من الرمال -سواء كان ذلك نتيجة لكشط الرمال مباشرة من على الشاطئ، او من خلال شفطها من القاع- سيؤدي هذا الأمر إلى تمدد البحر وإبتلاعة لجزء من اليابسة تدريجياً، حتى وإن كان الضفة صخرية، فستتأكل مع الزمن من خلال اللطم المستمر للأمواج لها، ولمعرفة هذا الاثر ماعلينا إلا النظر لتلك الصخور المدببة على الشاطئ، كما يمكن لمياه البحار المالحة أن تتسر للمياه الجوفية للمدن القريبة من الشاطئ في غياب الرمال. وتبين لعلماء البيئة أن الصخور الصناعية التي تُستخدم لحماية الشواطئ في حال غياب الرمال غير كافية لحماية اليابسة إذ أن لمياة البحر القدرة على أن تتسرب من بين تلك الصخور لتصل إلى اليابسة وتأثر فيها مع مرور الوقت. أي أنها غير ذات جدوى كبيرة على المدى البعيد كوسيلة حماية، زد على كل ذلك أن عملية جلب رمال شاطئ ما لتحل محل رمال شاطئ آخر لن تحل المشكلة، حيث لُوحظ أنها تتبعثر وتذهب هباءً إلى قاع المحيط نتيجة لعدم تماسكها!.

ومن امثلة الأضرار البيئية الكبيرة ألتي حدثت نتيجة لكل ذلك؛ إختفاء مايزيد عن 25 جزيرة من الجزر الأندونيسية، إختفاء كامل من الوجود !، كما هُجرت ألألآف من جزر المالديف لعدم صلاحية العيش عليها الأمرالذي أدى إلى ندرة الأراضي الصالحة للإعمار وبالتالي حدوث أزمة سكن، كما أختفت كثير من الشواطئ الخلابة في المغرب وأصبحت صخرية ذات منظر قاتم غير جذاب، ولاتزال حكومتى ولاية فلوريدا وكاليفورنيا تكافحان لتقليل الأضرار الناجمة عن سحب رمال الشواطئ من قاع المحيط حيث تأثرت 90% من الشواطئ، الأمر الذي أثر سلباً على صناعة السياحة.

مما سبق يتضح لنا أهمية الرمال وأنها الحاجز المنيع لتآكل اليابسة أمام القوة الجبارة لإمواج البحار والمحيطات، ولإتمام دورة النظام البيولوجي، ويغفل الكثير بكل أسف عن أهميتها؛ لذا نطالب بإيقاف أي عملية بيع لتلك المادة المهمة والتي سيتوقف علها بكل تأكيد مستقبل الأجيال القادمة، والتي ستلعنا بلا شك إذا لم نقف ضد هذا العمل الأرعن.

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟