أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 22 نوفمبر 2017.

تونس .. و مشهد سياسي ضبابي قادم فى الطريق

تمّ يوم 30 يوليو الماضي سحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد التونسية في جلسة برلمانية تكاد تُعجز المحلّلين عن الإمساك بدلالاتها من فرط إغراقها في “المجاز السياسي”. المشهد كله كان مجازا ممسرحا على طريقة “أوجان يونسكو”، طريقة أشبعت غرور كل الفرقاء على تناقض خطاباتهم التي حرصوا على شحنها بكل ما استجمعوا من حيل بلاغية ركيكة للتأثير على مشاهد لم يصدّقوا أنه يحتاج رجة /معجزة ليستعيد القدرة على تحمّل حديث في السياسة  يسرف في الفصاحة ليخفي تفاصيل “سقوط” جماعي مدوّي من سماء حلم ديمقراطي لم يفقد كل أسباب “غوايته” بعدُ.

ديمقراطية خارج العدم “المحبط” والفائض “المخادع”:

الذين واكبوا جلسة سحب الثقة من شخص السيد حبيب الصيد احتاجوا قدرا كبيرا من حس الفكاهة والعبث ليستوعبوا التقاء الجميع ( الأصوات الثلاثة المجددة للثقة هامش إضافي للعبث، والأصوات ال27 المتحفظة إمعان في “الفرجة” على مشهد جدير بالشماتة…) على سحب ثقة أعطيت من نفس النواب لنفس الحكومة منذ 17 شهرا بأغلبية تقارب البيعة. كل النواب تقريبا اتفقوا، رغم التناقض الظاهري في الخلفية والمبررات، على عدم التجديد للسيد حبيب الصيد . المعارضة بدعوى أنها لم تصوّت لصالح الحكومة منذ البداية بما يجعلها في حلّ من أي التزام سياسي أو أخلاقي معها ، فضلا عن أنها وجدت في الجلسة البرلمانية المذاعة مباشرة للشعب “الافتراضي” فرصة إثبات فشل خيارات الإئتلاف السياسي الحاكم. وائتلاف حاكم يصرّ على رحيل السيد حبيب الصيد رغم اختلاف مكوّناته الحزبية في طرق التعبير عن هذا الإصرار. طرق تراوحت بين “صلف وعنجهية” كان يمكن لأصحابهما الاستعاضة عنهما بإجراءات دستورية كافية لتغيير رئيس حكومة لم يعد يتفق مع أولوياتهم السياسية (على افتراض أن مبادرة الحكومة الوطنية تقوم على خلفية سياسية خالصة)، و”دماثة لفظية” لم تفلح كثيرا في إخفاء الحرج الأخلاقي والسياسي العميق في مديح شخص رئيس الحكومة كمقدّمة لمطالبته بالرحيل.

كانت الجلسة البرلمانية فصلا سياسيا طريفا منفتحا على قراءتين متناقضتين بين من يراها:

– لوحة جدل سياسي مدني برلماني ديمقراطي يفيض تقدّما قوامه مساءلة شعبية(عبر نواب منتخبين) لحكومة لم تنجح في الوفاء بتعهدات مكوناتها الحزبية أمام ناخبيها ، بما استوجب حجب الثقة عنها تمهيدا لنقل هذه الثقة إلى”حكومة وحدة وطنية” تقتضيها المرحلة. المشهد في ظاهره يكاد يكون “مثاليا” في سياق عربي إسلامي عالمثالثي وفي محيط عربي تعمّه فوضى تجاوزت دمويّتها الخيال. هذا “الظاهر الديمقراطي” لم يعدم نوابا مدافعين عنه ، فتحدّث بعضهم عن يوم تاريخي في مسار الديمقراطية الجديدة في تونس ، قوامه انتقال سلمي مدني مؤسساتي للحكم.

– مقابل لوحة “الفائض الديمقراطي” التي لا تخلو من تماسك ولو كان شكليّا و”مخادعا” ، تقوم قراءة نقيضة يمكن تسميتها بلوحة “العدم الديمقراطي”. قراءة تعتمد زوايا نظر أخرى لتفاصيل الجلسة البرلمانية الممسرحة بإتقان ظاهر وركاكة “أظهر”. مؤدّى هذه القراءة هو أن المشهد  الديمقراطي تسيّره من وراء حجاب لوبيّات فساد ومراكز نفوذ محلية واقليمية ودولية تحرّك فاعلين محليين صغارا ممتلئين بوهم القدرة على الفعل ، أو قابلين بوعي وطواعية بدور الوكيل الداخلي لأجندات دولية تمتلك كل وسائل الضغط المالي والسياسي والتوجيه الإعلامي والتدخّل العسكري ( وهذا الحديث ليس رجما بغيب أمام المآسي الدائرة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن…). هذا الإعتقاد بوجود ” مؤامرة ” يستمدّ حجّيّته من غموض خلفية الدعوة الرئاسية المفاجئة لتشكيل حكومة وحدة وطنية في سياق يحتاج دعم الاستقرار السياسي في البلاد لا تقويضه بترحيل حكومة دون القدرة على الإقناع بأفضلية البديل “الغائب” . حديث المؤامرة يستند أيضا لما يردده الجميع ( حكاما ومعارضين ) عن سطوة لوبيات الفساد ومراكز النفوذ وعن عجز الدولة عن التصدي لها أو حتى تعيينها والإشارة إليها بوضوح يسمح بالبدء في إجراءات مقاومتها، بما أعطى انطباعا لدى الشعب أنها “جهات” أكبر من الدولة ومن “الكومبارس” الحزبي المؤثث بحماس غبي لمسرح الدمى السياسي الذي يفقد الشعب تدريجيا حماسة متابعته حتى على سبيل التندّر.

وبين حديث عن فائض ديمقراطي تونسي ، يغضّ بصره عن حقائق تاريخية صلبة تؤكد وجود استراتيجية غربية معولمة للهيمنة على مقدّرات العالم لا تملك تونس مقوّمات الإفلات “المعجز” منها ببساطة، وحديث عن “مؤامرة” دولية تتحكّم في كل مسارات التاريخ لكل شعوب الأرض وبالتالي عن زيف العملية الديمقراطية وانعدامها كليّا ، بين هذين الحتميّتين القاصرتين عن الإحاطة بتعقّد الفعل الإنساني ، لن يعدم التاريخ التونسي إمكانيات السير الحرّ والمغامر نحو المستقبلّ ضمن مقتضيات ضرورات الواقع وحقائقه الصلبة.

مخاطرالديمقراطية الشكلية :

من المفيد التذكير بأن أعداء الديمقراطية أكثر بكثير من المؤمنين بها. وأن الخطاب الديمقراطي لا يعكس بالضرورة قناعة ديمقراطية . لذلك يصبح من الضروري الانتباه لخلفيات مكوّنات المشهد الديمقراطي الجديد. ولعلّ الجلسة البرلمانية التي خصّصت لحجب الثقة عن حكومة الصيد تصلح نموذجا مثاليا للبرهنة على هذه البداهة. المجازفة بتغيير القيادة التنفيذية للبلاد والزجّ بالإدارة والبلاد في حالة انتظار وذهول وعطالة ، دون تقديم أسباب قوية مقنعة، هو مخاطرة حقيقية بجوهر الديمقراطية في سياق انتقالي غاية في الهشاشة. هذه القفزة غير محسوبة التداعيات اضطرّت كل السياسيين إلى رطانة ديمقراطية لفظية منفّرة. فطفقت المعارضة تتحدّث عن “فشل” كلّي لجميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وهي تظنّ أن الشعب غافل عن دورها في تعطيل المسار وإجهاض الثورة (إلى حد تبرير شعار”عليّ وعلى أعدائي” في وثائقها الداخلية)  لتثبت عجز خصومها عن “خدمة” الشعب . وانخرطت أحزاب الإئتلاف الحاكم في خطابات تبريرية لمبادرة تفتقد الحد الأدنى من العقلانية، لتسقط في هوة سحيقة من اللّامصداقية. وهو أمر بدا على وجوه الذين تحدّثوا من نوّاب الإئتلاف سواء “الدمثين” منهم أو “الوقحين” . تترسّخ لدى كل المتابعين للشأن السياسي التونسي اليوم قناعة مفادها أن خطة تيئيس الناس من السياسة وترذيل الأحزاب والهزء من الديمقراطية آتت أكلها بما يتجاوز انتظارات أصحابها.كيف لا ورئيس الحكومة الراحل يردّد مع كثير من النوّاب أن مبرّرات ترحيله الحقيقية لا يجرؤ أحد من السياسيين على الإفصاح عنها سواء لشدّة خطورتها( استجابة لضغط لوبيات فساد ومراكز نفوذ خفية، أو مقدّمات لحرب التوريث) أو لشدّة تفاهتها ( صراع صبياني داخل نداء تونس ومن حوله حول منصب رئاسة الحكومة وحول الحقائب الوزارية في الحكومة القادمة). وكلتا الحالتين تؤديان إلى نفس النتيجة الكارثية : مزيد من فقدان ثقة الشعب في السياسة والأحزاب والديمقراطية، وتراجع عدد المدافعين عن المسار الديمقراطي الهشّ بما يفتح الباب واسعا أمام هيمنة مراكز القوة على مفاصل الدولة، وبما يغرى بعض الفاشيين من مختلف الخلفيات والأجندات باستسهال محاولة الانقضاض على الحكم في ظلّ لامبالاة شعبية بشؤون السياسة وتطبيع نفسي متزايد مع فكرة الدكتاتورية ردا على مآلات الديمقراطية المثبطة.

فكرة “الوحدة الوطنية” ضوء في بداية الطريق(لا في آخر النفق):

الوجه الآخر للمشهد السياسي التونسي لا يخلو من أسباب عدم الاستسلام لطقوس نعي المستقبل التي تعمّ الأدبيات السياسية في تونس ،وفي المحيط العربي الغارق في مستنقع الحرب الأهلية والتقسيم الطائفي والديني والمذهبي والتدخّل الأجنبي. ففكرة “الوحدة الوطنية” الحاضرة في المبادرة الرئاسية الأخيرة تشكّل عنوان الحدّ الأدنى السياسي الوطني الذي يسمح بالتداول الجماعي في “ما تبقى” من مساحات الفعل التاريخي ل”من تبقى ” متماسكا وممسكا ببقية من مصداقية من الفاعلين السياسيين .لا يجب الاستهانة أبدا بقدرة التونسيين على الحوار منذ تشكيل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة مرورا بالحراك السياسي والمجتمعي الذي أنتج دستورا نصّ على كلّ المشتركات التاريخية للمجتمع التونسي في هذه المرحلة من تاريخه، وبحوار وطني أنتج انتخابات برلمانية ورئاسية أولى في تاريخ البلاد الحديث، وصولا للمبادرة الرئاسية الحالية التي نجحت لسبب ما خفيّ (!!!) في جمع تسعة أحزاب سياسية وثلاث منظمات وطنية. صحيح أن النبرة الجنائزية تطغى على خطابات أغلب السياسيين وتعطي الانطباع بعجز الجميع أمام غول الفساد (الذي اعتبره رئيس الحكومة المتخلية أخطر من الإرهاب، ونبه شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد أنه طال كل قطاعات الدولة بلا استثناء)، ولكن هذا لا يمنع من التعويل على هذا الوعي الجماعي (الحكومي والشعبي) بخطورة الوضع الذي تمر به البلاد. وضع توافقت على تشخيصه الأطراف الممضية على “وثيقة قرطاج” ضمن مبادرة حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة. صحيح أن المسافة بين القول والفعل، بين الوعد والإنجاز ظلّت مزروعة بتعقيدات واقعية موروثة وطارئة ، وبأمراض طبقة سياسية غرقت لسنوات في تناحر إيديولوجي سخيف ومدمّر، وفي تكالب علني على المناصب(خاصة في صفوف الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة) تسبب في تصدّعات حزبية أضرّت بأداء الائتلاف الحاكم، وفي مزايدات سياسية لم تقدّر حجم المخاطر التي حفّت بمسار الانتقال الديمقراطي ، ممّا أضاع على البلاد وقتا ثمينا وفاقم من الصعوبات الهيكلية التي ستعسّر مهمّة أي حكومة قادمة مهما كانت درجة كفاءتها. تتراجع الآن في تونس التمايزات الإيديولوجية بأقدار مهمّة لصالح تعامل براغماتي تقني مع مشكلات  الواقع (رغم أن الجبهة الشعبية عادت في وثائقها الأخيرة – أنظر جريدة المغرب عدد 02 أوت 2016- للغة ماركسية كلاسيكية “أرشيفية” ، من مثل الكمبرادور والرجعية… )، وتخبو حرب الهويات العبثية بعد أن استعرت وكادت تتحوّل إلى اقتتال أهلي خلال سنوات كتابة الدستور، وتشهد البلاد هدوء في منابر إعلام كانت إلى وقت قريب أبواق دعاية سياسية مضلّلة وتزييف للوعي العام بغاية تحشيده في معارك سياسية كادت تتحوّل مرات كثيرة إلى فوضى شاملة، وتخفّ حدّة الشعارات الانقسامية التي تفرّق حدّيّا بين معسكري ما قبل الثورة وما بعدها. كلّ هذه التحوّلات من شأنها أن تهيّئ مناخا سياسيا تصالحيّا سلميّا قائما على ثقافة العيش المشترك وعلى منظومة معيارية قيمية جامعة في ظل دستور يضمن وحدة المجتمع وحقوق أفراده ، وفي ظل هيئات دستورية مستقلّة وذات مصداقية  تؤمّن عملية التحوّل التاريخي المعقدة إثر ثورة. هذا المناخ ، وإن كان لا يمنع وجود هوامش راديكالية عدميّة على اليمين واليسار تشكّك في جدوى كل شيء،فإنه سيتيح للتونسيين فرص تصحيح مسيرة الانتقال الديمقراطي المتعثّرة في ظل وحدة وطنية تكفي إطلالة سريعة على ما يحدث من دمار في الجوار العربي القريب لتقديرها حق قدرها.

 من الكثافة السياسية العالية إلى اللاسياسة :

على امتداد خمس سنوات ونيف من عمر الثورة التونسية، شهد المجتمع التونسي كثافة سياسية غير مسبوقة، راوحت بين مظاهرات شعبية عارمة غير مؤطّرة حزبيا، واعتصامات شبابية فيما يشبه “كومونات ثورة” نجحت في الإطاحة بالدكتاتورية، وانتخابات تأسيس للديمقراطية بمشاركة قائمات حزبية ومستقلة شهدت إقبالا شعبيا كبيرا ومصحوبة بنقاش مجتمعي حول قضايا السياسة والهوية والبدائل الاقتصادية شمل كل الفئات والجهات ، ثم كاد المسار الديمقراطي أن يتوقف تماما تحت تأثير احتجاجات اجتماعية مطلبية قطاعية وجهوية عطلت آلة الإنتاج وشلّت الحياة السياسية لتتوّج باعتصام باردو الشهير الذي أعقبته انتخابات رئاسية وبرلمانية أعادت ممثلي منظومة الحكم القديم إلى المشهد السياسي الجديد بآليات ديمقراطية نجحت مراكز النفوذ في اختراقها ماليا وإعلاميا، ممّا أحدث خيبة أمل شعبية في الديمقراطية برمّتها. ديمقراطية أطلقت أيدي لوبيات الفساد عوض أن ترسي سلطة القانون وتبدع حلولا لمخلفات الدكتاتورية من بطالة وتهميش اجتماعي وتفاوت جهوي. كان يمكن للشعب أن يستوعب صعوبات الانتقال نحو الديمقراطية والرفاه في سياق إقليمي ودولي لا يرحّب بمشاريع النهوض في منطقتنا ولا يدّخر جهدا لإجهاضها، وكان يمكن أن يتفهّم الشعب الصعوبات الملازمة للتحوّلات التاريخية العميقة لو أنس في سياسيّي البلاد حدّا أدنى من النضج تعطيه ثقة في استعدادها للتضحية في سبيله وفي قدرتها على قراءة سليمة لمتطلبات المرحلة. ولكنّ استغراق الطبقة السياسية في صراعات بينية عنيفة أضعف الجبهة الوطنية الداخلية وفتح البلاد أمام كل مشاريع الاختراق والهيمنة وكاد يحوّل الأمل الحالم في المستقبل إلى حنين مرضي للماضي.

خاتمة :

انهيار ثقة الناس في الطبقة السياسية ( حسب كل استطلاعات الرأي المنجزة مؤخرا ) وتراجع نوايا المشاركة في أي انتخابات قادمة (ولعلّ غموض موعد الانتخابات البلدية والجهوية القادمة وحده مؤشّر على هشاشة المسار ومغذّي لحالة فقدان الثقة ) جعلت البعض يتحدّث عن انتهاء السياسة في تونس. ولكنه حديث يفتقد في رأينا للمعقولية التاريخية.إذ السياسة ( بعيدا عن حيثيات التجاذب السياسي الحاصل حاليا في تونس والذي يلامس قاع السياسة ) حالة ملازمة للاجتماع البشري بما يجعلها “قدرا تاريخيا” قاهرا. لذلك لا يملك التونسيون إلا أن يبتدعوا طرقا جديدة في الفعل السياسي ونخبا سياسية بديلة تعيد للناس الثقة في جدوى المشاركة السياسية..وتعيد للديمقراطية روحها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل قرار زيادة مرتبات المعلمين سيؤدي إلى تحسين مستوى التعليم في ليبيا؟