أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 20 فبراير 2018.

المشهد الإعلامي في تونس بعد سبع سنوات من الثورة

ملخص                

تعتبر حرية التعبير من المكاسب الأساسية التي تحققت لوسائل الإعلام في تونس بعد الثورة، كما زاد عدد وسائل الإعلام، لا سيما في المجال السمعي البصري حيث بلغ 29 مؤسسة إعلامية من بينها 11 قناة تلفزية و16 إذاعة، نحو 40 صحيفة منها أقل من 10 يومية وأقل من 20 أسبوعية، و8 شهرية وواحدة نصف شهرية. وكانت سنة 2011 أي بعيد الثورة 39 قناة ونحو 50 إذاعة، و229 صحيفة بين يومية وأسبوعية، وشهرية. في حين كانت قبل الثورة 4 قنوات و14 إذاعة، ونحو 30 صحيفة. وحققت تونس المراتب الأولى في حرية الإعلام والتعبير بعد الثورة حيث حازت المرتبة الأولى سنة 2016 والمرتبة الثالثة عام 2017 بعد مدغشقر وموريطانيا.

 بيد أن وسائل الإعلام الخاصة تشكو من مصاعب مادية كبيرة، لسوء توزيع الإعلانات، وبعضها توقف عن الصدور والبث لأسباب مادية، ولأن بعضها تحول إلى ما يشبه الأحزاب السياسية، وفق البعض. حيث لا تقدم وسائل الإعلام في تونس أو أغلبها مادة إعلامية خاما، وإنما معلّبة وأحيانا منمطة، وبعضها صادم للذوق العام، وللسمة المحافظة للمجتمع التونسي، ونسيجه التقليدي. وكان لتدخل ما يعرف بالمال السياسي، والنقابات على مختلف أنواعها، والأحزاب السياسية، والحكومات، واللوبيّات، وأصحاب النفوذ المعنوي والمالي دور في تشكيل المشهد بتلك الطريقة، كما يؤكد أصحاب المهنة في الخط التحريري لوسائل الإعلام المختلفة، مما أفقدها ثقة القارئ أو المستمع أو المشاهد لبرامجها،أو قل الكثير منهم، مما أحالها لوسائل خاصة ب”أقليات” متعددة. كما أن هناك  كما يقول البعض انفصام بين نسبة المشاهدة أو الاستماع أو المبيعات والتأثير، فالمستهلك التونسي، ووفق خبراء، يستخدم خدمات وسائل الإعلام  استعماله للسيجارة، يرميها بعد الانتهاء منها. وهوما يفسره سلوك الناقدين لبعض وسائل الإعلام والاتهامات التي تكال لها من مشاهديها، وهو ما يستوجب حلا .

مقدمة

7 سنوات مرت على الثورة ، والمشهد الإعلامي لا يزال يتلمس مرافئ “الحرية الموضوعية”، بعيدا عن الاصطفاف السياسي و الآيديولوجي، أو على الأقل بعيدا عن البروباغندا، والدعاية السوداء، التي طبعت جزءا كبيرا من ” حرية الإعلام ” في تونس بعد الثورة. فالصيحات المنادية بحرية التعبير في مشهد أو موقع أو واقعة ، أو حيال طرف ما ، لا تجدها في مواقع مشابهة وحيال أطراف أخرى عندما يتغير الهدف. وقد لاحظ عدد كبير من الفاعلين في الحراك الاجتماعي بتونس ذلك، حيث لم تعد كثير من وسائل الإعلام التي كانت تسبقهم لأماكن تحركاتهم تحضر نشاطاتهم وتحركاتهم كما كان في السابق. واعتبر البعض ذلك” مجرد جيوش وعليها الآن العودة لثكناتها” وهكذا يفهمون الإعلام،  كما علق آخرون.

المصطلحات والمضامين

عند حديث البعض عن حرية الإعلام، وعن تنظيم المشهد السمعي البصري، فهو لا يتحدث عن حرية الإعلام وحرية التعبير كما خلدها فولتير”قد لا أوافقك الرأي، ولكني مستعد لبذل آخر قطرة من دمي للتعبير عن رأيك” ولكنها حسب مفهومهم الأيديولوجي للإعلام، وكيفية تنظيم المشهد السمعي البصري، تنظيم يقصى منه المخالف بتعابير سفسطائية موغلة في الشمولية والاستبداد والديكتاتورية والهيمنة واحتكار الحقيقة. فهم ضد توظيف ومع توظيف لوسائل الإعلام، مع تمويل وضد تمويل، ومع لوبيات وضد لوبيات، وهكذا. حتى وهم يتحدثون عن التلفزة الوطنية يستحضرون هذه الرؤية، فهم مع تدخل وضد تدخل في تسيير التلفزة الوطنية ومع واجهة وضد واجهة، ومع طرف وضد طرف، وليس هناك قانون أو آليات يحتكمون إليها، وإنما هناك توجه سياسي وأيديولوجيا وحسبك ذلك. فقد انتقد البعض رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أصابعه الأربعة  في زيارته الأخيرة  لتونس، واعتبروه ” استفزازا “نفس الأشخاص لم ينبسوا ببنة شفة عندما زار جاك شيراك تونس سنة 2003 وأهان التونسيين بعبارته” ليس لكم المطالبة سوى بالخبز والدواء”. ويمكن أن نضرب مثلا آخر بقناتي، الزيتونة والجنوبية،إذ  رفضت الهايكا منح القناتين إجازة البث بحجة أن ممثليهما القانونيين قياديين في حزبين سياسيين، ودعت القناتين لتسوية وضعيتيهما وقد حدث ذلك فعلا، إلا أن قناة الجنوبية تحصلت على الترخيص والزيتونة لم تحصل عليه حتى الآن. وضعيتان متطابقتان حكم فيهما بطريقيتين مختلفتين لأسباب سياسية وأيديولوجية بحتة. وبدل منح الزيتونة رخصتها القانونية، يتم التساؤل باستغراب شديد يكشف الحرص على وأدها” كيف يمكن لقناة الاستمرار بدون دعاية ،بيبليسيتي” في وشاية بأنها تتلقى تمويلا. رغم أن سوق الاشهار تصب لصالح قنوات  أخرى بنسبة 70 في المائة وفق بعض التقديرات، وأكثر من 30 مليون دينار تستحوذ على 90 في المائة إذاعات معينة كانت تشتغل قبل الثورة ومعوفة بميولاتها للنظام السابق.

وعلى أساس أيديولوجي وسياسي، يعاني صحافيون يعملون مع جهات إعلامية مصنفة من مقاطعة بعض السياسيين لهم، رغم الاعتذار لهم ومحاولة النأي بهم عن الجهات التي يعملون بها. ويعاني صحافيو قنوات تحافظ على دعم الربيع العربي. وقد اعترف الأستاذ بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار نور الدين الحاج محمود بوجود هذا الميز”منع تغطية بعض الأحداث أو احتكارها من مؤسسة دون أخرى وكذلك رفض التصريح لمؤسسة بحد ذاتها خاصة إذا كان توجهها ضد الشخص المستجوب حد بلا شك من مستوى الحرية”. ويجد المتابع المتخصص هذا في المنابر الحوارية{ البلاتوات } حيث تتكون من متناغمين فكريا وقل أن يكون هناك الرأي والرأي الآخر.وتلجأ بعض القنوات و لأسلوب فيه الكثير من الالتفاف على مبدأ” الرأي والرأي الآخر” حيث تستدعي ضيفا مختلفا فكريا ليجد نفسه وسط كماشة من الأشخاص المناوئين له فكريا فيضيع صوته في زحمة صراخهم، على حد تعبير البعض. وكما يعاني الصحفيون، يعاني السياسيون، من الاصطفاف السياسي والمالي والأيديولوجي وغيرها من الارتباطات الإعلامية بعد الثورة، وصلت بعض أصداء هذا التضارب إلى المحاكم. وسقط في هذه المطبات حتى من يتصدون بحكم الوظيفة لمثل هذه الممارسات. مما حدا بمسؤولين في مؤسسات إعلامية إلى الدعوة إلى التحري عند نشر الأخبار وإلى إجراء مراجعات على أساس المصداقية الإعلامية والمواثيق المهنية، وعلى التعامل مع مختلف وسائل الإعلام  على مسطرة واحدة.

الإعلام والمجتمع

بعد الثورة، ولا سيما في السنوات الأخيرة لاحظ مهتمون، وخبراء أجانب، أن هناك مؤسسات إعلامية حاولت التماهي مع الثورة بعد فرار المخلوع بن علي، وانخرطت في تمجيد الثورة ونشر غسيل النظام السابق الذي خدمته طويلا، وظن البعض أن تلك الوسائل الإعلامية كانت مجبرة على نمط معين من الإعلام التابع، لكن تطورات الأحداث، واحتفاظ النظام السابق بجزء هام من عافيته، والإدارة بطم طميمها ومنها وسائل الإعلام، كشف عن خطأ في التقييم السابق، إذ ظلت المؤسسات أو جزء كبير منها وفيا لما كان عليه الوضع من قبل. لكنها انقسمت حسب الولاءات الجديدة التي نشأت على إثر انقسام أتباع النظام السابق وهم ثلاثة أصناف صنف دعا لمراجعات فكرية عميقة وانتقد الوضع السابق للثورة،  { مثل المدير السابق لحزب التجمع، محمد الغرياني، وغيره } وصنف ظل صامتا إلى اليوم ، لأسباب مختلفة، وصنف يصر على صحة  الموقف النوفمبري، ويدافع عن النظام السابق، ويسفه الثورة ، ويدعو لحل أحزاب ، وسجن مناضلين. ولم يبرز موقف إعلامي يعكس هذه الاختلافات ، وتحديدا الموقف الذي يعبر عنه محمد الغرياني، المدير السابق للتجمع الدستوري الديمقراطي. مما يبرهن على خلل بنيوي في تكوين الإعلاميين في عهد النظام السابق وهم إما تجمعي أو يساري، أو لا موقف واضح. حيث أن بقية الطيف  كان ممنوعا أو مسجونا أو مهجرا في الخارج. هذه الخارطة هي التي سادت بعد الثورة ، وظل الإعلاميون في أماكنهم، مواقعهم، لتنفيذ أجندات حزبية وأيديولوجية، وحتى أبعد من ذلك، عكسته المواقف من حكومات الترويكا ، ثم التوافق بين النداء والنهضة ولكن بزخم أقل من قبل. حيث شجعت على العصيان، وتجاهلت نشاطات الحكومة، وانحازت بشكل فاضح للمعارضة الأيديولوجية قبل أن تكون سياسية. وكان هوَس تنميط المجتمع رغبة في ذلك، ورهبة من الأطراف الأخرى قد جعلها تستهدف وبشكل فج هوية وثقافة المجتمع من خلال برامج فاضحة، لم يتوان البعض من وصفها ب”برامج الاباحية “. كما لاحظ كثيرون كيف تعمد بعض وسائل الإعلام إلى تعكير صفو رمضان بالحديث عن الغلاء وكذلك في عيد الأضحى عن غلاء الأضاحي بطريقة تهدف لتكريه التونسيين في مناسباتهم الدينية، ولكن عندما يحين رأس السنة الإدارية يختفي الحديث عن الغلاء ويحل محله الترويج للاحتفالات رغم أن بعضهم ينفق أضعاف أضعاف ما ينفقه في رمضان والعيدين ليلة رأس السنة. ونحن لم ننته من استقبال العام الجديد 2018.

الهايكا وأهمية القيمة

في منتصف عام 2017 تقريبا، عقدت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ، الاستشارة الختامية حول مشروع القانون الأساسي لهيئة الاتصال السمعي البصري. وتتجه النية وفق ما صرح به الوزير مهدي بن غربية للفصل بين مشروع قانون هيئة الاتصال السمعي البصري، ومشروع قانون الاتصال السمعي البصري ، بهدف الإسراع في تركيز هيئة الاتصال السمعي البصري الدائمة ، والتي ستحل مكان الهيئة الحالية والتي نص عليها الفصل 127 من الدستور .ورغم أن الاستشارة شملت أعضاء في مجلس نواب الشعب، والهيئات الدستورية المستقلة، والنقابات  المعنية بصفة مباشرة، علاوة على ناشطين في المجتمع المدني، والمجال السمعي البصري، وما يطلق عليهم بالخبراء، إلا أن مهمة الهيئة بقيت عرضة للتفسيرات المختلفة، مما حدا بإحدى النقابات، وهي النقابة العامة للإعلام، لمقاطعة الاستشارة لعدة أسباب من بينها عدم تشريك الهياكل المهنية المعنية بشكل مباشر في صياغة مشروع قانون هيئة الاتصال السمعي البصري، والفصل بين مشروعي قانوني هيئة الاتصال السمعي البصري والاتصال السمعي البصري. وكان تعريف مهام الهيئة في الفصل 127 من الدستور قد خضع للعديد من التفسيرات المتعسفة أحيانا والمجتزئة له والبعيدة عن روحه، ولا سيما الإشارة إلى” تولي تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري وتطويره” و” السهر على ضمان حرية التعبير والإعلام، وعلى ضمان إعلام تعددي ونزيه” و” تمتع الهيئة بسلطة ترتيبية في مجال اختصاصها وتستشار وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بهذا المجال” كل هذا فتح المجال لتأويلات عديدة حول مضامين هذه النصوص، وكيفية تنزيلها على أرض الواقع.

اعتبر البعض الهيئة الحالية وقفت عند تعديل قطاع الاتصال السمعي البصري، ولم تقم بالخطوات الواجبة الأخرى، حيث لم يسجل حتى الآن أي جهد يذكر في تطوير القطاع، واكتفت بإصدار بيانات شجب واستنكار، أو فرض عقوبات وغرامات مالية على بعض وسائل الإعلام. وقد أثارت تدخلاتها المذكورة الكثير من ردود الأفعال سوا من قبل الجهات المتضررة، أو المراقبين، فضلا عن الشعب الذي خرج البعض منه منددا بإجراءات الهيئة “الهايكا” ولم يتم الإعتراف بالتعددية الإعلامية في أدنى مظاهرها ، بما يضمن التعدد النزيه واحترام حقوق الإنسان كما نص على ذلك الدستور. إخلالات كثيرة رافقت عمل الهيئة الحالية، سواء تعلق الأمر بالاستقالات التي شهدتها، ولم يتم سدّ الشغور، حيث  يجب أن تتكون وفق الدستور من 9 أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات ويجد ثلث أعضائها كل سنتين. ومن مهام الهيئة أيضا” دعم الديمقراطية في إطار مؤسسات الجمهورية الثانية ولا سيما التأسيس لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي تضمن فيه علوية القانون وتحرص على ضمان الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير”.

وقد رافق مسار الهيئة الكثير من أوجه القصور والعجز باعتراف هيئتها المديرة، ومن ذلك ما ذكره هشام السنوسي من أن الهيئة منعت من التدقيق المالي للتلفزة الوطنية. وكانت متشددة إلى حد العداء الصارخ مع بعض وسائل الإعلام كالزيتونة على سبيل المثال، ومتساهلة إلى حد كبير مع أخرى ولا سيما صفقة بيع قناة الحوار الجمعياتية إلى شركة تجارية خاصة، وغيرها. وعدم النظر في ملفات طلب الترخيص وفقا لكراس الشروط ، وإبقاء الحكم على الملفات القديمة ساريا على الملفات الجديدة ، ومبررا لمنع منح التراخيص . بل إن تضارب المفاهيم حول المهام جعل هشام السنوسي يصف ما قامت به قوات الأمن في القصبة يوم 25 فيفري 2016 “يضاهي الإرهاب”.

خاتمة

الآن والدولة تستعد لتركيز هيئة الاتصال السمعي البصري الدائمة، لا بد وأن تراعي ما شاب عمل الهيئة الحالية من اخلالات وإخفاقات وانزلاقات كأي عمل بشري معرض للخطأ والصواب. ولضمان الحيادية لا بد أن تخضع الهيئة لرقابة من مجلس نواب الشعب، والحكومة، ولما لا من مجلس يمثل وسائل الإعلام المختلفة إلى جانب الهياكل النقابية، فضلا عن القضاء. وأن تخضع القرارات الصادرة عن الهيئة الدائمة للمراجعة من قبل مجلس يمثل مختلف الأطراف حتى لا تتغول، وتخالف القانون باسم القانون. وأن يفرض على الهيئة تبرير قراراتها بالأدلة الدامغة، وبالوثائق والمعطيات المتوفرة لديها، ومنح الطرف المقابل الحق في الدفاع عن نفسه، ليس أمام القضاء فحسب، والذي يأخذ وقتا طويلا ليصدر أحكامه، علاوة على عدم بسط القضية من كل جوانبها وفي إطار الدستور، وإنما بعرض القضية على مجلس يمثل مختلف الأطراف حتى لا تقلب الحقائق وتسود الدغمائية وتغيب الحقيقة.ولا شك بأن توفر الحيادية في الأعضاء الممثلين للهيئة أمر صعب إن لم يكن مستحيلا، لا سيما وأن المرشحين عاشوا فترة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، وتأثروا بمقادير مختلفة بتلك الأجواء التي لا تزال سائدة إلى الآن . وبدون وجود هيئة رقابية على قرارات الهايكا، لا يمكن تحقيق القيمة التي هدف لها الدستور من تعددية نزيهة وحرية تعبير، وحقوق إنسان.

 عبدالباقي خليفة

عن مركز الدراسات الاستراتيجيّة  والديبلوماسية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

برأيك هل ساهمت منصات التواصل الإجتماعي في دعم المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي وإنهاء الإنقسام السياسي?

نعم - 6.7%
الى حد ما - 33.3%
لا - 56.7%

مجموع الأصوات: 30
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع