أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الثلاثاء 14 أغسطس 2018.

سباق في ليبيا ونزاعٌ على الحدود وسدّ النهضة.. ماذا يجري وراء الكواليس في الأزمة بين مصر والسودان؟

 
SISI BASHIR
 

يبدو أنَّ السياسة الخارجية السودانية تتحرَّك بارتجالٍ أكثر من كونها تتحرك وفق تخطيطٍ مهني مُتبصِّر وفق مقال نشره عطا البتاهاني أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم.

ويضيف البتاهاني في المقال الذي نشره بموقع Middle East Eye البريطاني أن تحركات السياسة الخارجية الأخيرة للسودان في تبديد مخاوفه والشعور بعدم الأمان. فلا الانحياز إلى التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن ولا رفع العقوبات الأميركية حسَّنا الوضع الاقتصادي المتردي كما يتضح من أرقام ميزانية 2018.

 

في الرابع من يناير/كانون الثاني 2018، استدعى السودان سفيره في مصر بحجة التشاور، وفقاً لتصريحٍ أدلى به وزير الخارجية السوداني، دون الإفصاح عن أي تفاصيل حول أسباب ذلك الاستدعاء أو مدة بقاء السفير في السودان.

جاءت هذه الخطوة عقب تراشق التصريحات السلبية والاتهامات شبه الرسمية بين البلدين من خلال وسائل الإعلام؛ في تفاقمٍ مفاجئ للأزمة الدبلوماسية أثار الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول توقيت هذا التفاقم ودوافعه الحقيقية، وفقاً لما جاء بموقع ديل إيست آي البريطاني.

 

الأسباب والدوافع

 

شهدت الأشهر القليلة الماضية نشوب خلافات بين القاهرة والخرطوم حول عددٍ من القضايا، من بينها النزاع حول ملكية منطقة مثلث حلايب الواقعة على الحدود بين البلدين، وقضية سد النهضة الإثيوبي العظيم، الأمر الذي نجم عنه تدهور العلاقات بينهما. وفي العام الماضي، اتهم السودان مصراً بالتدخل السياسي في شؤونه، وحَظَرَ استيراد المنتجات الزراعية من مصر.

لكنَّ هذا ليس كل شيء، إذ أنَّ كلا الطرفين يدعم مجموعاتٍ مختلفة من الفصائل المتنازعة في ليبيا؛ الغريب في الأمر أنَّه لا القاهرة ولا الخرطوم تملكان حلاً ولا عقداً فيما يتعلق بمستقبل ليبيا. إلى جانب أنَّ مصر اتهمت السودان أكثر من مرة بدعم جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

ازداد تدهور العلاقات بين البلدين بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان، وإعلان السودان عن قراره بالسماح لتركيا بإعادة تأهيل جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر واستخدامها كقاعدة عسكرية.

لكن حتى مع الجدل الشديد المحيط بزيارة رجب طيب أردوغان للسودان، ما زلنا لا نعلم يقيناً ما إذا كانت زيارة الرئيس التركي هي السبب وراء هذا التدهور الجديد للعلاقات بين القاهرة والخرطوم فعلاً أم لا. الجدير بالذكر أنَّ الميزان التجاري التركي مع مصر يقدّر بـ7.5 مليار دولار أميركي، في حين يبلغ الميزان التجاري التركي مع السودان 500 مليون دولار أميركي فقط، أي أنَّ الميزان التجاري التركي مع مصر يفوق ميزانها التجاري مع السودان بكثير.

بيد أنَّ كل هذه الدوافع لا تبدو كافيةً لتبرير تدهور العلاقات المتوترة أصلاً بين البلدين.

انعدام الشعور بالأمان لدى المؤسسة الحاكمة

شخصياً أرى أنَّ التقلبات التي تشهدها العلاقات المصرية السودانية -وهي حقيقية ومدعاة للقلق- لها علاقة بأسباب وعوامل خفية تتجاوز الأسباب والدوافع التي ذكرناها آنفاً بكثير.
إذ أنَّ لها علاقة بانعدام الشعور بالأمان لدى المؤسسة الحاكمة نتيجةً لعدم التوافق بين طبيعة نظام الحكم في البلدين. عدم التوافق هذا بالضبط هو ما يغذي المخاوف المتعلقة ببقاء نظام الحكم في البلدين ويزيدها، وإن كان بدرجاتٍ متفاوتة.

بعبارةٍ أخرى، للأمر علاقة بانعدام الثقة الكامن والعميق الذي يشعر به كلا الطرفين تجاه الطرف الآخر، والذي يصل إلى حد شعوره بأنَّ الطرف الآخر يهدد وجوده ذاته.
فمصر ترى أنَّ انعدام الأمن هو أحد تداعيات الربيع العربي وشبح الإسلام المتطرف في البلاد، وتعتبر السودان أحد العوامل المساهمة في ذلك: إذ أنَّه لأول مرة في تاريخ السودان منذ أيام الحركة المهدية -حركة دينية دامت منذ عام 1881 وحتى عام 1889 وأنهت الحكم المصري العثماني للسودان- استطاعت الحكومة السودانية قلب الموازين ضد المؤسسة الحاكمة في مصر، مستعينةً في ذلك بورقة الحركة الإسلامية.

ما حدث أنَّ الإسلاميين حين استولوا على السلطة في السودان بانقلابٍ عسكري وحكموا لفترةٍ دامت منذ عام 1989 وحتى أواخر تسعينيات القرن الماضي، سبَّب هذا صدماتٍ واضطرابات في المؤسسة السياسية المصرية. وبطبيعة الحال، اختارت مصر الرد على ذلك عن طريق تقديم دعمها لحركة المعارضة السودانية والاستحواذ على مثلث حلايب.
ما زاد الأمور سوءاً هو هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على الحياة السياسية والانتخابية في مصر في أعقاب موجة الربيع العربي، ثم الإطاحة بها في عام 2013 وتهميشها وملاحقتها قضائياً، مما تسبب في انحدار البلاد إلى حالةٍ من الصراع الداخلي وزاد من نقاط ضعف نظام الحكم بها.

مع أنَّ حركة الإخوان المسلمين لم تكن تشكل خطراً داهماً، هناك من يرى أنَّ صمودها هذا مُستمد من السودان الذي يُجاور مصر جنوباً. لكنَّ المؤسسة الحاكمة في مصر من جانبها تعتبر هذا الأمر خطاً أحمر، إن لم يصل إلى حد التهديد لوجودها ذاته، لذا فهو ليس قابلاً للتسوية.

أما السودان، فانعدام الأمن متأصل في هيكل نظام الحكم السوداني منذ انقلاب يوليو/تموز 1989: إذ أنَّ الصراعات التي تشهدها البلاد منذ ذلك الحين لاتزال مستمرةً دون هوادة، فضلاً عن انفصال جنوب السودان في عام 2011 وما نجم عنه من استحواذ الجنوب على إيرادات البلاد النفطية، والاتهامات التي يواجهها رئيس الدولة وكبار المسؤولين الحكوميين من المحكمة الجنائية الدولية لمسؤوليتهم عن المجازر التي تحدث في دارفور.

كل هذه التطورات أدت إلى تفاقم الشعور بانعدام الأمان. لكن الحقيقة هي أنَّ السودان أكثر عرضة من مصر للمخاوف المتعلقة بتغيير نظام الحكم أو بقائه.
ما يعزز من الشعور بانعدام الأمان في كلتا البلدين هو عدم توافق طبيعة نظام الحكم فيهما: نظام الحكم في مصر متوافق مع نظام الحكم شبه العسكري التقليدي كمؤسسة حاكمة. أما نظام الحكم في السودان، فقد خضع لتغييراتٍ في عهد الإسلاميين خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ انتقل من النظام العسكري في أول الأمر، ثم إلى نظام الحزب الواحد، وأخيراً إلى الحكم المطلق لفرد واحد في الوقت الراهن.

لكن مع فقدان السودان إيراداته النفطية وتشتت نخبته، أصبح اقتصاده المعتمد على النفط أكثر تأثراً من ذي قبل بالتغيرات الاقتصادية والمالية الخارجية المتقلبة؛ وهذه التطورات من شأنها أن تشكل تحدياتٍ سياسية خطيرة أمام بقاء نظام الحكم في البلاد.

أولويات السياسة الخارجية

يبدو أنَّ السياسة الخارجية السودانية تتحرَّك بارتجالٍ أكثر من كونها تتحرك وفق تخطيطٍ مهني مُتبصِّر.

إذ فشلت تحركات السياسة الخارجية الأخيرة للسودان في تبديد مخاوفه والشعور بعدم الأمان. فلا الانحياز إلى التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن ولا رفع العقوبات الأميركية حسَّنا الوضع الاقتصادي المتردي كما يتضح من أرقام ميزانية 2018.

وقد يُنظَر إلى زيارة أردوغان -التي يُهدَف منها جذب رأس المال والشركات التركية إلى السودان وتخفيف الشعور المتزايد بعدم الأمان- باعتبارها محاولة أخرى للعب بالورقة الجيوسياسية (تقديم جزيرة سواكن لتركيا لأغراضٍ عسكرية). لكنَّ ذلك يُهدِّد بتحويل البحر الأحمر إلى منطقةٍ أمنية بحد ذاتها تتنافس مع منطقتي الخليج والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويُهدِّد كذلك بإدخال المنطقة في حالة سيولة يصعب التنبؤ بنتيجتها.

وفي ظل تدهور الاقتصاد، وانتشار الفقر، والغضب الشعبي الذي يغلي ببطء، والدخول في بحرٍ جيوسياسي مضطرب، يصعب تخيل استمرار المزاج المُناهض لمصر طويلاً.
لكنَّ الجزء الأكبر من الدبلوماسية السودانية يحاول الخروج من دائرة المعضلة الحالية. وسر تحسين الاقتصاد والمكانة الدولية لا يكمن في العلاقات مع العالم الخارجي، بل في الضائقة الداخلية وعلاجها.

بالتالي، فإنَّ السيناريو الأرجح هو تناوبٌ بين حالات التصعيد والتهدئة في ظل التحرُّكات المحمومة من الدول المجاورة، لتجنُّب انهيار التوازن الهش في العلاقات بين الدول، والذي يصعب تصور عواقبه المدمرة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع