أخر تحديث لموقع المركز الوطني لدعم القرار بتاريخ : الأربعاء 15 أغسطس 2018.

هل تتغير المعادلة السياسيّة في أفق الانتخابات البلديّة ألفان وتمانية عشر ؟

ملخص

أسفرت الانتخابات البرلمانية الجزئية  عن فوز ياسين العيّاري مرشح قائمة الامل بمقعد عن دائرة المانيا. وسارع بعدها بعض  السياسيين  والاعلاميين  إلى الترويج إلى وشك فضّ الشراكة بين النّداء والنهضة وإنهاء التوافق بينهما اثر بيان اصدره حزب نداء تونس أعرب فيه عن نيته مراجعة العلاقة مع اطراف سياسية. من جهتها، أعلنت حركة النهضة في البيان الختامي للندوة السنوية  لإطاراتها المنعقدة يومي 23 و24 ديسمبر 2017 ، سلامة الخيار السياسي للحزب في تمسّكه بنهج الشراكة والتّوافق في إدارة الشَّأن العام رغم صعوبة المهمّة. وسط  أجواء اطمئنان لترسيخ الديمقراطية  بالاعلان عن عزم الدولة اجراء الانتخابات البلدية في شهر ماي 2018 ، و بين العوائق والحوافز، وبين رياح تشتهيها سفن اهداف الثورة والانتقال الديمقراطي، وبين أعثار الطريق يتواصل الجدل  والتعلق بنجاح المسار في زمن انتخابي تدخله البلاد بخطى حثيثة قد تتغير فيها المعادلة السياسية .

 مقدمة

أصدرت حركة نداء تونسي يوم 17 ديسمبر 2017 بيانا اعترفت فيه بالنتائج الأوّلية للانتخابات الجزئية التونسية لسدّ الشّغور بمجلس نوّاب الشعب في دائرة ألمانيا، التي جرت وسط الشهر وأسفرت عن فوز مرشّح قائمة الأمل المستقلة ياسين العياري بالمقعد الوحيد بالدائرة، متقدّما عن مرشح حركة نداء تونس والمدعوم من حركة النهضة، فيصل حاج الطيّب. تضمّن البيان رسائل أهمّها أنّ هذه النتيجة ستكون  إعلانا “للانطلاق في مسار الإصلاح الهيكلي الداخلي للحزب”، وأنّ الحركة “ستقوم بالمراجعات الشجاعة والضرورية في علاقتها مع بعض الأطراف السياسية”. وسارع بعض الإعلاميين والسياسيين والمتابعين، استنادا إلى البيان المذكور وتصريحات لقيادات ندائية، إلى الترويج إلى وشك فضّ الشراكة بين النداء والنهضة وإنهاء التوافق. من جهتها أعلنت حركة النهضة في البيان الختامي للندوة السنوية  لإطاراتها المنعقدة يومي 23 و24 ديسمبر 2017 “سلامة الخيار السياسي للحزب في تمسّكه بنهج الشراكة والتوافق في إدارة الشأن العام وفي تحمّل أعباء المرحلة” وأوصت ب “تعزيز العلاقة مع الشركاء، والعمل على توسيع التوافق ليشمل بقية العائلات”. كما أعلنت عشرة أحزاب سياسية، من بينها المشروع وآفاق و المبادرة  والجمهوري والمسار، الموقعة على وثيقة قرطاج، في بيان لها يوم الثلاثاء 26 ديسمبر2017، “التقدم للانتخابات البلدية ضمن قائمات موحدة في كل الدوائر الانتخابية، باعتماد مقاييس موضوعية تضمن مساحة واسعة للكفاءات الحزبية ولمختلف مكونات المجتمع المدني”. فهل نحن إزاء تغيّرات في المشهد السياسي والحزبي في مطلع سنة جديدة؟ وأيّ مستقبل للتوافق وحكومة الوحدة الوطنية؟ وهل تشي نتائج انتخابات ألمانيا وحركية الأسابيع الأخيرة بتغيّرات في موازين القوى السياسية في أفق الانتخابات البلدية المزمع تنظيمها  في 6 ماي 2018؟

حقيقة الانتخابات الجزئية في المانيا

فاز ياسين العياري بمقعد دائرة ألمانيا، بحصوله على 284 صوتا، وتقدّم عن مرشح حركة نداء تونس الحاصل على 253 صوتا. ولم تتجاوز نسبة المشاركة  بهذه  الانتخابات5.02  بالمائة. وكانت هذه النتيجة مفاجئة وصادمة، بما جعلها تحوز من المتنافسين فيها والمتابعين وسائر التونسيين،  باهتمام فاق الاهتمام بالانتخابات نفسها. فماذا جرى وما هي أهمّ الاستخلاصات السياسية المتّصلة بذلك؟

  يبدو أنّ حزب النداء لم يُحسن تقدير الموقف جيّدا وكانت معطياته عن القاعدة الانتخابية  بدائرة ألمانيا غير محيّنة، فاطمأنّ إلى رصيده   في انتخابات 2014، مُغفلا تغيّر السياق والمعطيات، كما عوّل أكثر من اللزوم على حليفه حركة النهضة، التي وقعت في نفس الخطأ تقريبا. وتفاجأ الجميع بنسبة المشاركة الضئيلة جدّا والتأثيرات السلبية للخلافات الداخلية. فقد تسبّبت انقسامات نداء تونس في تشتيت واضح ومؤثر لقاعدته الانتخابية في 2014، ولعب حزب مشروع تونس خاصّة، وأمينه العام محسن مرزوق الذي رابط بألمانيا وألقى بكل ثقله، دورا حاسما في إضعاف مرشّح النداء وفوز ياسين العياري. فقد افتك المشروع جزءا مهمّا من الماكينة الانتخابية للنداء وشنّ حملة على الحزب ومرشحه  وأخذ ثلث أصوات من شاركوا من القاعدة الندائية. هذا إضافة إلى تأثير أربعة مرشّحين آخرين من المنشقين عن النداء. ولا يخطئ المتابع الأثر الحاسم للخلافات الداخلية التي امتدت إلى ألمانيا في هزيمة النداء. فالغالبية من منخرطيه لم يذهبوا للتصويت أصلا ومن شاركوا لم يتأكد تصويتهم جميعا لمرشح حزبهم. ويكفي أن يذكر الندائيون أنّ أكثر من 500 من أنصار الحزب حضروا اجتماعا لحافظ قائد السبسي أثناء الحملة الانتخابية، لنتساءل عن أثرهم في التصويت. ولا يستبعد البعض إرادة في هزم النداء من داخله لتصفية حسابات مع القيادة أو الضغط لتغيير الخط السياسي. كم كمالا يُستبعد أثر الخلاف حول سياسة التوافق داخل النداء وداخل النهضة أيضا في الهزيمة الحاصلة.

إنّ نسبة المشاركة الضئيلة جدّا، والمخيفة، مهما كانت أسبابها الموضوعية مثل غياب الرهان القويّ والتنافس المثير، على غرار انتخابات 2011 و2014، أو صعوبات التنقل لمراكز اقتراع  بعيدة تقلّصت من 14 إلى 04 فقط وفي طقس بارد جدّا، أو المناخ السياسي السلبي وضعف التعبئة في الإعلام وأنشطة الأحزاب والجمعيات، مهما كانت أسبابها فهي تظلّ نسبة تبعث برسائل خطيرة، وأهمّها انعكاسات ذلك سلبيا على مستقبل الاستثمار المالي من الدولة التونسية أو الدول والهيئات الداعمة للتجربة التونسية، في الانتخابات والديمقراطية، والتي يتبيّن من خلال هذا المؤشر أنها لا تهمّ سوى نخبة أقلية (5 بالمائة فقط). فضلا عمّا تعكسه من مزاج سياسي سلبي لدى عموم الناخبين. وأخطر ما في الأمر أن تلك النسبة لا تضمن حماية مسار الانتقال الديمقراطي. فالشعب أهمّ حام لديمقراطيته. كما  أنّ التوافق الحاصل بين الزعيمين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، والمكرّس لاحقا بين حزبي النداء والنهضة في البرلمان والحكومة، يُختبر لأوّل مرّة داخل القواعد والجمهور الانتخابي للحزبين، وقد كشفت هذه التجربة الأولى نواقصها وصعوباتها التي أثّرت على الجدوى والنتائج. وباتت  تحتاج إلى المعالجة مستقبلا. وإنّ فوزا مفاجئا لمترشح مستقلّ، مهما كان ومهما اختلفنا معه، ودخوله البرلمان  بالحصول على 284 صوتا فقط، لا يبرّر هذا الحجم من الانزعاج والاستنتاجات المتشائمة. إذ يمكن اعتباره “فلتة” على غرار”نواب الصدفة” في المجلس الوطني التأسيسي. فقد تكون  المنافسة تركّزت بين  أحزاب بعينها ولم تنتبه إلى مثل هذه المفاجأة. مثلما استفاد نواب التأسيسي من حسن الجوار في القائمات. لكن هذا الفوز لشاب مستقل لا يخلو من رسائل إيجابية لا يمكن إنكارها، من بينها أنّ الانتخابات التونسية شفّافة وغير معلومة النتائج مسبقا وأنّ الأمل في الفوز متاح لكافّة المترشحين، وهذا من شأنه أن يشجّع الشباب خاصة على المشاركة مستقبلا.

التوافق و الاختبار الصعب

 فوّض بيان النداء المذكور سابقا لاجتماع هياكل الحزب التي تمت دعوتها للاجتماع  يومي 23 و24 ديسمبر اتخاذ القرارات المناسبة في موضوع المراجعات الشجاعة والضرورية في علاقة  الحزب مع بعض الأطراف السياسية. وتضاربت تصريحات الندائيين في تفسير أسباب الهزيمة في علاقة بحركة النهضة، بين من يردّ النتيجة إلى وضع داخلي للنداء أو تآمر على قيادته أو غضب على سياسته، ومن يتّهم حزب النهضة الشريك بالخذلان أو “معاقبة النداء”. بين من يشكر قيادة النهضة على موقفها التضامني ومن يتّهمها بالمراوغة. بين من يُحمّل قيادة النهضة المسؤولية ومن يردّ الأمر إلى عصيان القاعدة أو تمرّدها على قرار دعم مرشح النداء. وسارعت كثير من الأوساط السياسية والإعلامية إلى الجزم بقرب إعلان الطلاق بين النداء والنهضة وانتهاء تجربة التوافق بينهما التي ظلّت محلّ عدم رضا وانتقاد من قبل غير المؤيدين لها. لكن يبدو أنّ هذه الاستنتاجات كانت أقرب إلى التعبير عن أماني أصحابها أكثر مما تستند إلى حقائق الواقع. فالتوافق لم يكن يوما مسألة مزاجية، بل خيارا سياسيا واعيا ومسؤولا، أملته سياقات الانتقال الديمقراطي واقتضاه النظام السياسي والقانون الانتخابي وبيّن نجاعته وأثره الإيجابي على البلاد وعلى الحزبين فضلا عما يلقاه من استحسان ودعم إقليمي ودولي. ومثل هذا الخيار لا يُلغى بالسرعة التي يتمناها البعض ولا تفسخه نتائج جزئية في أصغر دائرة انتخابية. كما أنّ تصريحات الناطق الرسمي باسم النداء أشارت بوضوح إلى أنّ المراجعة لن تشمل العلاقة بالنهضة في الحكومة والبرلمان وإنّما تتّصل بجوانب سياسية تشمل النهضة وأحزاب أخرى.

 حرصت حركة النهضة من جانبها على الابتعاد عن ردود الأفعال الفورية، وبدت التصريحات القليلة للقيادات النهضوية هادئة ورصينة، تأسف للنتيجة وتتفهم ردود الشريك على ما حصل، في حين كانت مؤسساتها تعكف على دراسة العملية في مختلف جوانبها وتداعياتها على المشهد السياسي والاستحقاقات الانتخابية القادمة. واكتفى بيان لاحق بعد اجتماع المكتب التنفيذي بتعبير الحركة عن “انشغالها من محاولة بعض الأطراف التي اقترن اسمها بالاستبداد والفساد تسميم الأجواء السياسية  والتشويش على المسار وتكريس منطق الاحتقان والاستقطاب وتقسيم التونسيين”. ومع الابتعاد التدريجي عن لحظة “الصدمة” تراجع التوتّر في بعض الخطابات وبدأت الأمور تعود إلى نصابها. فقد كان بيان النداء منتظرا لامتصاص نتائج صادمة وإعلان العزم على تصحيح الأخطاء التي يُعتقد أنها سبب الهزيمة. فللانتخابات أعراسها وجراحها. وتبدو المراجعات مشروعة وهامة، خاصّة في تحميل المسؤولية وعلاقة تغيير الخط السياسي بتغيير القيادة، وفي علاقتها بالاستحقاقات الانتخابية القادمة. وفي حين أعلنت قيادة النداء عن تأجيل اجتماع هياكلها المتزامن مع انعقاد الندوة السنوية لحركة النهضة، جاء البيان الختامي لإطارات النهضة مؤكدا لخيار التشارك والتوافق. نجحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد مشاورات مع كل الفاعلين السياسيين،  في تحديد يوم 6 ماي 2018 تاريخا توافقيا، لإجراء الانتخابات المحلية. وجاء توقيع رئيس الجمهورية على الأمر القاضي بدعوة الناخبين لهذا الاستحقاق، بعد إعلان نتائج دائرة ألمانيا، وقبل مدّة من انقضاء الآجال القصوى التي يفرضها القانون، تأكيدا على سلامة المسار، ووضع للبلاد على سكة الانتخابات ووقف حالة التردد و الشك التي ارتبطت بتأجيل موعدها، وبمناخ التوتر السياسي خلال الفترة الأخيرة. وكانت تلك المؤشرات عنوانا لتجاوز التوافق إحدى أهم الامتحانات.

 الانتخابات المحليّة لسنة 2018

 لا خلاف على أنّ ترسيخ الديمقراطية والتداول على الحكم يقتضيان توازنا في المشهد الحزبي، حتّى يكون للتنافس معناه وحتى لا تكون الهيمنة مغذّية للاستبداد مجدّدا. وهذا أحد أهمّ أسباب تشكّل حزب حركة نداء تونس الذي سوّق نفسه بهدف إحداث التوازن في المشهد الحزبي بعد التقدّم الملحوظ لحزب حركة النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وبوادر هيمنته على الحكم رغم الشراكة المعتمدة في صيغة الائتلاف الثلاثي الحاكم المعروف ب”الترويكا”. وقد لاقت هذه الفكرة تجاوبا في تجميع كثير من خصوم النهضة في نداء تونس. وساهم ذلك مع عوامل أخرى معقّدة في إحداث التوازن المفقود، بل في تقدّم النداء على النهضة في تشريعية 2014. لكن المفاجأة حصلت باضطرار الأوّل إلى التحالف مع غريمه الذي حلّ ثانيا في الترتيب مع فارق بسيط، وأحزاب أخرى صغيرة، لتشكيل أغلبية برلمانية حاكمة يحتاجها  استكمال الانتقال الديمقراطي وتجد في التوافق المسجّل بين الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي منذ ما يعرف بلقاء باريس السند والضامن. وليتوسّع الائتلاف الحاكم لاحقا إلى ستّة أحزاب ضمن ما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية حاليّا.  بعد إقرار موعد توافقي لاستحقاق الانتخابات المحليّة في 2018 وفي أفق الاستحقاق الدستوري للانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية2019 ، تشهد الساحة السياسية حراكا ملحوظا بتشكيل أحزاب جديدة أو تحالفات حزبية لخوض الانتخابات البلدية. وتشتغل هذه الكيانات السياسية مجدّدا على نفس الفكرة الأساسية التي ظهرت بعد انتخابات 2011، في ملء الوسط وإحداث التوازن المفقود مع الحليفين في الحكم النداء والنهضة. وهذا حراك محمود وواعد في ظاهره لكن تحفّه أسئلة هامة وتتعلّق به شكوك حول مستقبله وقدرته على رفع التحدي بتغيير موازين القوى السياسية في أفق الانتخابات المحليّة في المدى المنظور وما يليها من استحقاقات في المدى الأبعد.

 لا تبدو الانتخابات القادمة يسيرة على جميع الأحزاب، وهي رغم طابعها المحلي ستؤثر بقوة في تشكيل المشهد الوطني فيما يليها من انتخابات. وهذا يصدق على الحزبين الشريكين الرئيسيين في الحكم ومدى صمودهما أمام مصاعب المرحلة وكمّ النقد من خصومهما الذين يروّجون لفشلهما، وأمام الاحتقان الشعبي تجاه سياساتهما، مع النفاذ التدريجي لصبر الموجوعين والعاطلين والجائعين. كما يصدق في شأن منافسيهم الذين يجدّدون أنفسهم تحت عناوين مختلفة، لكنهم يعيدون نفس الخطابات والتكتيكات تقريبا في الضديّة أو الوسطيّة أو التوازن أو الإنقاذ أو الخيارات البديلة… وما نجح مرة يفقد جدّته وجاذبيّته وليس مضمون النجاح ثانية. ومن جهة أخرى فإنّ المشهد الحزبي بتونس لم يتشكل بعد على خلفيّات وانتماءات اجتماعية واضحة، ولذلك فإنّ حزبي النداء والنهضة اللذان يتجدّدان بدورهما في الأفكار والخطاب والأشخاص ويستفيدان من أخطاء الماضي البعيد والقريب، نراهما عمليّا يملآن مساحة كبرى في الوسط الاجتماعي والثقافي ويفرزان تجذّرا محدودا على أطرافهما، ولا يتركان مساحة ذات بال لمنافسيهما على هذا الوسط. كما أنّ المشتغلين على فكرة ملء الوسط بين النداء والنهضة مخترقان سياسيا وفكريا بجاذبية هذين الطرفين أو استقطابهما للمشهد. فللوسط محاسنه ومساوئه أيضا. ولعلّ ذلك الدرس الأوّل المستخلص من فشل تجارب عديدة في التقارب والاندماج منذ الثورة إلى الآن، وكذلك في الانقسامات الحاصلة داخل الأحزاب.  يضاف إلى ما سبق أنّ حزبي النهضة والنداء يغرفان من رصيد تاريخي لم ينفد بعد، ويتطلّعان إلى تصالح تاريخي مع الماضي، يعزّز مصالحة شاملة ومطلوبة في الحاضر، لتأمين مستقبل من الاستقرار السياسي الحيوي في ظلّ تقلبات إقليمية ودولية بالغة الخطورة. وهما يعبّران عن حاجة موضوعيّة مفتقدة لدى خصومهم المنقسمين على أنفسهم أيديولوجيا وتنظيميا والمتحدين سياسيا في تبني منهج إقصائي لخصومهم. إضافة إلى ما يملك النداء والنهضة من قوة ذاتية، يصعب على منافسيهم اكتسابها في ظرف وجيز تفرضه الاستحقاقات القريبة بمقياس الزمن السياسي.

 لهذه الاعتبارات مجتمعة وأخرى لا يسمح المجال بالاستفاضة فيها، يبدو من الصعب أن تتغيّر موازين القوى السياسيّة في أفق استحقاق الانتخابات المحليّة.  لكن يظلّ للحراك الحزبي أهميته وبريقه، فهو إن لم يغيّر الموازين كليّا، فإنّه سيضغط إيجابيا على القوى الأساسية التقليدية. ولا تستبعد المفاجآت، إذ يخطئ في الغالب من يصادر المستقبل ويجزم بالحتميّات. لكن يبقى الجوهر في أن تنضبط العملية السياسية بالدستور وبمقتضيات الديمقراطية، ولا تستبدل فيها المنافسة بالاستعداء ولا يُلجأ فيها للاستقواء بالأجنبي ولا يحصل فيها مزيد من  عزوف الناخبين.

تونس ودخول الزمن الانتخابي

بالعودة إلى مقتضيات القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء المؤرخ في 14 فيفري2017، لا سيما ما يتصل  بشروط الترشّح وتقديم الترشّحات، يتبيّن ما يسبّبه تشكيل القائمات من حمّى صداع للبعض وحمّى صراع للبعض الآخر.  فالشروط العسيرة لتشكيل القائمات، إذا أضفنا إليها أن يكون المترشّح مسجّلا بالدائرة المعنية، خلافا للتشريعية، تجعل الأغلبية الساحقة من الأحزاب التي يتجاوز عددها الرسمي المائتين، عاجزة تماما  اليوم عن الإيفاء بمتطلبات المشاركة التنافسية الدنيا في بلديات 2018. لذلك يشعر القائمون عليها بالحرج وبعبء الاستحقاق ممّا يرفع حمّى الصداع لديهم. وقد تخفف التحالفات من ذلك الصداع دون أن تلغيه. وفي الجهة المقابلة ترتفع حمّى الصّراع في الأحزاب والقائمات المستقلّة ذات الرهانات التنافسية مهما كان حجم الرهان. فاعتماد الاقتراع على القائمات دون الأفراد، في دورة واحدة، وتوزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا، كما حصل في الانتخابات التأسيسية والتشريعية الماضيتين، سيجعل الصراع محتدّا في ترتيب المترشّحين على القائمة. فالأوائل هم الأكثر حظا ولا يمكن في كل الأحوال التنافسية فوز قائمة مهما كانت بجميع المقاعد.

  خاتمة

مهما تكن درجة الصداع أو الصراع، فإنهما المؤشر على أن بلادنا دخلت الزمن الانتخابي ومهما تكن التحالفات الانتخابية التي قد تتسبب في تفكّك  نهائي لمكونات وثيقة قرطاج، فإنّ ذلك لا يهدّد الاستقرار السياسي الذي يضمنه بالأساس توافق الحزبين الرئيسيين،  لكنّ دعوة الاتحاد  العام التونسي للشغل، أحد أطراف وثيقة قرطاج  الداعمين لحكومة الوحدة الوطنية، إلى انتخابات مبكّرة، مؤشر لا يبعث على الاطمئنان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

بعد منح الإعتمادات للتجار هل لاحظت إنخفاضاً في أسعار السلع التموينية؟

نعم - 0%
إلى حد ما - 19.6%
لا - 78.3%

مجموع الأصوات: 46
انتهت عملية التصويت في هذا الاستطلاع